دعائي في ليلة القدر

 

شق القمر جفنه وعدا بقبول دعائي أن العرب سيشقون جفنهم يوما ما!

الدعاء هو نوع من العلاج الروحي النفسي الذي يضفي علينا السلام والطمأنينة بأننا لسنا وحدنا وأن هناك من يحبنا ويرعانا. لكي يكون هذا الدعاء فعالا عليه أن ينبع من أعماق القلب والروح بغض النظر عن زمانه ونوعه ودينه وفلسفته ومرجعه، وإلآ فرغ من فعاليته ومعناه. ولكن عندما يجتمع عدد كبير من الدعاة من كل أنحاء العالم في نفس الوقت، يكون للدعاء طاقة ألف مرة أسمى من أي وقت آخر… أنه الوقت الذي تصفى فيه القلوب. الوقت الذي تصفى فيه السماء والنسيم والطبيعة وكأن الكوكب بات هو السماء، في هدؤ رباني وحده صاحب الدعاء يراه ويشعر به. وأنا في كل سنة أخصص وقتي في ليلة القدر لأقامة الدعاء الذي تنشده روحي بشدة، رغبة مني في مشاركة الملايين من القلوب الصافية وتقديم مساهمتي في ولآدة النور.

أنتظرت انسدال الليل بمعطفه المخملي الملكي بعد منتصف الليل وقبل الفجر، لأبدأ بملآحقة القمر أراقبه أين سيحل في منزلي ساعة الدعاء الى أن وجدته يطل على شرفتي لينثر نوره البهي في داري كون الشرفة لآ حائط لها بل زجاج شفاف يرشف النور بأكمله. وقفت مندهشة في السكينة التي حلت فجأة وكأني انتقلت الى عالم آخر لآ صوت له ولآ أي حركة، وحدها عيناي المندهشة تتحركان وهما ترشفان نور الكون المتألق في بحر الأصوات التي تناجيه بأسمى العبارات وأنبلها، بأسمى الدعاءات الشفافة وأطهرها. إنها أصوات الأطفال الذين يعانون الجوع والقهر والظلم. الذين يعانون من حروب الأخوة ألم الفراق والهجرة الى بلدان الغربة، واليتامى في عالم قلوب ناسه من حجر تمص دمائهم وأجسادهم وترميهم جيفة لطيور الحياة الكاسرة. أطفال يناجون الله والكون والقمر والنور وكل ما يمكن لعقولهم البريئة الصغيرة أن تتخيله وتحلم به. نعم في هذه الليلة سمعت الأطفال تنشد نشيد الأنسانية، نشيد الحنان والمحبة لأن الكبار نسوا هذه الأناشيد واستبدلوها بأناشيد الحرب والجشع الى المال، الى السيطرة والقوة.

علا أنين الأطفال ورجائها وعلا معها أيضا أنين القمر. جفون كثيرة لم تُفتح وزَيف الأدعية التي تختبأ بنوره كثيرة ومكشوف أمرها. بكي القمر وسالت دموعه ومعها سالت دموعي أنا، تاركة آثارها على مساحته التي تنتشر في غرفتي. آثار بصمات أيدي أطفال مرفوعة بالدعاء، وجوههم الشاحبة الحزينة فقدت بسمة الطفولة والبراءة وباتت هي أيضا شاردة في مدار النور تدعو وتبلسم وهي تحاول أن ترى بصيص أمل أو دليل مخرج. استمرينا بالدعاء وارتفعت الأصوات تدريجيا، ومعها ارتفعت الطاقة الكونية تنادي القمر الى النهوض من حزنه ونشر نوره في القلوب المزيفة كما الصافية دون استثناء، لأن المحبة الشاملة الكلية دون أية تفرقة هي وحدها مفتاح الأعجوبة، هي وحدها سر ليلة القدر.

شق القمر جفنه وعداً بقبول دعائي أن العرب سيشقّون جفنهم يوما ما! نهض من دوامة الحزن، جفف دموعه ودموع الأطفال ليبدأ رقصته، فراشات تحوم حولك وأنت في أعمق حالات التأمل لتبشرك بأن النور يسمعك ويحتضنك واعدا اياك بتحقيق الدعاء وأن العدل سيحل والضمائر ستتفتح وأن الظالم سيزول والبراءة ستعود. لمستني الفراشة برقة النسيم ساعة لمست أوجه الأطفال وجميع القلوب الطاهرة، لترسم على طرف الشفاه بسمة أمل بأن الأعجوبة قادمة لآ محال، فالنور يعرف الحلول والقمر يحفظ أسراره دائما.

أتمنى للعالم العربي عيدا مليئا بنور المحبة والتسامح والوعد بأيام أفضل

لا تعليقات

اترك رد