العيد في القصيدة العربية

 

يحتفل الناس عادة في العالم العربي الإسلامي بمناسبات عديدة ، يعبرون فيها عن فرحتهم بها ، لأنها تعزز أواصر العلاقات الإنسانية بين البشر ، وتقوي الروابط بين الناس ، فتكثر الزيارات للأقرباء والأصدقاء تعبيرا عن المحبة ، وكانت تلك الاحتفالات في العهود الماضية تقتصر على المناسبات الدينية مثل العيدين ، عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك ، ثم تطورت الاحتفالات وزاد عدد المناسبات ، وأضحى الناس في مجتمعاتنا يعبرون عن فرحتهم في الاحتفال بعيد الأم ، او المناسبات الوطنية مثل عيد الاستقلال او عيد الجيش ، يجتهد المحتفلون في التعبير عن سرورهم بهذه المناسبات ،بألوان وطرق مختلفة، كلها تعبر عن الرغبة في إيجاد بعض لحظات من الفرح، في ظل المتاعب العديدة التي يعاني منها الإنسان في حياته ،وخاصة في العصر الحديث ، والشعراء نظرا لرهافة حسهم وتميزهم بالمشاعر المتدفقة ، عبروا كثيرا في قصائدهم عن فرحتهم الكبيرة بهذه الأعياد ،التي تضفي عليهم شعورا كبيرا بالبهجة، والمحبة تجاه من يشاركهم العيش ، ولأن مناسباتنا الدينية تعتمد على رؤية الهلال ، ففي عيد الفطر و الفرح بالقيام بإتمام فريضة الصيام و ظهور الهلال معلنا عن نهاية شهر الصوم وبداية أيام عيد الفطر المبارك من شهر شوال ، يتسابق الناس لرؤية الهلال والفرح بظهوره والذي لا يمكن الاحتفال بالعيد بدونه

يقول الشاعر ابن الرومي معبرا عن الفرحة لظهور الهلال:
ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله             تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ
كحاجـبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه           يشيرُ لنا بالرمـز للأكْـلِ والشُّـرْبِ

الدعوة الى التحلي بالخلق
ولأن أغلب الأديان قد حثت على كرم الأخلاق، ومساعدة الناس والعطف على المساكين والفقراء ، ومساندة من يحتاج الى المساندة في أيام الأعياد ، فقد حرص الشعراء على تذكير الناس بواجبهم ، ودعوتهم الى إرضاء الله ، فنجد

الشاعر محمد الأسمر يستغل فرصة العيد ليحث على إكرام المعوزين والتصدق عليهم ، ونسيان الهموم كما يدعو الناس أيضا الى صفاء النفس ونسيان إساءات الغير بهذه المناسبة السعيدة:
هذا هو العيد فلتصفُ النفوس به           وبذلك الخير فيه خير ما صنعا
أيامــه موسـم للبــر تزرعـه               وعند ربي يخبي المرء ما زرعا
فتعهدوا الناس فيه: من أضر به           ريب الزمان ومن كانوا لكم تبعا
وبددوا عن ذوي القربى شجونهم          دعــا الإله لهذا والرسول معا
واسوا البرايا وكونوا في دياجرهم         بــدراً رآه ظلام الليل فانقشعا

تهنئة الملوك
ويلاحظ المتتبعون للشعر العربي ، أن قصائد التهاني بمناسبة الأعياد تكثر ، وخاصة تلك الموجهة للملوك والرؤساء فنقرأ قول البحتري في قصيدته التي يهنئ بها الخليفة العباسي (المتوكل) بصومه وعيده:
بالبر صمت وأنت أفضل صائم            وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بعيد الفطر عيداً إنه                  يوم أغر من الزمان مشهر

والمتنبي شاعر العربية الكبير ، والذي نظم العديد من قصائد المديح ، زخر ديوانه، بقصائد تهنئة بمناسبة العيد، وجهها للملوك الذين نالوا حبه وإعجابه
الصَّوْمُ والفِطْرُ والأعيادُ والعُصُر          منيرةٌ بكَ حتى الشمسُ والقمرُ

