الرأي السياسي يوجد ولا يوجد


 

الشخص الحزبيّ، مطالبٌ دائماً بإثبات موقفهِ، كأن يخرج في مظاهرات الحزب، لئلّا يسمع من رفاقهِ عبارة “لم نركَ معنا”، أو كأن يردّد “حكمة” زعيمه، أو أقواله، أو يعلّق في غرفة الضيوف صورته الميمونة، ويغضب إذا ما سمع نكتة موجّهة، تمسّ هذا الزعيم.

وبينما هو كذلك، هناك من هو في حلٍّ من إلتزام آيديولوجيا جماعة معينة، أو إعتناق رأي مفكرٍ ما، أو إجتهاد رجل دينٍ، أو تمجيد شخصية سياسية.

الوصول إلى نقطة النأي بالذات، عن أحابيل الجماعات، وتكتيكاتها في الكسب، وصناعة المتعصبين، يمرُّ بتقلبات خطيرة وحادّة، النجاة منها، تمرّ بأكثر من موضعٍ للهلاك، كلّ تلك المواضع، هي تمارينٌ غير مقصودة على الحرية في الآخر.

ولأننا نعيش في بلدان لم تروّض بعدُ أحزابها على مفهوم العمل السياسي في بيئة صراعات وتنافس، لايمتّ للديمقراطية بشيء، يبقى من الصعب على المواطن العادي، أن يكشف عن رأيه، خشية أن يدخل في الفرز والتصنيف بين المعارضة والموالاة، وذاكَ طريقٌ حتميٌّ للموت.

هذه الخشية ينقلها ربّ الأسرة إلى أسرتهِ، فيأمرهم إذا ما طلبَ منهم ملئ إستمارات المعلومات، أن يكتبوا في حقل الرأي السياسي (لا يوجد)، تماماً كما يفعل هو في محلّ عمله.

تلك الإجابة الكلاسيكية على الأرجح، لن تكون مقنعة لطالبيها، ولن تقطع دابر ما تصبو له عقولهم، وخصوصاً إن كانوا يعملون بقاعدة “من ليس معي فهو ضدي”، لكنها بالأمكان أن تكون مقنعة لتطبيق إفتراضي مثل الفيسبوك، الذي برمجهُ البشر، ليسأل كلّ من ينشيء حساباً جديداً عن رأيهِ السياسي، ولن يكون هذا التطبيق متجهماً أو مسروراً، في حالة كتب في الحقل عبارة “لا يوجد”، ثمّ ينقر المرء “next” ويمضي في حال سبيله.

تطوّر ذكاء ملاحقي الناس، ومطارديهم بالإستمارات، المطلوب إيراد “الإعتقاد المذهبي” فيها، ولكن بشكلٍ غير مباشر، وإلا ما معنى أن يطلب منك الإجابة على أسئلة ثلاث متتابعة:

يقول الأول: ما هو عنوان سكنك الحالي؟

يقول الثاني: أين كنت تسكن سابقاً؟

بينما تتم صياغة السؤال الثالث، ليكون الرابط العتيد بين سابقيه: ما هو سبب تغيير السكن؟ وهنا ولفرط جرعة الحياء الزائدة على محياهم، لا يستطيعون القول بصراحة: من هجّرك أيها المواطن الكريم؟

لم يحشر أجيالاً عريضة في زاوية “اللّايوجد”، غير أولئك الذين يزعمون أنهم أصحابُ مبادئ ومعتقدات، الرّاعون لحرية التعبير عن الرأي.

فهم أصحاب فضلٍ كبيرٍ، على الذين يتحفظون على آرائهم، من أن تظهر للعلن، خوفاً على الأرجح، أو خوفاً بالتأكيد.

خوفاً من سكاكينهم، وكواتمهم، وتلفيقهم، وإبتزازهم الرّخيص، وحرصاً كذلك على مشاهدة العرض من خارج الشاشة، وليس من داخلها.

كلّ أولئك الأضداد، يؤمنون بقداسة جرائمهم، كلّهم مجاهدون ومناضلون، قتيلهم ليسَ بقتيل، إنما هو فارسٌ يترجّلُ عن صهوة المجد، أدبياتهم هي المنهاج المستقيم، الذي ينبغي للبشرية أن تسير عليه، أفكارهم هي الأصحّ لقيادة الدولة والمجتمع، أولادهم هم الأشبال، ومن الطبيعي أن يرثوا الفردوسَ الأرضيّ الذي صنعهُ آبائهم.

فإن كانت “اللايوجد” في الأصل، من أجل النجاة من بطش المجرم “المحليّ”، الذي كان يدفعهم للصمت لاغير، إلا أن دوره تلاشى، وخفت أمام سطوة الجريمة المنظمة العالمية، التي أصبحتْ تدفعهم إلى الإنحياز مرغمين، خصوصاً بعد أن صارَ النعيمُ، من نصيب العقائديين، بينما أصبح الموت والفقر من نصيب أولئك الذين يملؤون الحقل بـ “لا يوجد”.

لا تعليقات

اترك رد