تحفة “الجنرال ديلا روفيري”(1959)


 

نموذج “روبيرتو روسيليني” العالمي للفيلم السياسي الكلاسيكي: دراما تاريخية لا تنسى:
تحفة “الجنرال ديلا روفيري”(1959):

Not Rated | 2h 9min | Drama, War | 11 November 1959 (France)
Bardone, a petty con man, is arrested by the Gestapo and coerced into impersonating a partisan leader in order to expose another resistance organizer.
Director: Roberto Rossellini
Writers: Sergio Amidei, Diego Fabbri | 3 more credits »
Stars: Vittorio De Sica, Hannes Messemer, Sandra Milo

من بطولة: فيتوريو ديسيكا، هانز ميسيمر، ساندرا ميلو وجيوفاني رالي:

“أنتم الايطاليون لا تحبون هذه الحرب كثيرا، ونحن كذلك لا نحب الحروب عموما”! هكذا يقول القائد الألماني لبطل الفيلم بعد لقاء عابر بالصدفة في مستهل الأحداث.

لقد وجدت ايطاليا نفسها منقسمة خلال الحرب العالمية الثانية، ما بين احتلال الجيش الألماني في الشمال، وهجوم الأمريكيين والبريطانيين من الجنوب: فهل عليهم دعم حكومتهم والدفاع عنها، ام عليهم الوقوف مع المقاومة المسلحة في مساعيها الوطنية لتقويض “الرايش الثالث” وايقاف تقدم الألمان من اجل ايطاليا جديدة حرة تنهض من الحطام ؟!

يجد المحتال الأنيق الذكي “ايمانويل باردوني” فرصة وبيئة ملائمة للعمل والتحايل في ظل هذه الأجواء القلقة الضاغطة، وهو يعرف على نفسه باسم “كولونيل جريمالدي” لتسهيل علاقاته “الوصولية والانتهازية والبيروقراطية” مع الألمان والمجتمع المحلي على حد سواء، كما انه بفضل وسامته وأناقته يكسب ود معظم النساء العاديات والثريات القلقات على مصائر ابنائهن وأزواجهن الذين يتم اعتقالهم ويختفون فجاة، وهن مستعدات دوما لدفع النقود الكاش من اجل اطلاق سراح هؤلاء او حتى معرفة أمكنتهم ومصائرهم، بمراعاة قسوة الاحتلال الألماني وسطوته المعروفة، وينجح الكولونيل احيانا في انقاذ بعض الحالات لكسب الثقة والمصداقية (بالتعاون مع بعض الضباط الألمان الفاسدين).

كيف نجح باردوني في التعايش هكذا مع واقع الاحتلال النازي وقمعه وفساده المستتر؟ هنا ينجح “ديسيكا” الممثل البارع كما ابدع كمخرج في فيلمي “سارق الدراجة والأطفال يراقبون”، نراه يتسكع في الحقول والخرابات وبين الحطام، في مواقع كانت سابقا شوارع مدينة، بعد ان دمرها القصف الألماني، وبينما يعود في الصباح بعد ليلة قمار خائبة، منتهكا حظر التجول المفروض في ساعات الصباح الاولى، ليفاجىء بصوت انفجار اطار جيب الماني، مستغلا الفرصة ليتبادل اطراف الحديث مع الضابط الألماني المتنفذ (كولونيل مولر)، على امل الالتقاء به مرة اخرى في فرصة فرصة أكثر ملائمة، مما يشكل لكليهما بداية علاقة وظيفية ذات مدلول…ثم عائدا لشقته ليواجه صديقته الشقراء الجميلة، تلك التي انجبرت للعمل كممثلة استعراضية وراقصة لمواجهة الظروف الصعبة السائدة، محاولا عبثا الاستدانة منها اوبيعها خاتم مزيف بعد ان اكتشفت زيف علاقته العابرة معها وتلاعبه بمشاعرها واستغلال جمالها، كما تمتنع عن اعطاءه أي من مجوهراتها، بغرض دفع أتاوة كبيرة كرشوة منتظمة للضابط الألماني الفاسد المسؤول عن ملف المفقودين.

ولكنه يجد بسرعة حلا لجني النقود من خلال امرأة ميسورة الحال تعاني من اختفاء وفقدان زوجها، بالرغم من كونها تشك بصحة نواياه، على أمل أن يجد لها بصيص أمل في علاقته مع الضابط الألماني المسؤول، بالرغم من انها شبه متأكدة من اعدام الألمان لزوجها…وينجح بفهلويته من لعب هذه اللعبة بمكر ودهاء مستغلا خبراته وأناقته وعذوبة لسانه…الا أن الضابط الألماني المسؤول عن المنطقة يستغل بذكاء حادثة مقتل الجنرال “ديلاروفيري” الغير متوقعة اثناء هروبه من سيارة عند حاجز تفتيش، ويبقي الأمر سرا، ليعرض على باردوني لاحقا تقمص شخصيته داخل السجن، مقابل مبلغ نقدي كبير وتهريبه لاحقا الى سويسرا…وهو يقصد بذلك استخلاص أسرار المقاومة وأسماء قادتها، مستغلا سمعة الجنرال الراحل في اوساط المقاومة الايطالية، ويجد باردوني فرصة للنجاة بنفسه من ملاحقة الألمان وعقوباتهم.

أخيرا لقد قاده فساده ومكره وتحايله وتعاونه الانتهازي مع المحتل الألماني الغاشم، قاده للتعامل مع اناس شرفاء وطنيين وطيبين يسعون جميعا لمستقبل حر لايطاليا، مما استدعى تيقظ ضميره ظهور مشاعره الأخلاقية والوطنية، التي غرقت سابقا في بحر أنانيته وادمانه للقمار…هكذا في النصف الثاني من الفيلم، تأخذ القصة منحى مصيري آخر، حيث يتحول المحتال “باردوني” تدريجيا الى رجل نبيل وطني متفاعل وقيادي يعزز الروح المعنوية لمواطنيه المساجين المضطهدين، وينحى الفيلم باتجاه النهاية التراجيدية “الغير- متوقعة”…لا يمكن اخفاء واقعية المخرج المتمثلة بزوايا التصوير البعيدة التي تظهر البطل في مواقف عديدة وكأنه شخص عادي يواجه معضلات التعامل مع السكان والألمان على حد سواء بتلقائية وعفوية، ولكن الشريط يبقى حسب اعتقاد بعض النقاد “أقل روسينية”، حيث لم يسبق للمخرج الكبير أن كان واضحا وصريحا في رسائله السينمائية كما ظهر تحديدا في هذا الفيلم اللافت،

وان كان موضوع استبدال الجنرال المقتول بباردوني هكذا ببساطة يمثل اشكالا واضحا في طريقة صياغة القصة لأنه من الصعب أن يجده معظم السجناء مطابقا لشخصية الجنرال بلا ادنى شك! لقد اصبح هذا الفيلم، بجانب فيلمه الشهير “روما مدينة مفتوحة من انجح أفلامه تجاريا وشهرة عالمية، مما جعله يفوز بجدارة على جائزة مهرجان فينيس الشهير لنفس العام، وان يلقى كذلك الحفاوة في كل المهرجانات الاخرى التي عرض فيها. وبعد بالرغم من طول مدة العرض وتجاوزة للساعتين، الا أن المشاهد لا يشعر حقا بالملل، وهذه ميزة قلما نشاهدها في الأفلام العصرية الحافلة بالمونتاج والمؤثرت المدهشة، كما أن عظمة هذا الفيلم تنبع حقا من مشهد الاعدام الأخير للبطل مع مجموعة من المساجين، فقد كان المشهد صاعقا ومفاجئا ومعبرا ويحتوي على الخلاصة، ويمثل هذا المشهد الفريد المؤثر والحزين

درسا للكثير من السينمائيين الذي لا يعرفون كيف ينهون أفلامهم او ينهونها بشكل ردىء قد يضر بالسياق العام!

يطرح الفيلم تساؤلات تصعب الاجابة عليها ومنها لماذا انتحر الحلاق المعتقل بعد أن اشبع تعذيبا لعدم اعترافه باسم قائد المقاومة في السجن وهو لا يقوى حتى على الوقوف من شدة التعذيب؟ ولماذا تم تعذيب باردوني بنفس الطريقة في اليوم التالي؟ ثم لماذا هرع باردوني لصف الاعدام بسرعة مع ان اسمه لم يكن ضمن القائمة ولم يتم تثبيته على عمود كزملائه التسعة، فيما كان بامكان القائد الألماني أن يوقف العملية تحديدا بالنسبة له وخاصة أنهم ما زالوا بحاجة له لكشف قائد المقاومة؟ فهل فقد كلاهما الأمل ووجدا طريقا مسدودا لعلاقتهما الوظيفية، وهل رغب “باردوني” في ان يستشهد كزملاءه تكفيرا عن خطاياه ويأسا من علاقته المريبة مع سجانيه العنيدين الشرسين وخاصة انه أصبح متعاطفا مع المسجونين ويكاد يشعر أنه معهم ؟ أما سؤالي الأخير فلماذا ركز المخرج على صلاة خمسة من اليهود تحديدا قبل ان يساقوا لساحة الاعدام، فهل هذه حقيقة حدثت ام أنه كالعادة يحاول بهذه المشاهد “مغازلة اليهود” واسترجاع ذاكرة الهولوكست لانجاح الفيلم ورفع فرصته لنيل الجوائز العالمية؟!

والخلاصة أن هذا الفيلم يقدم شهادة عالمية جامعة لتأثير اجواء الحروب الخانقة على البشر العاديين والوطنيين المقاومين معا، وذلك على كافة الأبعاد الحياتية والمعيشية والوجودية، ويوضح لنا كيف تسحق الكرامة والاحترام والوجود البشري في خضم لؤم الحرب وويلاتها.

لا تعليقات

اترك رد