ثمانية احتلالات و التاسعة في القرن 21 تأريخ الفرس في العراق – ج٥ و الأخير


 

الدولة الصفوية الأولى الإحتلال الفارسي السادس للعراق!
(إسماعيل بن حيدر بن جنيد بن الشيخ صفي الدين الأردبيلي الصوفي) مؤسس الدولة الصفوية في أيران طمع الشاه إسماعيل في العراق و قرر احتلال بغداد و كان السلطان “مراد بك” حينها أميرا على بغداد وهو آخر ملوك دولة الخروف الأبيض و التي تسمى “آق قويونلو” وهي من القبائل التركمانية والتي حكمت في شرق الأناضول و أذربيجان و فارس و العراق و أفغانستان و تركستان.
حمل “الشاه إسماعيل” على بغداد و عجز “مراد بك” عن الدفاع عنها و إنتهت بانتصار القائد الفارسي و احتل بغداد عنوة في السنة! وعلى أثر ذلك توجَه الشاه إسماعيل إلى «بغداد» فلما دخلها فتك بأهلها من السنَّة والنصارى! و توجه بعدها لزيارة العتبات المقدسة وخضعت له أكثر المدن العراقية.
أما السلطان مراد فر مستجيراً بالملوك والأمراء فأمدوه بالجيوش والأموال
فألف جيشاً كبيراً وسار به لاسترداد بغداد! فتمكن من طرد جيوش الشاه منها و عادت اليه بغداد مرة أخرى.
فحمل الشاه إسماعيل على بغداد مرة ثانية بجيش عرمرم و قاتل السلطان مراد حتى طرده و استولى على بغداد عنوة! فانقرضت دولة الخروف الأبيض التركمانية من «العراق» بعد أن ملكته ٤٤ سنة تقريباً

و لما دخل الشاه إسماعيل بغداد ثانية أعاد القتل و أعمل بالسيف بالسنة و النصارى و فتك بهم و لم يمس اليهود بسوء لأنهم تجسسوا له قبل دخوله بغداد و بعدها غالى في الانتصار لمذهب الشيعة و أتباعه و أعلن المذهب الشيعي رسمياً في مملكته و بالغ في اضطهاد من بقي من السنة حتى أنه أجبر الكثيرين منهم على التشيع! و أمر في أعادة بناء حرم الكاظمين.

و لما مات “الشاه إسماعيل” تولى العرش من بعده أبنه “الشاه طهماسب الأول”
طمع في العراق الأمير “ذو الفقار بن نخود سلطان” من عشيرة كلهور الكردية فحمل بالكلهوريين على بغداد و حاصرها أربعين يوماً فأستولى عليه و أسس بها دولة كردية! حتى حمل عليه “الشاه طهماسب الأول” فاستعد له ذو الفقار
َّ وتحصن في بغداد فحاصرها الشاه أياماً حتى عجز عن استردادها لحصانة أسوارها فاضطر لاستعمال الحيل والخداع حتى تمكن من إغراء أخوي ذو الفقار وأطمعهما بالمناصب والأموال فاغتالا أخاهما وقتلاه و قيل مات مسموماً و فتحا أبواب المدينة فدخلها الشاه و انقرضت الدولة الكردية التي لم تدم فقط ست سنوات.

دخل الشاه طهماسب بغداد فسلمت له المدن العراقية كلها تقريباً فأعاد أعمالُّ أبيه في دار السلام من اضطهاد السنة والفتك بهم ثم ولى على بغداد «بكلو محمدَّ خان» وفوض إليه شئون البلاد العراقية وسار هو عائداً إلى مقره وظل رجاله في
ُّ العراق يضطهدون أبناء السنَّة ويحكمون بما تشتهيه نفوسهم مما حمل السلطان “سليمان القانوني” على الانتقام من الفرس انتصاراً لأبناء مذهبه السنة فصمَم على فتح العراق وأخذه منهم.
أرسل السلطان سليمان القانوني جيشاً كبيراً بقيادة إبراهيم باشا فسار الى بغداد و لما أقترب منها هرب حاكمها الفارسي «بكلو محمد خان» خوفاً من الأسر فسلمت المدينة و فتحت أبوابها للقائد العثماني فدخل باستقبال عظيم و بعد أيام قليلة وصل السلطان “سليمان القانوني” الى بغداد و دخلها بين التهليل و الترحيب و التقديس على حسب عادة العراقيين مع كل فاتح! و أزيلت دولة الصفويين بعد أن حكمت العراق ٢٥ سنة.

