( خواطر رمضانية ) : النفس المطمئنة


 

د.مصطفى عطية جمعة

لماذا تتقلب النفوس قلقا ؟ ولماذا تتوقع الضرر وتتحسب له ؟ لماذا نجد شخصيات في حياتنا تمتلك حظوظا كثيرة من الدنيا : مالا ، منصبا ، زوجة ، أولادا، علما ، نسبا ؛ ومع ذلك لا يفارقها التوتر، ولا تعرف للسكينة سبيلا ؟

فالقلقون إذا تحدثوا ، فإن العصبية ملازمة لهم ، وإن صمتوا ، فهم دائمو التفكير في المآلات الأسوأ ، وإذا نالوا حظوة أو منفعة ، يقارنون أنفسهم مع من ظفر من غيرهم بالأكثر ، ويتطلعون لمن فاق وحاز وامتلك .

كم هي شقية هذه النفوس ! وكم يشقى معها من حولها ! وكم تضيع أعمار بأكملها ركضا خلف منافع ، إذا حصلت عليها ، لا تعرف قناعة ، ولا تردد حمدا وإنما ترنو لما هو أعلى ، وحجتها في ذلك أنها طموحة ، وآمالها لا تنتهي .

*****

مثالنا عن شخصية فكرية ذات صيت ، نال بعض المناصب ، وكان يحلم بالوزارة ، وكما يقول فإن أقل شيء يستحقه أن يكون وزيرا ، لينضم إلى نادي الوزراء الحاليين ثم السابقين . وقد طبق في مسيرة حياته ما اقتنع به فكريا من فلسفات المادة والدنيا ، خاصة فلسفة البراجماتية ( النفعية ) ، المسلحة بالرؤية الواقعية، والتوازنات الدقيقة ، وقد حباه الله بكاريزما في القول ، مدعومة بألقاب أكاديمية عديدة، ومقالات في الصحف، وإصدارات متتابعة، وعلاقات عامة وخاصة لا تنتهي.

ينعتونه في الأوساط الثقافية ، على كل نشاطه بأنه ” ما طال بلح الشام ولا عنب اليمن ” ، وعندما واجهته المذيعة في إحدى البرامج بما يقال عنه ، ابتسم، وضغط على نظاراته ، وقال : أنا أتحرك في ساحات كثيرة : السياسة ، الثقافة ، والعلاقات العامة ، والإعلام . وأقوالي مسموعة ، وحضوري قائم .

فما كان من المذيعة إلا وأن عرضت بعض المرئيات لشباب ، قالوا : إنه بلا مصداقية ، فهو يتلون حسب الاتجاه العام ، مما أوقعه في تناقضات رهيبة .

احتد عليها الضيف ، ورفض ما يقال بشدة ، مؤكدا ثبات مواقفه ، ورسوخ مبادئه، فما كان من المذيعة إلا وعرضت مرئيات عديدة له ، يقول الرأي في القضية، ثم يقول بعد فترة أخرى نقيضه ، مراهنا على بلاغة ما يتفوه به، وقدرته على المناورة ، وعلى ذاكرة العوام سريعة النسيان . فابتسم الضيف ، ولجأ لمهاراته المتراكمة في الجدال ، والكلام المنمق ، وأنه يغير رأيه وفق المستجد من المعلومات.

الشاهد هنا : أن هذه الشخصية توصف دوما بأنها قلقة ، متوترة ، ولا زالت وهي فوق الخامسة والسبعين ، حالمة بالوزارة ، راكضة وراء كل إشارة .

*****

إن ذوي النفوس المطمئنة راضون بما أعطاهم الله ، إذا تفحصت أساريرهم وجدت سكينة وراحة ، وإن نطقوا ؛ فهم يتلفظون بالحمد . شعارهم : لا تنظر إلى من هم أعلى منك في الدنيا ، فحتما ستجد من يفوقك جاها وثراء وشهرةً ، ولكن انظر لمن هم دونك ، وتأمل نعمة الله عليك ، وستعرف ساعتها أي سعادة تعيشها.

