المدينة : الاكتشاف الأعظم في تاريخ بلاد النهرين ،، ج١


 

( يضيق الخلق بالمرء أحياناً الى الحد الذي يبحث فيه عن مهرب ؛ وكان مهربي ، كما في كل مرة ، الى التاريخ البعيد ووجدت نفسي اقلب اوراقاً قديمة كتبتها قبل بضع سنوات ولم اكن قد نشرتها ، وهي ثمرة قراءات في تاريخ العراق القديم اشرت الى مصادرها في ثنايا المقالة بشكل مرمز وفقاً لنظام APA وذلك بكتابة اسم المؤلف ثم الصفحة بشكل مباشر وفي نهاية البحث ترد القائمة كاملة بأسماء المؤلفين ومؤلفاتهم وسنة الصدور ورقم الطبعة وما الى ذلك من تفاصيل ، ولأجل التوضيح اقتضى التنويه )

يعدد المؤرخون انواع مختلفة من الاكتشافات ويعزون لها الفضل في صنع فجر الحضارات في تاريخ بلاد النهرين والعالم . الكتابة والعجلة والتحكم بالنار والفخار .. الخ ، لم تكن لتكتسب مداها في الإسهام في صناعة أسس الحضارة الانسانية لولا اكتشاف اخر وهو المدينة ونمط الحياة المتمدنة التي احلت أسساً جديدة لبناء المجتمع الإنساني . في المدينة حلت صلة المصالح المشتركة لابنائها بديلاً عن صلة الدم والقربى ، وتبعاً لذلك حلت منظومة قيمية واعتبارية جديدة اسمها القوانين لتحل محل العرف والعادات لتنظيم علاقات الأفراد .. لقد اصبح الفرد ، مواطن المدينة ، بذاته مسؤولاً عن افعاله ، واصبح ذلك هو الاساس لبناء المنظومات السياسية والاجتماعية ، ويكتسب قيمة وجوده من خلال الإسهام في الحياة العامة للمدينة وأطرها التنظيمية . هذا المعنى جسدته الشرائع القانونية المكتوبة وقد شكل روحها المجردة . مدن بلاد النهرين الاولى هي التي انشأت مفهوم المواطنة الفردية المباشرة في المجتمع وليست آية تجارب اخرى لاحقة في اليونان او روما كما يزعم بعض المؤرخين ومنهم الراحل برنارد لويس .

كيف نشأت المدينة في العراق القديم ؟!

لم تكن حياة المدينة اكتشافاً جرى مرة وتعلمه الناس ثم توارثوه ، بل كانت ثمرة تجربة طويلة استغرقت عمر الانسانية حتى بضعة آلاف سنة قبل الميلاد حين ولدت اولى المدن مثل اريدو واوروك اللتان ستظلان شاهداً على ولادة الانسانية المتمدنة .

يشكل العراق الحالي معظم الاقليم الذي اطلق عليه اليونانيون القدماء تسمية Mesopotamia وهي لفظة تعني ” بين النهرين ” ، وهذه التسمية لاتشير ، من الناحية الجغرافية ، الى الارض المحصورة بين نهري دجلة والفرات ، بل تشمل اضافة لذلك الوديان المتصلة بمجرى النهرين والروافد التي تصب فيهما ، وبالتالي فأن الاقليم الجغرافي الذي تشير اليه التسمية يضم الى جانب العراق الحالي مناطق اخرى محدودة تتصل به من شرقي سوريا وجنوب شرقي تركيا ( Leick – xiii ) .

ينبع الفرات من مرتفعات الأناضول التركية وينحدر وصولاً الى الخليج العربي مروراً بسوريا والعراق ، ويمثل مجراه الواسع وغير العميق مصدراً نموذجياً لمياه الري وبيئة مناسبة للملاحة في بعض أجزائه . اما دجلة فانه ينبع من نفس المرتفعات لكنه ينحدر عبر العراق من خلال أراضي ذات طبيعة وعرة ليلتقي مع الفرات في جنوب العراق عند منطقة القرصنة ليشكلا شط العرب الذي يَصْب في الخليج العربي .

لقد لعب النهران دوراً حاسماً في رسم جانب رئيسي من تاريخ العراق وعلاقاته ؛ شكل الفرات طريق مواصلات مع سوريا وأواسط تركيا والبحر الأبيض المتوسط ، اما دجلة وروافده فقد شكل وسيلة اتصال مع شرقي تركيا وايران ، كما شكل النهران بما يقدمانه من مياه وتربة متجددة سنوياً عن طريق الفيضانات مصدراً مهماً لخصوبة البلاد الزراعية ولحياة قطعان الماشية فيها ( Foster – 4 ) .

يمثل الاقليم وحدة جغرافية ذات حدود طبيعية ؛ تقع مرتفعات الأناضول في الشمال وصحراء الشام الى الغرب والجنوب الغربي ويقع البحر ( الخليج العربي ) في الجنوب . ينقسم هذا الاقليم الجغرافي الى منطقتين : شمالي البقعة الواقعة حوالي مدينة بغداد الحالية وجنوبيها ، وعندها يقترب نهرا دجلة والفرات من بعضهما الى اقرب مسافة تفصلهما على طول مجراهما . هذه الوحدة الجغرافية وموقعها في الجغرافية العامة للإقليم المحيط رسمت الى حد كبير الجزء الأهم من تاريخ البلاد كما سنرى في تفاصيل لاحقة ( Leick – xiii ) .

عاش الجزء الشمالي من الاقليم على الأمطار التي تتولد بفعل السلاسل الجبلية التي تمتد من الساحل السوري حتى اواسط اسيا مروراً بجنوبي الأناضول ، اما الجزء الجنوبي ، وهو سهل رسوبي تشكل من خلال الرواسب الطينية التي حملتها مياه دجلة والفرات ، وهي رواسب غنية بالأملاح والمعادن وفر لها خصوبة عالية ( Leick – xiii ) ، لقد شكل النهران المصدر الرئيسي للمياه في هذا الجزء الفقير بالإمطار .

تشير نتائج الحفريات الى اثار إنسان يستخدم الأدوات من حجارة الصوان والحصي والحجارة الجبسية منذ عهد سحيق ، وقد تم العثور على هذه الأدوات في مواقع متعددة شمالي العراق في محافظات كركوك والسليمانية ، كما وجدت اثار عديدة لانسان النياندرتال في كهف شنايدر Shanidar بالقرب من رواندوز وهي عبارة عن أدوات حجرية متنوعة وبقايا نار وعظام محروقة ، ويقدر ان عمرها يعود الى حوالى خمسين الف سنة ق.م. ، كما وجدت اثار متعددة من أدوات الصوان كالسكاكين والفؤوس في أماكن متعددة من شمالي العراق وتعود لفترات تالية لمرحلة شنايدر ، ويبدو ان الانسان الذي عاش خلال تلك الفترة قد ارتبط بنوع معين من الاتصال بنظراء له في مناطق مختلفة من سوريا وفلسطين وتركيا ، اي في النطاق الشمالي الغربي للإقليم والذي عرف فيما بعد بالهلال الخصيب ، نظراً للسمات المشتركة للآثار التي تم العثور عليها وتعود الى تلك الفترة ( Roux – 36 – 9 ) .

قبل حوالي عشرة آلاف سنة طور الانسان ، في هذا الاقليم ونطاقه المشار اليه ، ومع نهاية العصر الجليدي الرابع اساليب جديدة لإدامة الحياة تستند الى الزراعة وتربية الحيوانات ؛ لقد ترتب عن ذلك نوع من الاستقرار المكاني للإنسان ، وقد اتخذ شكل تجمعات سكانية صغيرة ، وتم حينها البدء بزراعة قطع صغيرة من الارض وإنشاء حظائر للحيوانات ويبدو ان تلك الفترة قد شهدت بداية عمليات انتقاء الأجود والأنفع من البذور والحيوانات ( Fosters – 8 – 9 ) ، وقد لاحظ الآثاريون ان هذه الفترة شهدت تطوراً في نوعية الأدوات التي كانت قيد الاستخدام ؛ لقد اصبحت الأدوات الحجرية اصغر حجماً كما تنوعت المواد التي تصنع منها مثل الصوان والصهارة الزجاجية البركانية فضلاً عن ظهور أدوات طحن الحبوب ومخارز مزينة ذات أشكال منتظمة مصنوعة من العظام ، اضافة الى حلي صنعت من العظام بشكل خرز وقلائد ؛ وتشير الهياكل العظمية التي وجدت الى كونها تعود لجنس متوسطي ( Roux 40-1 ) .

مع تقدم الزمن بدات الاثار تتزايد لتشير الى نوع من الزراعة الدائمة وآثار منازل في موقع قرب طريق أربيل – كركوك ، ووجدت اثار مثيلة في مواقع في سوريا وفلسطين وايران في مناطق تجاور العراق مباشرة ، ولاحظ الآثاريون استخدام الطين المجفف لبناء البيوت اضافة للحجارة ، وكانت الاثار تدل بكل وضوح على ان مواد مجلوبة من مناطق اخرى في الاقليم قد استخدمت لاغراض المعيشة اليومية ( Roux 41-2 ) .

هذه التطورات استغرقت اربعة آلاف سنة للفترة ١٠٠٠٠-٦٠٠٠ ق.م. في أنحاء مختلفة من منطقة الهلال الخصيب وهو اقليم يمتد من فلسطين مروراً بسوريا وجنوب الأناضول ويصل الى شرقي ايران ، والمشترك بين هذه المناطق انها جميعها اعتمدت على المطر لاغراض الزراعة والاستقرار .

كانت الصورة العامة اواخر تلك الفترة تشير الى ان السكان قد طوروا صناعة أدواتهم المستخدمة في معيشتهم اليومية كما امتلكوا تقنيات تشييد البيوت وتمكنوا من تأمين موارد ثابتة للطعام من اللحوم والحبوب والخضار بجوار مناطق استقرارهم على مدار السنة ؛ لقد كانت هذه التطورات ، التي حصلت في أماكن متعددة من الاقليم وبشكل متزامن ، توحي بوجود صلات دائمة بين مجاميع السكان في الاقليم . لقد بدأت الانسانية عصر تقنية انتاج الغذاء ، وهي تقنية اتاحت امكانية زراعة وتخزين وانتقاء سلالات محددة من الحنطة والشعير ورعاية وتغذية الأغنام والماعز ولاحقاً الخنازير ؛ لقد اصبح نمط تأمين المعيشة بواسطة الصيد والتقاط الثمار نمطاً ثانوياً ( Fosters 8-9 Roux 42-3 ) ، كما بدات تظهر في المراحل الاخيرة من هذه الفترة أشكال بدائية من الفخار وهو تطور ثوري وهام باتجاه تحسين إمكانيات عيش أفضل وحفظ الغلال والطبخ ، فضلاً عن حقيقة ان ماتم العثور عليه من بقايا الفخار تلك الحقبة يشير الى وجود صلات منتظمة بين المجاميع التي استقرت على امتداد الاقليم لان هذه البقايا الفخارية حملت بصمات منتجيها وكانت منتشرة في اغلب ارجاء الاقليم .

لقد شكلت قرية ” جرمو ” في شمالي العراق نموذجاً للتحولات التي شهدتها مناطق مختلفة في الاقليم من مدينة اريحا الفلسطينية وكاتال هيوك في الأناضول وتبة علي كوش في لورستان ايران ومواقع اخرى على امتداد الهلال الخصيب ؛ تلك كانت اولى خطوات الانسانية للاستقرار الكامل والتحول الى حياة المدن التي تعتبر اهم انعطافة في تاريخ الاجتماع الإنساني وسيكون الجزء الرسوبي الجنوبي في العراق مهدها الاول .

مالذي تعنيه مرحلة ” جرمو ” ، وكيف تحول مهد الحضارة من شمالي هذا الاقليم الى جنوبي العراق ، ولماذا ؟!! …

( للبحث تتمة ) …

لا تعليقات

اترك رد