الدولة الصفوية الثانية الإحتلال الفارسي السابع للعراق!
كانت الدولة العثمانية قد وجَهت إيالة «العراق» إلى الوزير يوسف باشا وكان هذا الوزير ضعيف الرأي فحدثت بينه وبني رئيس شرطة «بغداد» بكر أغا فتنةٌ! استولى “بكر أغا” على جميع شئون الحكومة العراقية من إدارية وعسكرية حتى
ِلم يبقى للوزير غير الإسم و آلت تلك الفتنة إلى حروب في بغداد قتل فيها “يوسف باشا” واستولى بكر أغا على الولاية وكتب إلى السلطان يطلب تثبيته فيها فوجهت الإيالة إلى غيره فانتفض على الدولة وأعلن استقلاله في العراق فما كان من السلطان إلا أن أرسل الجيوش إلى قتاله فلما حوصرت بغداد وضاق الحال ببكر أغا استنجد بالشاه عباس الأول الذي تولى عرش إيران ووعده بالدخول تحت سيادته على أن يكون الحكم له فوافق الشاه.

و في هذه الأثناء اصطلح بكر أغا مع القائد العثماني و وجهت إليه الإيالة ورِفع الحصار عن بغداد ورجعت عساكر السلطان غير أن الجيش الفارسي الذي جاء لنجدة بكر أغا كان قد اقترب من بغداد بعد أن أبرم بكر أغا معاهدة الصلح مع القائد العثماني فكتب بكر أغا إلى الفرس يطلب منهم الرجوع ويخبرهم بما تم من أمر الصلح فابوا عليه ذلك و أصروا على دخول بغداد حسب ما أمر الشاه و حدثت معارك بين الفرس انتهت بانتصار بكر أغا.

فلما علم الشاه بذلك استشاط غضبًا وزحف بنفسه على بغداد وهو يقود جيشا كبيراً حتى اقترب منها وكتب إلى بكر أغا يطلب منه تسليم المدينة فأبى بكر أغا عاملاً بمعاهدة الصلح التي من شروطها ألا يدع الفرس يدخلون بغداد.
وعندها حمل الشاه على المدينة وحاصرها حصاراً شديداً وضيق عليها من كل الجهات ودام الحصار ثلاثة أشهر حتى ضاق
به الحال وخارت قوى عساكره واشتد القحط في المدينة.
أما الشاه فإنه عجز عن فتح بغداد حرباً عمد إلى الحيلة والخداع و راسل محمد أغا بن بكر أغا وكان محافظا على قلعة بغداد فوعده بالمناصب والأموال حتى خدعه ففتح له أبواب المدينة ليلاً فدخلتها جيوش الشاه على حين غفلة من بكر أغا
ٌّ فانهزم المدافعون واختفى الناس في بيوتهم واشتغل كل في نفسه فما أصبحَ الصباح إلا والشاه قد دخل بغداد بمن معه

دخل الشاه عباس الأول بغداد فقتل أكثر رجال الحكومة التركية من عسكريين و إداريين حتى رجال الدين منهم القاضي نوري أفندي وخطيب الجامع الكبير محمد أفندي وغيرهما وفتك بالسنة فتكاً ذريعاً وصادَر أموال الأثرياء منهم وارتكب جنوده أنواع المنكرات من قتل وسلب ونهب وتخريب أما بكر أغا فإن الشاه قتله أشنع قتلة ثم قتل أخاه عمر أغا ايضا.

وبقيت المدن العراقية في قبضة الصفويين ما عدا البصرة! ست عشرة سنة تقريباً و بعد حروب استمرت أعواما بين الفرس و الأتراك خسر فيها الفريقان خسائر عظيمة و عاد الحكم للعثمانيين مرة أخرى توفى “عباس الأول الصفوي” و تولى العرش “طهماسب الثاني” أبن الشاه حسين الصفوي في عهده طلب من الدولة العثمانية أن تعيد إلى مملكته جميع البلاد التي أخذتها من أسلافه فلما لم تجبه الدولة بشيء حمل بجيوشه الفارسية على “تبريز” فاستولى عليها ثم على “همدان” ثم «كرمنشاه”
فتوجه هذا الشاه الى العراق قاصداً بغداد و كان حينها احمد باشا أميراً على العراق و اندلعت حروب بينهما و في هذه الأثناء استرد الأتراك تبريز! فلما علم الشاه بذلك أوقف الحرب وانسحب من العراق وطلب الصلح.

وملا مات الشاه “طهماسب الثاني” وخلفه ابنه الشاه عباس الثالث تولى الوكالة عنه القائد “نادر خان” فطمع ب العراق وحمل عليه حتى اقترب من بغداد وحاصرها في عهد الوزير أحمد باشا الذي تولى إيالة العراق فأرسلت الدولة العثمانية جيشا كبيراً لقتال الفرس وبعد عدة وقائع اندحر الجيش الفارسي وجرح نادر خان ولكنه بعد قليل لم شعثه وأعاد الكرة على العراق وانتصر على الأتراك فوجهت الدولة العثمانية جيشاً آخر فانتصر عليه نادر خان وعلى أثر ذلك تقررت معاهدة الصلح بين الدولتين وعادت جميع البلاد التي كان الأتراك قد افتتحوها من الفرس إلى أهلها الفرس ما عدا العراق!

و عندما خلع الفرس الشاه عباس الثالث و جلس على الحكم “نادر خان” وقرض الدولة الصفوية وأعلن نفسه ملكاً وسمي «نادر شاه» ولقب ب «طهماسب الثالث» طمع نفسه بالعراق و طلب من الدولة العثمانية أن تعترف بالمذهب الشيعي و تعتبره مذهباً خامساً و تخصص له ركناً في الكعبة فرفضت الدولة العثمانية طلبه فاتخذ ذلك الرفض ذريعةً للحرب فحمل على العراق وأغار على “البصرة” و”القرنة” وتوغل في البلاد الفراتية حتى وصل “الحلة” ثم حاصر بغداد اياماً وظل يتهددها برمي القنابل حتى عجز نادر شاه عن فتحها فتركها و ذهب الى “كركوك” فافتتحها ثم ذهب الى الموصل فاستولى على جميع القرى المجاورة لها و حاصر الموصل اياماً فأرسلت له الدولة العثمانية جيشاً كبيراً لقتاله و بعد حروبا بين الفريقين انسحب الفرس من الموصل وبعد ذلك وتوجه نادر خان إلى جهة مدينة أرضُرُّوم التركية وكتب إلى السلطان “محمود الأول” يطلب فيها تسليم أجزاء من وان، و الموصل، و بغداد، فلم يجيبه السلطان بغير إرسال الجنود لقتاله فخاف الشاه نادر عاقبة التوغل في البلاد العثمانية فعدل عن طلبه وبعد مفاوضات طويلة تم الصلح معه على اعتبار الحدود القديمة.

الدولة الزندية الإحتلال الفارسي الثامن للعراق!
كانت البصرة تحت حكم الدولة العثمانية لكن الدولة أهملت شؤون البصرة فقامت فيها الفتن بين ذوي المصالح فاغتنم “كريم خان الزندي” فرصة الاضطراب الذي حصل في البصرة و أعلن الحرب على العثمانيين و أرسل أخاه “صادق خان الزندي” بجيش كبير و معه عشيرة بني كعب العربية و حاصروا البصرة و دام الحصار ثلاثة عشر شهراً حتى اضطررت الى التسليم و في حينها أسر الفرس متسلم البصرة سليمان بك و جماعة من الأشراف و الوجوه و التجار و ارسلهم “صادق خان” مخفورين الى شيراز! عاصمة كريم خان!
و لما شعر صادق خان أنه استولى على البصرة طمع في بلاد “المنتفك” و راح يفكر بالاستيلاء عليها فأرسل أخاه “محمد علي خان الزندي” بجيش كبير لغزو المنتفك فالتقى الفرس بالمنتفكيون قرب نهر الفرات و اشتبكوا معهم بالقتال و استمرت الحرب يوماً و ليلة إنتهت بهزيمة الفرس و قتل عدد كبير منهم و غنم العرب أموالهم و خيولهم و عادوا الى موطنهم ظافرين

