من ١٩٢٠ الى ٢٠١٨ مقارنة عابرة للخريط !

 

تحفر المشاهد الفريدة، التي نراها في الطفولة أخدود غائر في الذاكرة، وتبقى مستلقية هناك أمنة مطمئنة، مهما مرت من جنبها حوادث يومية روتينية متشابهة، فكلها عرضة للنسيان والسقوط من شريط الذكريات على حداثتها، لانها اقل بريقا ولمعان من تلك المشاهد التي تمركزت بالاذهان.

مهما كُبرت لن انسى تلك الشوكة العملاقة التي كانت معلقة على حائط بيت جدي، كانت تشبه الشوكة التي نأكل بها الا انها اكبر واكثر هيبة، وأذكر اني سألت جدي عنها فقال لي”هاي الفالة بيها طردنا الانكليز ” واصابني الاستغراب مما قال، أيعقل ان شوكة كبيرة تستخدم لصيد الحيوانات، تخيف القوات الانكليزية انذاك؟ وتجبرهم على مغادرة العراق؟ بحادثة خالدة دونها تأريخ العراق الحديث وعرفت “بثورة العشرين” .

ذُكر تفاصيلها وابطالهامن شيوخ العشائر الجنوبية والغربية، الذين اجتمعوا لتحرير”شعلان ابو الجون” شرارة الثورة وبطل القصة، ورغم بساطة وبدائة الاسلحة التي اقتحم بها ابناء العراق المعسكرات الانكليزية في ذلك اليوم، الأ انها ادخلت الرعب في قلب المحتل، وجعلته يعيد حساباته من جديد، ويدرك انه غير قادر على مواجهة عنفوان هذا الشعب و غضبه، فقرر الانسحاب وحفظ مابقى من ماء وجه.

ما الفائدة من اعادة قراءة التأريخ اذا لم نعتبر من احداثه؟ خصوصا اذا كان التأريخ لا يتاخر بأعاده نفسه!
لذلك تخبرنا تلك الاحداث ان قوتنا في وحدتنا، لا في فرقتنا وتشظينا.
ان الزخم الوطني الشعبي وغليان الشارع العراقي الذي أخرج المحتل الانكليزي سنة ١٩٢٠، لماذا لم يشتعل مرة اخرى لاخراج المحتل الامريكي في ٢٠٠٣؟! .

عند المقارنة الزمنية بين (١٩٢٠و ٢٠٠٣) لم يكن العراق يمتلك جيشاً نظامياً قبل ثورة العشرين، في حين قبل ٢٠٠٣ كان العراق يملك جيشاً، وان كان منهك القوى لكنه موجود، لذلك فان الزي العسكري وتأبط البندقية الروسية وحدها لا يصنع النصر ابداً.
لهذا انتصر اجدادنا “بالفالة” و ” المكوار” واستطاعوا ان يواجهوا المدفع الانكليزي المتطور انذاك، لان قوة العقيدة وصدق المبدأ، وقدسية القضية هي الاسلحة الحقيقة في الميدان، فعندما تتوحد الجهود يتوحد العدو.

ان حجم القناة العابرة من خلالها الاحداث، هي من تتحكم بسرعة جريان الامور فيما بعد، فالقناة الضيقة لخزان الماء المملوء بالماء لا يجري بها الماء كتلك القناة الواسعة!
ان القناة تعبر عن الضغوط وحجم القهر التي تتعرض له الشعوب الحرة الابية التي لا تستسيغ الهضم والظلم، فكلما ضاقت قناتهم انطلقوا كالسيل العرم بوجه الطغيان، هكذا تكون الشعوب غير المقهورة التي لم تستطع نوائب الدهر هزيمة عزائمهم، انها شعوب مؤمنة بذاتها، محتفظة بكرامتها، يفر امامها العدو فرار الحمير”كأنهم حُمر مستنفرة فرت من قسورة”.

لكن عندما تتسع القناة يقل معها قوة ضخ المياه، ويضعف تاثيره، مثلما حدث للجيش العراقي في ٢٠٠٣، وهو يواجه الجيش الامريكي، انهار قبل ان يخوض حرباً حقيقية، سوى معارك هنا وهناك، والسبب ان الطاغية قد استنزف برعونته تلك الجذوة والهمة الداخلية للجيش بحروب متلاحقة سابقة خاضها الجيش العراقي، كبدته خسائر كبيرة، لكن من الانصاف ان نذكر ان الجيش العراقي لم يُنصف يوما!
لانه اكثر جيوش المنطقة خوضاً للحروب واقلها حظا.

عند العودة الى المقارنة بين عشائر الجنوب في العام ١٩٢٠ وبين عشائر اليوم نجد عدة مفارقات تدعو الى الوقوف عندها ودراستها بشكل دقيق، لمعرفة قناة الاحداث القادمة الى اين سوف تصب ؟

المفارقة الاولى؛ كانت العشائر تحكمها الاعراف العشائرية والتقاليد القبلية، التي اشبه ما تكون بدستور لا يحيد عنها ابناء العشيرة، الا انها تحت خيمة القانون!
في حين نجد اليوم ان هذه الاعراف والتقاليد بدأت الزحف على القانون واصبحت تطبق قانونها الخاص، بل لا تقيم وزنا للحكومة اصلا، الا من رحم ربي.

المفارقة الثانية؛ كان مجلس رئيس العشيرة يعقد يوميا لتبادل الاخبار وقصائد الادب وغيرها من الامور، فهو اشبه بندوة ثقافية يومية لذلك قالوا ( المجالس مدارس)، في حين نجد ان اغلب المجالس العشائرية تعقد في لأقامة العزاء، او لفض نزاع غالبا لا ينتهي النزاع او الخلاف الا بدفع دية، وعند الخوض في اغلب تلك الحوادث، تجد انها مفتعلة وباطلة الغرض منها الحصول على المال بتلك الطريقة البائسة، فالفصل العشائري اصبح تجارة رابحة لاصحاب النفوس الضعيفة.

المفارقة الثالثة؛ ان العشائر قديما استطاعوا ان يوحدوا سواعد ابناءهم ويوجهوا فالتهم بوجه عدوهم فسترهبوه وخلدهم التأريخ، اما اليوم نرى ان الاقتتال العشائري اصبح ظاهرة لافتة في المجتمع القبلي، وافتعال الازمات من اجل استعراض السلاح الثقيل الذي تملكه كل عشيرة!

انه مخطط للقضاء على ابن الجنوب، واستغلال للجهل والتخلف لتصريف مثل هكذا اسلحة لا تستخدم الا في الجبهات، خصوصا وان العراق اعلن انتصاره على داعش، الا ان تجار الدماء لا يروق لهم انتهاء الحرب، فراحوا يشعلون حروب داخلية لتمزيق القيم الاجتماعية والروابط الانسانية .

انني لم ازر “العمارة” يوماً لكني اشعر بحنين لتلك المدينة كانها امي وهي تناديني من بعيد.كل ما ارجوه عندما ازورها يوماً، ان اجد ذلك الخريط قبل ان تسقط قذيفة هاون وتفسد كل شيء.

* الخريط: حلوى شعبية مصدرها دقيق قصب السكر الذي ينبت في الاهوار.

لا تعليقات

اترك رد