ويهني المتنبي صديقه الأثير سيف الدولة الحمداني
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده               وعيد لكل من ضحى وعيدا
ولازالت الأعياد لبسك بعده                 تسلم مخروقاً وتعطي مجددا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى         كما كنت فيهم أوحداً كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها           وحتى يكون اليوم لليوم سيدا

التعبير عن اللوعة
والمتنبي نفسه لم يكن موحد الشعور في القصائد كلها ، وحين بهنيء سيف الدولة معربا عن شدة الإعجاب بخصاله ،التي تدعو إلى المديح ، ففي داليته المعروفة عن العيد ، يتحدث عن حجم الألم الذي يشعر به الشاعر الكبير، حين يكون غريبا في دار لا يجد ألاحسان من أولياء أمورها كما كان يأمل ، فتأتي قصيدته حافلة بشعور من الخيبة كبير :
عيــدٌ بِأيَّـةِ حـالٍ عُـدتَ يـا عِيـد             بِمــا مَضَـى أَم لأَمْـرٍ فِيـكَ تجـدِيد
أَمــا الأَحِبــةُ فــالبَيَداءُ دُونَهُــمُ              فَلَيــتَ دُونَــكَ بَيْــدًا دونَهـا بِيـدُ
لَـولا العُـلَى لـم تجِبْ بِي ما أَجُوبُ بِها     وَجنــاءُ حَـرْفٌ وَلا جَـرْداءُ قَيـدُود
لـم يَـتْرُكِ الدَهْـرُ مِـنْ قَلبي وَلا كَبِدي       شَـــيْئاً تُتَيِّمــهُ عَيْــنٌ وَلا جِــيدُ
مــاذا لَقِيْــتُ مِـنَ الدُنْيـا وأَعْجَبُـهُ           أَنِّــي بِمـا أَنـا شـاكٍ مِنْـهُ مَحسُـودُ

ويعبر الشاعر المعتمدُ بن عباد عن حزنه الكبير، عن بعد زوال ملكه، وحبسه في معبرا عن ألمه وهو يرى بناته جائعات عاريات حافيات في يوم العيد:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا          وكان عيدك باللّذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدةٌ              فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً              في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا
معاشهنّ بعيد العــزّ ممتهنٌ                 يغـزلن للناس لا يملكن قطميرا
أفطرت في العيد لا عادت إساءتُه         ولست يا عيدُ مني اليوم معذورا
وكنت تحسب أن الفطر مُبتَهَـجٌ            فعاد فطرك للأكبــاد تفطيرا
يعبر الشاعر العراقي السيد مصطفى جمال الدين عن الألم الذي يشعر به الأطفال الفقراء بالعيد ، وهم يجدون أنفسهم محرومين مما يتمتع به الأطفال عادة في الأعياد، من لعب وأثواب جميلة

العيدُ أقبلَ تُسْعِـدُ الأطفـالَ ما حملتْ يـداه
                    لُعَباً وأثوابـاً وأنغامـاً تَضِـجُّ بهــا الشِّفاه
وفتاكَ يبحثُ بينَ أسرابِ الطفولةِ عن نِداه
                    فيعـودُ في أهدابه دَمْعٌ، وفي شفتيـه آه

ويصف في قصيدة اخرى ما يشعر به اليتيم بالعيد ، فلا يجد من يحنو عليه ويرأف بضعفه ، فتضيف نفسه ، لأن الأحباب قد بعدوا
هـذا هـو العيـدُ، أيـنَ الأهـلُ والفـرحُ
                    ضاقـتْ بهِ النَّفْسُ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!
وأيـنَ أحبابُنـا ضـاعـتْ مـلامحُـهـم
                    مَـنْ في البلاد بقي منهم، ومن نزحوا؟!

