منذر جوابرة .. ” بقاء ” إشراقة مبدعة


 

يتمتم..
يرتل..
ويعلن موعداً لرقص جنائزي.. وطقس يغذي عادته بالانكسار..
يحتضن لنفسه ليحب..
فينكسر..
يلملم باقية وحده..
إلى حين يأتيه العابرون نحو السماء..
أو يغني مثل طير من جديد..

يقول نجوان درويش (… لن أدخل في تفاصيل هذا المعرض, بما يعيق أو يوجه عملية التفاعل الفني, وأود فقط, أن أشير إلى أصالة تجربة منذر جوابرة, وسط مجموعة من التجارب الأصيلة الجادة الجديدة في فلسطين, اليوم وحيويتها, التي تشي بها نقلاته السريعة, حيث يمثل “بقاء” نقلة مفاجئة في مساره الفني, الذي اتسم بالتجريب منذ بداياته, بعيداً عن وصاية آباء لم يبلغوا سن النضج الفني, هؤلاء الآباء الذين وبطريقة مدهشة, قفزوا من رحم أمهاتهم إلى دور المسنين حيث يريلون ” روائعهم ” هناك!

وبعد، فهذه واحدة من التجارب التي تحرص على تطوير رؤى بصرية مغايرة في مواجهة التلوث البصري الذي يشيعه الاحتلال وجدرانه وخطاباته الفاشية وبعض خطاباتنا المبتذلة للأسف من السياسة إلى الفن, إضافة إلى إبتذال الخطاب المعولم برمته على امتداد الكوكب, إنها تجارب تستحق النظر كله, ليس لأنها تجارب فلسطينيين محاصرين، بل لأن إصغاءها لشروط الفن لا يقل عن إصغائها لبعض هذه الأيام المترعة بالمشقة ومقاومة الموت, فالشيء المهم _ كما ذهب سارتر _ ليس كما صنعه الناس بك, وعليه فإن طموحنا أن نتجاوز هذه الشروط المجرمة, حيث انتهاك الإنسان وأمله أصبح روتيناً يومياً ضمن منظومة الجريمة التي “يبدعها” المحتل وشركاؤه الصامتون.

في هذا المعرض _ رغم الحياة الشاحبة التي يقدمها _ ثمة طاقة تفاؤل عالية تكمن غالباً في خلفية اللوحة, وبما أنني من أمة المتشائل, وبما أن الفنان سيء الحظ مثلنا جميعا, فإنني أتخيل أن مكفوفي البصر وحدهم سيحضرون هذا المعرض, لمشاهدة اللوحات…! وسأكون أنا _ مكفوف الأمل _ معهم أتعكز على خيط من الضوء الغارب:

خذ بيدنا أيها الضوء
خذ بيدنا يا بني!……)

أما أنا.. فسبق لي أن حضرت معرضه الشخصي “ضجيج”, في مؤسسة عبد المحسن القطان, فوجدت أمامي فناناً متميزاً بألوانه وريشته ومواضيعه, شعرت وأنا أتأمل اللوحات, أنني أمام فنان كبير, سألت عن الفنان فوجدت أمامي شاباً صغيراً بالعمر, مهذباً خجولاً, لا يحتمل كلمات الإطراء, فتعلو الحمرة وجهه ويكاد يتعثر بكلماته خجلاً..

منذ تلك اللحظة, ربطتني بهذا الفنان الشاب علاقة طيبه, فكنت أجده دوماً ممتلئاً بالأمل والنشاط, طموحاً لأبعد الحدود, أراه دوماً في كل معرض من المعارض الفنية والفعاليات الثقافية, يقف صامتاً أمام لوحات غيره, متأملاً بصمت, بعيداً عن التعليقات التي اعتدت أن أسمعها من فنانين آخرين, استهزاءً بجهود غيرهم.

حين افتتح معرضه الأخير “بقاء”, في قاعة مركز خليل السكاكيني, لم أتمكن من حضور الافتتاح بسبب عارض مرضي, فذهبت بعد يومين إلى صالة العرض, كنت مبكراً ووحيداً, شعرت بعالم آخر معلق فوق الجدران, لوحات تجذبني لأكون في أعماقها بعد أن اجتاحت أعماقي, شعرت بالذهول.. أحاسيس ومشاعر مختلفة.. حزن وفرح.. ألم وشفاء.. حتى أنني شعرت بدوار ورغبة بالبكاء.. ولم أَفق من غيبوبتي إلا بعد ساعة على صوت”مصباح” مشرف الصالة يسألني: ما رأيك؟ فقلت له: أحضر لي هاتف منذر, اتصلت به فوراً صارخاً.. لقد أذهلتني يا منذر.. وخططت هذه الكلمات في سجله بالمركز.

لست فناناً ولا ناقداً, ولكن الجمال يأسرني, اللوحة الجميلة تأسرني, نادراً ما أشعر بالذهول أمام لوحة، لكن مع لوحات منذر عشت في عالم من الذهول وانعدام الجاذبية.

منذر جوابرة.. فلسطيني الجنسية والإقامة, مواليد العام “1976”, خريج جامعة النجاح ببكالوريوس تصوير زيتي العام “2001”, حصل على جائزة في مسابقة “المسيح بعيون فلسطينية” السويدية العام “2003”, شارك في العديد من المعارض الجماعية المحلية والخارجية, عمل مدربا للعديد من ورشات العمل والدورات الفنية, يعمل حالياً مدرساً للفن في كلية مجتمع المرأة/ رام الله, فاز أخيراً بعضوية الهيئة الإدارية لرابطة الفنانين التشكيليين.

أقام ثلاثة معارض شخصيه؛ الأول (ألوان محلقة) في بيرويت- ألمانيا، والثاني (ضجيج) في كل من دار الندوة/ بيت لحم ومؤسسة عبد المحسن القطان/ رام الله، والثالث وهو الأخير (بقاء).

الفنان الشاب منذر.. ريشة حساسة وألوان مرهفة, أنموذجاً طيباً لشاب طموح في مقتبل العمر, مستقبل واعد.

*من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

لا تعليقات

اترك رد