خطورة ظاهرة المخدرات في الوسط المدرسي …… دق ناقوس الخطر


 
خطورة ظاهرة المخدرات في الوسط المدرسي ...... دق ناقوس الخطر

تعد مشكلة تعاطي المخدرات من أخطر المشاكل الصحية والاجتماعية والنفسية التي تواجه العالم . وتشير العديد من المؤتمرات العالمية والمحلية الى أن بدأ التعاطي يقع غالبا في سن المراهقة (خاصة المبكرة) , وهي الفترة التي يقضيها الشباب في المدارس والمعاهد والجامعات . وهذا العمر هو الذي يصل فيه الفرد الى قمة قدراته على العطاء والبذل والانتاج . لذا أصبحت المخدرات في الوسط التلاميذي تعتبر افة تثير قلقا متزايدا سواء لدى العائلات أو المربين على مصير التلاميذ الدراسي والتحصيل العلمي . فهي تضرب في الصميم الهدف الأسمى والوظيفي للمؤسسات التربوية .

فالمخدرات تمثل أخطر ما يواجه الناشئة اليوم وخاصة أمام تفاقم هذه الظاهرة بشكل مفزع ومخيف بعد الثورة في تونس , فهي تفوق كل المخاطر الأخرى التي يمكن أن يتعرض لها أبنائنا , انها تسرقهم منا , وتحيلهم حطاما وتدمر مستقبلهم وتدفعهم الى الجريمة من أجل تأمين النقود اللازمة لشرائها اذا أدمنوا عليها .

ولعل المفزع أن هذه الافة استفحلت داخل المحيط المدرسي وتحديدا فيما يتعلق باستهلاك ما يعرف “بمادة الزطلة” والكحول , مما جعل كل من المربين والادارة والأباء يدقون ناقوس الخطر لمحاربتها والقضاء عليها . فما هي الأسباب التي حولت الفضاءات التربوية الى بؤر “الادمان ” ؟ وما هي أهم الخطط لمواجهة هذا السرطان حتى لا يقع أبناؤنا فريسة له ؟؟

لعل لغة الأرقام تعكس عمق المأساة لهاته الافة التي تنخر محيطنا التربوي وجعلتها عصية عن التفكيك والمحاربة أحيانا . لقد كشفت دراسة حديثة أن نسبة الادمان على المخدرات في تونس ارتفعت ب 70% بعد الثورة , فيما لوحظ أن 30 % من الفتيات يدمن المخدرات , كما أن 60 % من المدمنين هم من الفئة العمرية المتراوحة بين 13 و 18 عاما , وتقريبا 50 % من التلاميذ في تونس يتعاطون ” الزطلة ” والكحول .

ان العصابات المجرمة الساعية الى الاثراء السريع والشبكات الترويج في الوسط المدرسي , تستغل عدم استيعاب المراهقين للأضرار الاجتماعية والنفسية للمخدرات ويلجؤون الى أبشع أسلوب في جرهم الى تناول المخدرات وبالتالى الادمان , فهم يحاولون في بادئ الأمر تزويدهم المخدرات بصفة مجانية لعدة مرات ريثما يدمنون عليها , فلا يستطيعون الاستغناء عليها , وبذلك يصبح المدمن مضطرا الى اللجوء الى مختلف الوسائل والسبل للحصول عليها , ويتحولون شيئا فشيئا الى عناصر مدمنة على الاجرام اذا لم يكتشف الوالدين , أن أبنائهم يتعاطون المخدرات ويسعون في معالجتهم قبل فوات الأوان .

الصدى - خطورة ظاهرة المخدرات في الوسط المدرسي ...... دق ناقوس الخطر

وبناء على تقرير أعدته ادارة الطب المدرسي والجامعية التابعة لوزارة الصحة التونسية , أن التلاميذ الذين جربوا المواد المخدرة بالمؤسسات التربوية يتوزعون بين 61.1 % ذكورا و 40.9 % من الاناث . كما أظهر أن 12 تلميذا من بين 30 تلميذا يتعاطون مخدر ” الحشيش ” داخل المعاهد الثانوية والمدارس الاعدادية .