تعبر الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان مع متاعب أخواتها اللاجئات الفلسطينيات ومعاناتهن الطويلة بين الخيام ، ومجيء العيد عليهن وهن رافلات بالقيود ، والله خلق العيد ليجعل الفرحة تسكن القلوب:

أختاه، هذا العيد رفَّ        سناه في روح الوجودْ
وأشاع في قلب الحياة       بشاشة الفجر السعيدْ
وأراك ما بين الخيام         قبعتِ تمثالاً شقيًّا
متهالكاً، يطوي وراء        جموده ألماً عتيًّا
يرنو إلى اللاشيء..        منسرحاً مع الأفق البعيدْ
أختاه، مالك إن نظرت      إلى جموع العابرينْ
ولمحت أسراب الصبايا    من بنات المترفينْ
من كل راقصة الخطى     كادت بنشوتها تطيرُ
العيد يضحك في محيّاها    ويلتمع السرورُ
أطرقتِ واجمة كأنك        صورة الألم الدفينْ؟

فالعيد أيام الطفولة كان عابقا بالنعيم ، يمرح الأطفال ويلهون في المدن الفلسطينية ، التي حولها الاحتلال الى حزن دائم

أترى ذكرتِ مباهج الأعياد في (يافا) الجميلهْ؟
                    أهفت بقلبك ذكريات العيد أيام الطفولهْ؟
إذ أنت كالحسون تنطلقين في زهوٍ غريرِ
                    والعقدة الحمراء قد رفّتْ على الرأس الصغير
والشعر منسدلٌ على الكتفين، محلول الجديلهْ؟
                    إذ أنت تنطلقين بين ملاعب البلد الحبيبِ
تتراكضين مع اللّدات بموكب فرح طروبِ
                    طوراً إلى أرجوحة نُصبت هناك على الرمالِ
طوراً إلى ظل المغارس في كنوز البرتقالِ
                    والعيد يملأ جوّكن بروحه المرح اللعوبِ؟

وكما كانت المناسبات الدينية حافزا للشعراء ،كي يعبروا عن فرحتهم ، فان الإنسان المعاصر قد اوجد أعيادا له مثل عيد الأم وأعياد الميلاد ومناسبات الزواج
ينظم احد الشعراء العراقيين قصيدة جميلة بمناسبة، أخذ العراقيون يحتفلون بها حديثا وهي عيد الحب ، فيقول :

أعياد جديدة
رأتْ ليلى حبيبَ القلبِ قيسا             وكانَ مُطَأطِأً يَبكي مَلِيَّا
فأبكتها محبتهُ وقالتْ:                    هَـلُمَّ تعالَ ياقيسُ إليَّا
هَـلُمَّ تعالَ نبني الحُبَّ قَصْراً             ونَسكُنه ونَعمُرهُ سَويا
هَـلُمَّ تعالَ نُنُجِبُ ألفَ حُبٍّ               لينشأَ في مَشَاعِرنا صَبيَّا
ويأبى أنْ يَشِيَخَ، وسوفَ يَبقى           على طُولِ المَدى فينا فَتِيَّا
تعالَ نُشاركِ العُشاقَ حُبَّاً                بعيدِ الحُبِّ، هَيَّا حُبِي هَيَّا
بعيدِ الحُبِّ نُبصِرُ كُلَّ صَبٍّ              تَوَجدَ في الغَرامِ وذَابَ كَيَّا

أنها أبيات جميلة تعبر عن الفرحة التي يشعر بها المرء ورغبته في ان تكون أيامه جديدة ، تختلف عن طبيعة الأيام التي عاشها ،حيث الملالة وتكرار الأحداث ، فما أحرانا نحن العراقيين وقد تغير حالنا ، ونعمنا بالحرية تدق أبوابنا بعد حرمان طويل منها ان نعبر عن فرحتنا الكبيرة ، وتطلعنا الى حياة مستقرة ، بعيدة عن العبث والإرهاب

المقال السابقجدلية ُ الصّمتِ والسكوت
المقال التالىجيوش العطش على أسوار بغداد
صبيحة شبر، كاتبة عراقية، بدأت الكتابة في الصحف العراقية عام 1960،أصدرت أربع مجموعات قصص قصيرة:الثمثال من مطبعة الرسالة في الكويت عام،امرأة سيئة السمعة ،لائحة الاتهام تطول ،التابوت ،لست انت صدرت عن دار ضفاف لها اربع روايات الزمن الحافي رواية مشتركة مع الادبا العراقي سلام نوري ، العرس رواية صدرت عن ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد