استقلالية الذات وطموح التحرر في الأعمال التشكيلية للفنانة فوزية ضيف الله

 

“إن أعلى نشاط يمكن للإنسان تحقيقه هو تعلم الفهم، لأن الفهم يعني أن تكون حرا”

باروخ اسبينوزا
تطالعنا تجربة الفنانة التونسية والباحثة فوزية ضيف الله على مفاهيم وتصورات تجد ضالتها في رحاب التفكير الفلسفي الذي جعلته أفقا منبسطا لمعانقة أسمى معاني الحرية وفكرة المسؤولية؛ إنها مهمة شاقة ليس من السهل العزم عليها ألا وهي التعبير عن الذات وأسئلتها للوصول إلى لحظة الإحساس بالسعادة. نعم إنها سعادة للنفس والروح تطرق باب خيالك لتسافر في العوالم الممكنة حسب لغة ليبنز، تلك التي تدفعك لإعادة التفكير وبناء تمثلات نفسية واجتماعية للغة التجريد ونوافذه المطلة على التأويل.

إنه تأويل انطلقنا منه بوصفه تحليلا منهجيا لبلوغ المضمر والمسكوت عنه داخل الخطاب التشكيلي الذي يؤثث لتجربة الفنانة فوزية. فتجدها تنجذب نحو المرأة وبورتريهاتها المتدرجة تحت مراحل التطور في عملية التمدن التي عرفتها المرأة التونسية، ولا سيما أن هذه المرأة لم تألف مرحلة وسطى بين هاجس التقاليد وطوح الارتماء في حضن الحداثة. فمتى ستستفيق المرأة التونسية لكي تعرف أنها كائن حداثي بامتياز..؟

ألا تعرف أنها تستطيع التحرر من كل سلاسل الحتمية وقيود الإكراهات النفسية والاجتماعية التي تهدد استقلاليتها وإرادة تحقيقها لكل إمكانياتها؟

هي لغة اللون والتعبير التشكيلي: رسومات وتصنيفات ذهنية تختفي داخل عوالم فوزية؛ فتراها فاتحة للمرأة نافذة الحرية وحنين إلى الماضي والحاجة إلى التحديث من أجل الدفاع عن المشترك الإنساني وفكرة الالتزام والمسؤولية، وتارة أخرى تنقلنا معها للمعنى ومفهوماته ولمعنى المعنى ودلالاته، لنتعقل مها مكامن الظاهر والباطن المجاور له، نحو المؤتلف والمختلف، لكي نروم معها أيضا التعرف  la reconnaissance وإعادة بناء ما هو عندنا من أفكار لنقتفي أثر التأويل la trace de ‘interprétation

ورحابة تفرعاته. كما نجد في تعدد الأشكال التعبيرية التي توظفها إحالات على دلالات الهوية التونسية، فضلا عن تضارب منظومة القيم بين التقليد والتحديث، فتجريدها للأعمال ليس من صميم بولوغ عتبة تعدد اللون، وإنما في فكرة اللون نجد

التعددية نفسها la pluralité.
وهنا يحضر مفهوم الطموح بشكل مضمر وخفي وكأنها تريد إعادة بناء وتشكيل استقلالية لذاتها الخاصة وسط العديد من التجارب التشكيلية، فتارة تجدها توظف نتوءات ودوائر وضربات الريشة وامتزاج الألوان المعبرة والقوية… في قوالب لولبية وشبه هندسية، لكي تخرج لنا أجمل الأحاسيس الجمالية مخاطبة المستقبل وما يخفي لنا من أسئلة.لتقول لنا بلغة أخرى: ينبغي أن يولد الطموح من رحم المستقبل،ولا شيئ غيره. فقد يصعب الجزم بالقول بأن طموحها يقتصر على مجرد التعبير التشكيلي اللوني، إنه طموح يتجه صوب إحداث رجات للتعبير الأنثوي عن أسمى معاني الانعتاق والتحرر داخل سلسلة من الأعمال تدرجت فيها الفنانة فوزية في مدارس الفن لكي تستقر على اختيار التعبيرية الغنائية والتجريدية المحدثة.

عموما ومن خلال ما سبق فإنه يبقى من الأهمية بمكان استثمار البعد الفلسفي في التجربة التشكيلية للفنانة فوزية ضيف الله بطريقة علمية توصلت إليها بعد مجهود دؤوب يستحق كل التقدير، ولاسيما أنها تتوفر على مؤهلات أكاديمية ستضفي لا محالة على أعمالها أبعادا بحثية تتجه لاستثمار ما هو فلسفي داخل ما هو لوني تشكيلي، ضمن سلسلة التجارب الحركة التشكيلية في الوطن العربي والعالم من حوله.

المقال السابقالاستبداد الناعم
المقال التالىلُقَطَاء
محمد الشاوي - من موالد مدينة القصر الكبير. - فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن التشكيلي. - أستاذ الفلسفة بثانوية محمد السادس بمرتيل، الأكاديمية الجهوية طنجة تطوان الحسيمة. - عضو النقابة الحرة للفنانين التشكيليين المغاربة. - باحث بسلك الدكتوراه وحدة البلاغة وتحليل الخطاب، ك....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد