الخيل عند العرب … تراث من ذهب


 

الخيل موروث ثقافي، ورمزاً للشجاعة والبطولة والأصالة، اشتهر العرب بحبهم للفروسية، والإعتناء بخيولهم الأصيلة، فذكر ابن الكلبي في كتاب “أنساب الخيل” أن أول من ركب الخيل هو إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وكانت وحوش تعيش في البراري حرة طليقة ولا تُركب وإنما كان الناس يصيدونها لأكل لحومها حتى سخرها الله عز وجل لإسماعيل وجعلها لخدمته، ويقول الدكتور كامل سلامة الدقس “أن أول حصان في العالم ظهر في الجزيرة العربية، وهناك تناسلت وتكاثرت”.

حرص العرب على المحافظة على أنساب خيولهم، وأن لا تختلط دمائها بدماء غيرها من الخيول الهجينة، والهجين هو الحصان الذي ولد من أم أجنبية وأب عربي، كما حفظ العرب نسب الخيل من جهة أبيه وأمه، فكانوا يتناقلونه مشافهة صغيرهم عن كبيرهم، ثم أفردوا كتباً اهتمت بصفاتها وأسمائها، مثل كتاب “أنساب الخيل في الجاهلية والأسلام وأخبارها” لابن الكلبي، كتاب “الخيل” للأصمعي، كتاب “الأقوال الكافية والفصول الشافية في الخيل” للغساني، كتاب “الحلبة في أسماء الخيل المشهورة في الجاهلية والإسلام” للصاحبي التاجي، كتاب “حلية الفرسان وشعار الشجعان” لابن هذيل الأندلسي.

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حب الخيل واقتنائها فعن عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اتخذوا الخيل واعتقبوها فإنها ميراث أبيكم إسماعيل”… كما وصفها بالخير فيقول الرسول الكريم في الحديث الشريف: “الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة”.

كان للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه خمسة أفراس هم: لزاز ولحاف والمرتجز والسكب و اليعسوب، وجاء ذكر الخيل في القرآن الكريم في خمس سور، وأقسم الله جلا وعلا بها في قوله تعالى (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا( (العاديات: 1-4).

ومن الأقوال المأثورة في الخيل ما قاله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه “علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل”، وفي قول مأثور لأحد الحكماء حيث قيل له” أي الأموال أثرى؟ … قال “فرس يتبعها فرس، في بطنها فرس”، ويقول الشاعر إسماعيل بن عجلان:

إذا لم يكن عندي جوادُ رأيتني … ولو كان عندي كنز قارون معسرا

في الجاهلية لم يكن العرب يهتمون بشيء من الحيوانات قدر اهتمامهم بالخيول، بل كان العربي ينزلها منزلة الأهل والأبناء، فكانت تنال تكريمهم إلى درجة تفضيلها على أولادهم، ويروى أنه من شدة محبة العرب للخيل كان أشرافهم يخدمونها بأنفسهم، فلا يتكل على غيره للقيام بتلك المهمة، حتى أن أحد حكمائهم قال” ثلاثة لا يأنف الشريف من خدمتهم: الوالدين والضيف والخيل”.

ومن أشهر خيول العرب في الجاهلية “داحس والغبراء” فقد اندلعت في الجاهلية بسبب الفرسين حرب بين فرعين من قبيلة غطفان هما عبس وذيبان، وتعد حرب داحس والغبراء من أطول الحروب التي خاضها العرب في جاهليتهم حيث استمرت لمدة أربعين عاماً .

كان السبب المباشر في نشوب الحرب بين القبيلتين إلى السباق الذي وقع بين داحس وكانت مملوكة لقيس بن زهير زعيم بنى عبس، والغبراء وكانت لحذيفة ابن بدر من قبيلة ذبيان، فعندما اقترب الفرس داحس من نقطة النهاية وتحقيق الفوز، برز له رجل من قبيلة ذبيان كان مختبئًا قرب خط النهاية، ليتعثر الفارس، فاتهمت قبيلة عبس قبيلة ذبيان بالغش واشتعلت الحرب بينهم.

ومن أشهرها “الأبجر” فرس عنترة بن شداد العبسي والذي خلده في قصائده الشعرية فيقول:

لا تعجلي أشدد حزام الأبجر … إني إذا الموت دنا لم أضجر

ولا يمكن أن نتجاهل “النعامة” فرس الحارث بن عباد وهو من حكماء العرب وشجعانهم، اعتزل حرب البسوس التي نشبت بعدما قتل بنو بكر بن وائل ابن عمهم كليب ملك العرب وزعيم تغلب، حيث قال الحارث بن عباد لا ناقة لي ولا جمل في تلك الحرب، وبعد سنوات طوال من الحرب التي كادت تفني الطرفين.

تدخل الحارث وأرسل ولده وكان يدعى بجير إلى الزير سالم المهلهل أخو كليب وقائد المطالبين بدمه من التغلبيين وحلفائهم، وأمر الحارث ابنه أن يقول له اقتلني بدلاً منه أخيك كليب وأوقف الحرب! … إلا أن الزير قتل بجير ثم قال: “مت بشسع نعل كليب”، فلما علم الحارث انفجر كالبركان الثائر، وانشد قصيدته التي تعد من أروع أشعار الجاهلية، ثم اشترك في الحرب ممتطياً فرسه النعامة لتنقلب الكفة لصالح بني بكر بعد أن كانت للزير سالم ومن معه، ويقول الحارث بن عباد في قصيدته المشهورة:

قَرِّبا مَربَطَ (النَعامَةِ) مِنّي … لا نَبيعُ الرِجالَ بَيعَ النِعالِ
قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … لِبُجَيرٍ فـداهُ عَمّي وَخالي
قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … لِبَجَيرٍ مُفَكِّكِ الأَغـلالِ
قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … لِكَـريمٍ مُتَوَّجٍ بِالجَمـالِ
قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … لَقِحَت حَربُ وائِلٍ عَن حِيالِ
قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … لَيـسَ قَولي يرادُ لَكِن فعالي

لا تعليقات

اترك رد