ولعل من أهم الأسباب التي ساهمت في تحول الفضاءات التربوية الى بؤر الادمان هي :
– الاحساس بالضياع وسوء الاندماج والتهميش وغياب الأمل .
– الانجرار الى الادمان حبا في تقليد أترابه أو لضعف شخصيته أو حبا في التمرد والميل الى خرق القواعد والقيم الاجتماعية.
-العنف المسلط على الطفل والمراهق كفيل بدفعه الى الادمان ويخلق فيه حب المغامرة والتحدي وذلك يبتدئ بالتدرج من المستنشقات الى حد الوصول الى ” الزطلة ” والانواع الأخرى من المخدرات , بحثا عن النسيان والهروب من الواقع المرير الذي يعيشونه , فهو احساس بنوع من الرجولة والاستمتاع .
– وتبقى من الأسباب المباشرة للادمان تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والانقطاع المبكر عن الدراسة والفشل الدراسي , اضافة الى الفقر والتفكك الأسري والمشاكل العائلية والطلاق .

ورغم أن الدولة تكافح بكل الوسائل والسبل تهريب المخدرات الى داخل البلاد وتتابع المشبوهين في المتاجرة فيها والمدمنين عليها , الا أن هذا لا يكفي , لأن يدا واحدة لا تصفق , وأن مكافحة هذه الافة تتطلب تعاونا وثيقا بين كل الأطراف أي الدولة من جهة والأولياء والمربين من جهة أخرى .

فعلى الأباء والمربين وادارة المؤسسات التربوية , أن تراقب أوضاع التلاميذ وتصرفاتهم وعلاقاتهم داخل المدرسة وخارجها . ولاشك أن تصرفات الأبناء وسلوكهم وعلاقاتهم بغيرهم , وخاصة من غير المحيط المدرسي , يمكن أن يكشف لنا اذا كانوا يتناولون المخدرات أم لا , وملاحظة كل التغيرات التي تطرأ عليهم منها :
– الفقدان المفاجئ للاهتمام بالعائلة والأصدقاء
– مصاحبة أصدقاء أو أفراد غير معروفين
– تدني مستوى التحصيل الدراسي المفاجئ
-تقلب المزاج والاكتئاب
– ضعف النشاط والحيوية
– سرعة الغضب والصراع غير العادي مع أفراد العائلة
-بطئ الكلام واضطرابه
– نقص الوزن
– الرجوع الى المنزل متبلدا
-ممارسة السرقة
-طلب النقود بصورة غير عادية ودون مبرر واضح

كما تعالت الأصوات أخيرا في تونس لتطويق هذه الظاهرة , بتظافر فيها البعد الجزائي والقانوني والعلاجي والوقائي , منها اعتماد مفاهيم جديدة في التشريع قائمة على مبدأي الوقاية والعلاج في مكافحة تعاطي المخدرات , لذا أعتمد مشروع القانون الجديد هذه المقاربة ازاء مستهلكي المواد المخدرة , تتمثل أساسا في اعتبارهم مرضى من جهة يستحقون العلاج والاحاطة الاجتماعية والنفسية دون اعفائهم من تحمل المسؤولية الجزائية عند الاقتضاء من جهة أخرى .

وأخيرا أن مواجهة ظاهرة المخدرات في الوسط المدرسي , هو عمل وطني يحتاج الى جهود مخططة تتكامل فيها كل الأدوار , منها اتباع اجراءات وقائية واتخاذ تدابير لازمة لحماية أبنائنا من الوقوع في المخدرات وذلك بتحسين قدرة الفرد على مواجهة مشاكله بصورة بناءة , واستخدام أسلوب الاعتدال في المعاملة واعطاء الثقة بالنفس والاعتماد على الذات والتوعية بأضرار المخدرات , وبتعميم مشاركة الفرد في ممارسة هواياته وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في المجتمع المدني .

1 تعليقك

اترك رد