بين الأنتخاب .. و الانتحاب


 

من إنتخابات يدوية تقليدية، إلى إنتخابات ألكترونية، إلى إكتشاف لتلاعب و فساد في الإنتخابات، إلى إلغاء بعض النتائج، إلى قرار العد اليدوي، و أخيرا حرق بطاقات التصويت و صناديق الإقتراع و الأجزة التصويت الألكترونية في بعض المناطق و إتلافها، كانت رحلة طويلة لما يسمى بالإنتخابات العراقية لعام ٢٠١٨، و هذا ما وصلنا لحد الآن، و لا ندري ما يستجد غدا أو بعد ساعة ربما ..

هذه الرحلة الطويلة كلفت ما يسمى بالدولة العراقية و العراقيين أشهر من العمل و جهود آلاف من الأشخاص و مئات الملايين من الدولارات، و الحصيلة النهائية، فعلا تستحق الإنتحاب، و إنتحابا من الأعماق فعلا ..

الفرق كبير بين الإنتخاب و الإنتحاب، أن تنتخب فأنك تبحث عن مستقبل أفضل و تتفائل بالخير العميم، و أن تنتحب فأنك تبكي حاضرا و ماضيا مؤلما و تندم على وقت و جهد و مال ضاع هدرا ..

للأسف العراقيون وضعوا منذ الإحتلال بين إختيارات صعبة، و أعادوا التجربة مرات و مرات، و كل مرة لم يحسنوا الإختيار، و أضطروا أن يجلسوا ينتحبون على الفرصة الضائعة و المال المهدور و الكرامة و الشرف المفقود، لكن دون أن يرد لهم أي شئ مما فقدوه ..

كنا نتمنى، أنا و غيري أن نلوث أيدينا هذه المرة بالحبر البنفسجي لو كان لدينا أدنى أمل في ” التغيير ” الذي بات ينشده الجميع، و في التطور و التحسن و طوي صفحة الماضي الأليم، لكن للأسف، ليس كل ما تتمناه النفس تبلغه، و كانت كل المؤشرات تدل على أن الأمور إن لم تكن باقية على حالها التعيس فهي متجهة نحو الأسوأ للأسف ..

و لو أن لدي رأي خاص بهذا الحبر البنفسجي بالذات، فهو علامة على إنعدام الثقة و على حكم مسبق باحتمالات التزوير و التحريف في الإنتخابات، و لو إطلعنا على تجارب الدول الأخرى ” الديموقراطية ” حول العالم، لرأينا هذا الحبر لا يستخدم إلا في الدول المتخلفة ألتي فرضت عليها تجارب الديموقراطية الغربية، كمصر و العراق و أفغانستان و غيرها ..

و كما يبدو فأن الأحزاب و السياسيين في العراق لم يخيبوا الآمال، فقدراتهم على التزييف و التزوير و التلاعب باتت لا تضاهى، و هكذا وصل بنا الحال اليوم بعد هذه الإنتخابات الأخيرة ..

على أية حال، الحبر ليس موضوعنا الآن، لكنها الإنتخابات التي حشدت لها كل وسائل الإعلام المقروءة و المسموعة و المرئية، و خصصت لها المليارات و الكثير من الجهود و الطاقات، و ضجيجها طغى على أي ضجيج آخر طيلة أسابيع ..

و نحن نتابع ذلك، تخيلنا أن هناك شئا جديدا في الأفاق، و أن ” التغيير ” ربما في الطريق، لكن ، تردنا الأخبار من هنا و هناك، فالبعض يقول أن قادة الأحزاب و التجمعات الدينية أو السياسية، لا فرق، ذهبوا أو تم إستدعاءهم للإجتماع إلى المرجعيات الدينية أو النقاش و التداول فيما بينهم لتقسيم كعكة الحكم، أو أن البعض من هذه القيادات ذهبوا أو تم إستدعاءهم إلى إيران أو من يمثلها في العراق ، كل ذلك لمعالجة الخلافات، و إختيار القيادات المطلوبة للمرحلة القادمة ..

الحقيقة لم أستطع أن أفهم هذه الأخبار، و علاقتها بالديموقراطية المزعومة و الإنتخابات في العراق ..

ما أعرفه أن الإنتخابات تتم لبيان أصوات أبناء الشعب و توجهاتهم، و أن تكون هناك لقاءات في البرلمان أو مقرات الحكومة لتصفية الخلافات أو الإتفاقيات، و إن كانت هناك مشكلة ما فالمحكمة الدستورية العليا كفيلة بحلها، و نصل إلي القرار النهائي بالسرعة الممكنة، و تعود الأمور إلى مجاريها، و تعود دوائر و مؤسسات الدولة لتعمل تحت توجهات الإدارة الجديدة ..

هذا طبعا إذا أفترضنا أن هناك ما يسمى ب ” الديموقراطية “، أما أن يكون هناك شئ آخر، فعلى المعنين من ولاة الأمور و الظالعون بالعلم في العراق أن يحيطون أبناء شعبنا المسكين، و نحن منهم بالتأكيد، علما بذلك، و نكون لهم شاكرين ..

نعود مرة أخرى لنقول، ندعو الله أن لا يطيل أمد الخيار الصعب للعراقيين، ما بين الإنتخاب و الإنتحاب، و أن نرى هذه الغمة قريبا و قد زالت، و الشمس الجميلة قد أشرقت، و الله من وراء القصد ..

لا تعليقات

اترك رد