جهز صادق خان مرة أخرى جيشاً فارسياً للاستيلاء على المنتفك! بقيادة أخيه “محمد علي خان” أيضا و أرسل معه عشيرة بني كعب العربية و استنجد بأخيه عبد الكريم خان فأمده بالجنود و سار بجيشه و التقى بالمنتفكين! في (أبي حلانه) فلما رأى العرب كثرة الفرس واستعدادهم خافوا الفشل فطلبوا الصلح فشرط عليهم محمد علي خان شروطاً لم تقبلها نفوسهم فاختاروا الموت على الحياة بالذل و رفضوا تلك الشروط فحدثت بين الفريقين حرباً دموية هائلة استمات فيها العرب و قاتلوا فيها قتال لم يسمع به أحد فانتهت المعركة بهزيمة الفرس و فعل القائد “محمد علي خان” و أخيه “مهدي خان” فانهزم من بقي من الفرس فلحقهم المنتفكيون وقتلوا منهم عددا كبيراً وغنموا أموالاً وسلاحاً و خيلاً و ظلوا يطاردونهم ال. البصرة و هناك حاصروهم و ضيقوا عليهم الخناق و في هذه الأثناء مات “كريم خان” فخاف “صادق خان” على نفسه أن يقع أسيراً بيد المنتفكين فهرب ليلاً و من معه من البصرة فكتبوا الى بغداد و عين “نعمان بك” على البصرة و على أثر هذا أطلق الفرس سراح الأسرى و من جملتهم سليمان بك فأرجعته الدولة العثمانية إلى منصبه بعد أيام قليلة ثم وجهت إليه بعد أشهر ولاية «العراق» وهو الذي عرف أخيراً ب الوزير سليمان باشا الكبير.
ملاحظة: المنتفك حالياً هي مدينة جنوب العراق تسمى الناصرية
و لواء المنتفك حالياً هي مدينة جنوب العراق أيضا تسمى السماوه أو محافظة المثنى كانت الناصرية و السماوة مدينة واحدة تسمى مملكة المنتفك.

من هذه المصادر تمت كتابة الأجزاء الخمسة ل ثمانية احتلالات و التاسعة في القرن 21 تأريخ الفرس في العراق
المصادر…
الكامل لابن الأثير.
معجم البلدان لياقوت الحموي.
الطبري.
أبو الفدا.
كتاب الدعاة لوجيه فارس.
عنوان المجد لإبراهيم فصيح الحيدري.
الأخبار الطوال.
وفيات الأعيان لابن خلكان.
التمدن الإسلامي لجرجي زيدان.
العرب قبل الإسلام.
طبقات الأمم.
نزهة المشتاق ليوسف غنيمة.
خلاصة تاريخ العراق للأب انستاس.
الفوز بالمراد.
تاريخ الأمير أحمد حيدر.
تاريخ الإسلام لرزق الله.
دائرة المعارف لفريد وجدي.
مطالع السعود للشيخ أمني المدني الحلواني.
طبقات الأمم للقاضي صاعد بن أحمد الأندلسي.
تلخيص التاريخ العثماني تعريب شاكر أفندي.
قرة العين لرشد السعدي.
تاريخ البصرة للنبهاني.
التاريخ العام لجميل نخلة المدور.
تاريخ بابل وآشور لرئيس أساقفة سعردادي شري.
تاريخ مصر لعمر الإسكندري.
تاريخ مراد التركي.
تاريخ علي رشاد.
تاريخ أحمد رفيق.
تاريخ نعيما.

المقال السابقمنذر جوابرة .. ” بقاء ” إشراقة مبدعة
المقال التالىتحفة “الجنرال ديلا روفيري”(1959)
مهند صباح عراقي الجنسية مقيم في فنلندا ولدت في بغداد التحصيل العلمي : حاصل على شهادة دبلوم كهرباء ، درست في مجال الكومبيوتر لمدة ثلاثة سنوات أتحدث عدة لغات هواياتي متعددة أهمها القراءة و المطالعة شغوف في مشاهدة الأفلام و قراءة الروايات، ولعي بالكتابة في السياسة و نقد الأديان مؤمن بمنطق العقل و ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد