تآكل النفوذين الإيراني وخصوصا التركي سينعكس على الأزمة القطرية مع السعودية


 

شرع أردوغان في أكثر الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية إثارة للإعجاب خلال السنوات العشر الأولى له في المنصب إلى الانقلاب والتدمير المنهجي لكل ما حققه، بعد طموحه بأن يصبح قائد العالم الإسلامي السني ويحلم باستعادة الإمبراطورية العثمانية وهو لا يختلف عن مشروع الحرس الثوري الإيراني الذي يريد مزاحمة السعودية في قيادة الحرمين الشريفين، فكما للحرس الثوري الإيراني أذرع ومليشيات منتشرة في الدول العربية كذلك أردوغان يسعى لفرد أجنحة تركيا فوق الدول التي يمكنه التأثير فيها لتوسيع نفوذ تركيا.

وجعل دولة قطر منصة تشرف على أجنحة الإخوان المسلمين في مناطق واسعة من منطقة الشرق الأوسط في سوريا وليبيا ودول الخليج ومصر، تزامنت مع إقامة قاعدة تركية عسكرية في قطر جعلها تواصل أزمتها مع دول خليجية ومصر، وكذلك إقامة قاعدة تركية عسكرية في الصومال، وإقامة علاقات عسكرية مع تونس، ويخطط أردوغان لبناء منشأة عسكرية على جزيرة سواكن السودانية التي تقع في موقع استراتيجي بتمويل قطري، واستغلال تلك الجزيرة كموقع عسكري بالطريقة التي استغلت بها خلال العهد العثماني، ما جعل السعودية تستنفر قواها الدبلوماسية والقوة الناعمة هي ومصر في وقف مغامرة أردوغان العسكرية التي سوف تزعزع توازن القوى الإقليمي الذي هو وصفة لعدم الاستقرار.

يبدو أن دور تركيا في الناتو بدأ يتضاءل على نحو متزايد مع استمرار أردوغان في الانجذاب نحو روسيا التي تعتبر خصم الغرب الأكثر صرامة، فإذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني وفرضت عقوبات مشددة على إيران إذا لم توافق على تعديل الاتفاق، فلا يمكن أن نستبعد أي إجراء عقابي لتركيا أيضا مستقبلا لإيقاف روح المغامرة لدى أردوغان، وقد يتخلى الغرب عن التذرع بأهمية تركيا الجيوستراتيجية، وبدأت أميركا تقطع الطريق على المطامح التركية في منبج وتقيم قاعدة أميركية في منبج بعد تهديدات تركيا بشن عملية ضد البلدة، رغم أن خطة منبج التي تختبر علاقات أميركا مع تركيا.

حتى الآن تركيا لا تقف على أرض ثابتة وصلبة ومستقرة، فهي تضع رجلا في أوربا وأخرى في آسيا، وأخذ مواقف تركيا على محمل الجد يكون مؤجلا، بسبب أن تركيا تصورت أن أوربا تأخذها بالأحضان، وبالأخص في فترة الحرب الباردة، وبناء على

حسابات خاطئة، تنطلق من حاجة أوربا وأميركا لها، وهي حاجة ليست ثابتة خصوصا في ظل استراتيجية ترمب أمريكا أولا، وكانت تعتقد تركيا أنها بعد إقامة علاقات مع إسرائيل، ووجود أكبر قاعدة أميركية على أراضيها قاعدة أنجيرلك، ستكون محصنة من التخلي عنها، يبدو أن زمن الدلال التركي ولى إلى غير رجعة خصوصا وأن هناك القاعدة الأميركية مهددة بالنقل.

تركيا تسير اليوم على حبل رفيع ولم يعد ينفعها حكمها المرتبط بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وهي مخطئة إذا اعتبرت أن حكم حزب العدالة والتنمية مرتبط ببقاء الإخوان المسلمين، وهو قرار اتخذته السعودية ومصر في حظر الجماعات المتطرفة والإرهابية بما فيها جماعة الإخوان المسلمين التي لا زالت أنقرة مرتبطة بتواجد هذا التنظيم الذي يعتمد في تمويله على دولة قطر.

خصوصا وأن تركيا المتعاونة مع إسرائيل المندفعة بجنون لتحقيق المصالح الصهيونية، وكذلك مع إيران المنادية بالدفاع عن فلسطين والقدس لتمرير مشروعها، والعرب غاضبون من تركيا كمصر والسعودية والعراق، فأردوغان يهمه وحدة الأراضي التركية حتى ولو كان ذلك على حساب الأراضي السورية والعراقية.

وجد أردوغان أن المنطقة العربية غير راغبة في الدور التركي في المنطقة ولا يختلف عن الدور الإيراني، فبدأ أردوغان يتودد إلى أوربا، وصرح بأن تركيا لن تعدل عن مواصلة عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوربي التي تعتبرها تركيا هدفا استراتيجيا يكون الجميع رابحا فيها، بعدما تدهورت العلاقة مع الإتحاد الأوربي عقب الانقلاب الفاشل في تركيا في يوليو 2016 بعد أن انتقد الأوربيون تدهور وضع حقوق الإنسان وتسلط أردوغان.

النظام الإقليمي يتشكل وإن كان بموافقة الدول العظمى خصوصا بعد مرحلة ما بعد داعش ومرحلة ما بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي، ومؤخرا بعد مرحلة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، التي تود الولايات المتحدة توحيد الجهود الخليجية لمواجهة السلوك الإيراني الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة، لذلك هناك اجتماع أمريكي خليجي لمناقشة الأزمة القطرية المرتبطة بملفي إيران وتركيا في سبتمبر 2018.

لذلك انزعجت أوربا بقيادة ألمانيا وفرنسا من السعودية التي ضغطت على الولايات المتحدة للانسحاب من الملف النووي الإيراني مما يكلف أوربا خسائر اقتصادية نتيجة العقوبات المشددة التي فرضتها أمريكا على الشركات التي تستثمر في إيران مما جعل فرنسا تدخل على الخط بحسب صحيفة لموند الفرنسية بأن ماكرون صرح في أحد القنوات بأن السعودية احتجزت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وهو ما نفته السعودية، لأن السعودية شريكة الولايات المتحدة في فرض عقوبات متشددة على أركان حزب الله وعلى رأسهم حسن نصر الله، ما يعني أن الخارطة السياسية في لبنان ستتغير بعدما يتم استهداف حزب الله، وفي نفس الوقت جاء على لسان الصحيفة نفسها بأن الملك سلمان طلب من ماكرون التدخل لمنع تحقق صفقة الصواريخ اس 400 لقطر وسيكون أحد تدابيرها لديها إن سعت قطر للحصول على صواريخ أس 400 الروسية القيام بعمل عسكري، يقابل ذلك قيام أمير الكويت بجهود لتهدئة الموقف بين تلك الدول وطالب الأمير تميم الذي زار الكويت بعدم رفع سقف التوتر مع الدول المقاطعة.

تعتبر السعودية بشكل خاص أن ما تقوم به دولة قطر من تقارب علاقتها مع إيران بشكل مضر لجيرانها، مما يمس أمنها القومي، وبعد عام من المقاطعة ترى السعودية أن دولة قطر لا تزال في المربع الأول، بسبب أنها لم تتجه نحو معالجة أسباب المقاطعة بل تبحث عن عوامل الاستقواء بالخارج، لكن حققت السعودية من تلك المقاطعة توقف تمويل الجماعات التابعة لإيران في البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية عن القيام بأعمال إرهابية كما كانت قبل المقاطعة، وكذلك توقفت دولة قطر بعد المقاطعة عن تمويل الجماعات المتشددة في سوريا وليبيا والعراق.

وفي عام واحد أنفقت قطر 40 مليار دولار لشراء صفقات أسلحة، رغم ذلك لدى السعودية أدوات كثيرة أهمها مواصلة محاصرة قطر وعزلها مهما تضخمت لديها ترسانة الأسلحة، وجغرافيا هي بمثابة شبه جزيرة لن ينفعها تراكم الأسلحة إذا استمرت في عزلة عن بقية أشقائها الذي يعد أكبر ضررا على دولة قطر بسبب تمسكها بمواقفها التي أزعجت السعودية ومعها بقية الدول المقاطعة أهمها استمرار الدوحة كمنصة لجماعة الإخوان المحظورة في مصر وفي بقية الدول المقاطعة ومطالبتها بوقف عمل قناة الجزيرة التي تدعم سياسات تلك الجماعة بحجة دعم ثورات الربيع العربي، وإخراج القوات التركية التي تعتبرها السعودية مناقضة لقواعد وتنظيمات منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاول قطر الانضمام للناتو لكن الناتو رفض انضمامهما إليه لعدم انطباق شروط الانضمام عليها.

دولة قطر هي بين العزلة والمحاصرة من قبل أشقائها بسبب تصرفاتها التي تهدد أمن تلك الدول وبين أن تقتنع بأن إيران وتركيا ليست في حالة يمكن الدفاع عنها، خصوصا

وأن تركيا لديها مصالح مع السعودية ومع بقية دول الخليج ما يفوق دفاعها عن دولة قطر، وحتى الآن لم تلجأ الدول المقاطعة إلى تلك الورقة لحسابات كثيرة، لكن قد تلجأ إليها إذا لم تغير تركيا مواقفها، عندها ستغير تركيا مواقفها خصوصا وأنها دولة براغماتية سترضخ وستتخلى عن دولة قطر كما تخلت إيران عن الحوثيين.

وأعلنت إيران تخليها عن الحوثيين في اليمن عندما أيقنت أن ورقة الحوثيين انتهت، وكذلك حينما تدرك تركيا أن ورقة قطر قد انتهت ستتخلى عنها، ولن ينفع قطر حياد فرنسا التي لن تتخلى هي الأخرى عن مصالحها مع دولة كبيرة مثل السعودية من أجل دولة صغيرة كقطر خصوصا وأن السعودية قدمت نموذجا تطبيقيا حينما رفضت توقيع أي صفقات تجارية مع ألمانيا نتيجة مواقفها السياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ولن تخسر روسيا السعودية أيضا وتوقع اتفاقية مع دولة قطر لتوريد صواريخ أس 400 وهي صواريخ استراتيجية لا تعطى إلا لدول إقليمية كبرى مثل السعودية وتركيا وإيران والهند والصين، وكذلك لن تقبل الولايات المتحدة وجود مثل تلك الصواريخ بالقرب من قاعدتها العديد في قطر، مثلما صرح الخبير العسكري الروسي فيكتور مورتاخوفسكي أنه نظرا لصغر حجم جيش قطر فإن أي صفقات من هذا النوع من الأسلحة لن يكون له طابع عملي بل سياسي.

من يقرأ المقال يستغرب البعض لماذا كل هذا الهلع من دور قطر وهي دولة صغيرة جدا، أيضا الدول المقاطعة لم تتوقع حجم ما تقوم به دولة قطر تجاه أمنها وأمن المنطقة العربية، لكن مؤخرا تنبهت الدول المقاطعة إلى ما بعد ما يسمى ثورات الربيع العربي بعدما تضخم دور قطر وبدا واضحا للعيان إلى خطر جماعة الإخوان المسلمين الاستراتيجي واتخاذها من دولة قطر منصة لأنها الأكثر تنظيما وتمويلا وعنفا على مدى العقود الماضية.

اختارت دولة قطر أن تكون منصة لجماعة الإخوان المسلمين، ودولة رئيسية ممولة لهم، وهو ما فرض على الدول المقاطعة المراجعة المستمرة للواقع الاستراتيجي الذي يشهد تاريخ تلك الجماعات الإرهابية التي بدأت منذ تأسيس جماعة الإخوان حتى داعش، كان لدى تلك الجماعات الإرهابية القدرة على العودة وتجديد نفسها، وأن الاعتماد على البعد الأمني غير كاف كما كان في السابق خصوصا عندما يتم وصف مثل هذا الإرهاب بأنه مؤامرة أجنبية، مما أخر ترجمة استراتيجيات فاعلة للقضاء أولا على البيئة المواتية للفكر الإرهابي والتي هي نتاج فراغ سياسي وعجز اقتصادي

وانقسام اجتماعي وتخلف فكري وثقافي جميعها شكلت تلك البيئة وهو ما يتطلب القضاء أولا على المنصة التي تتخذ منها قيادات الجماعة قاعدة انطلاق ومراقبة عملياتها في المنطقة العربية.

تنبهت تلك الدول إلى أن تركيزها كان في الفترة الماضية مركز فقط في مواجهة القاعدة ثم داعش، لكنهم تنبهوا مؤخرا إلى أن التنظيمات الإرهابية تنطلق من بيئة فكرية واحدة، وأن الجيوب الإرهابية لا تزال واسعة ولديها القدرة على التجديد والحشد والتعبئة والتمويل اللازم لعملياتها ولا تزال المواجهة مستمرة في سيناء والصومال وأفغانستان وباكستان وفي سوريا والعراق.

وهاهو الربيع العربي يعود مجددا إلى الأردن، حيث نجد أن القنوات القطرية تصور المظاهرات في الأردن ضد الضرائب بأنها احتجاجات ضد النظام السياسي، خصوصا وأن دولة قطر تبتز الأردن بمواطنيه البالغ عددهم 45 ألف يعملون في قطر إن قطع علاقته بتنظيم الإخوان في الأردن.

أصبحت خيارات الأردن محدودة حيث أن البنك الدولي يرفض إعطاء قروض من دون رفع الدعم وتخفيض مصاريف الحكومة، إلى جانب تراجع المساعدات نتيجة انخفاض أسعار النفط في الدول الخليجية، والسعودية ودولة الإمارات تخوضان معركة استنزافية في اليمن لاستعادة أمن المنطقة وإعادة الشرعية إلى اليمن.

رغم أن محدودية موارد الأردن لكنه استطاع تجاوز عدة أزمات خلال النصف الثاني من القرن العشرين حيث كان ملجأ للفلسطينيين وللعراقيين وللسوريين حتى أصبح عدد الأردنيين أقل من نصف عدد السكان، رغم ذلك لا يزال الأردن متماسك وبراغماتي مع التطورات التي مرت على الأردن، ولن يعطي الأردن الفرصة لتيارات الإسلام السياسي في تحويل تلك المظاهرات ذات المطالب الاقتصادية إلى مطالب سياسية، وهو ينسق سياساته مع السعودية في الوقت الحاضر، ولن تتخلى السعودية عن الأردن، التي لن تقبل أن تتحول المظاهرات من مطالب اقتصادية إلى مطالب سياسية.

لا تعليقات

اترك رد