فصاحب النفس المطمئنة ساكن القلب ، هادئ النفس ، لا يناله قلق ، ولا يعاني اضطرابا ، ولا يصل لهذه المنزلة إلا بذكر الله عز وجل . والذكر ليس لسانيا فقط، وإلا صار صاحبه كالببغاء ، وإنما الذكر قول باللسان ، وإيمان بالجنان، رطب بالكلمات ، هدوء في النزعات ، إنها معية الله التي تجعل صاحبها دوما في حصن، وتنطبق عليه الآية الكريمة { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ( سورة الرعد ، الآية 28 ) .

اطمئنان القلب يعني أمورا عديدة ، التسليم بما قدره الله في الدنيا ، وبرزق الله وإن قلّ ، وهذا لا يعني أن نكون بلا أمل في الحياة ، وإنما نملك آمالا كما نريد ، ووفق قدرتنا وما حبانا الله به من مواهب ، ونسعى بجد لتحقيقها ، واثقين أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا ، وما أخطأنا لم يكن يصيبنا . وساعتها ، ستتضاءل مصائب الدنيا في عيوننا ، وتصبح همومها تافهة ، وأعباؤها يسيرة ، والتقاتل عليها لا قيمة له .

إن صاحب النفس المطمئنة يمتاز بالتواضع ، والإيثار ، والصبر ، والتوكل على الله، والبر والتقوى ، لا ينظر لعيوب الآخرين ، وإنما ينظر لإصلاح نفسه أولا .

وكما يقول الشاعر : معن بن أوس :

وَأَعْلَمُ أَنِّي لَمْ تُصِبْنِي مُصِيبَةٌ مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ قَدْ أَصَابَتْ فَتًى قَبْلِي

فمن يجذع عند المصائب ، ويرى أنها نهاية العالم بالنسبة إليه ، ينسى أن أية مصيبة، وإن اشتدت ، حتما قد أصابت آخرين قبله ، وستصيب من هم بعده ، فالدنيا سائرة ماضية ، بحلوها ومرها ، وأحيائها ومن سبق من أمواتها .

*****

هناك فرق بين الطمأنينة والسكينة ، فالطمأنينة أعمُّ وأشمل من الشعور بالسكينة، حيث إن الطمأنينة أساسها علم ويقين ، فالعلم فقه ودين ، ودراية بأمور الحياة وتقلباتها ، وإدراك أن الكون في سيرورته لن يتوقف على إنسان ، وأن قافلة الزمان حتما ستسير .

أما السكينة فهي مرتبة أدنى ، قد نجدها عند الكثيرين ، ولكنها لا تعني طمأنينة ، بقدر ما هي نوع من الهدوء النفسي ، قد يكون ناتجا عن إيمان وتسليم بالمقدر ، أو عن ” تكبير الرأس ” بمعنى اللامبالاة ، أو بحكم الخبرة في الحياة وتقدم السن ، وميل الفرد في شيخوخته إلى الدعة .

*****

ولنعد مع الزمن إلى بلاط الخليفة الأموي ” الوليد بن عبد الملك ” .

فقد قدم إليه ” عروة بن الزبير” ، وهو من التابعين ، وقد اشتهر بأنه محدِّث، فقيه، ثقة، عالم بالسِّيَر، متجنب للفتن . وقد جاء مسافرا من المدينة إلى الشام ، فأصيبت – في الطريق – قدمُه بأكَلَة ، أتلفت نصف ساقه ، فلما وصل إلى مجلس الخليفة الوليد ، بادر الوليد باستدعاء الأطبَّاء الذين أجمعوا على أن العلاج الناجع لها هو البتر ، قبل سريان المرض إلى الرِّجل كلِّها حتى الوَرِك، وربما أكلتِ الجسمَ كله، فوافق عروةُ بعد لأْيٍ على نشر رِجله بالمنشار.

وعرض عليه الأطباء أن يسقوه مُرْقِدًا ( مخدرا ) ؛ حتى يغيب عن وعيه فرفض عروة ذلك بشدة قائلاً: لا والله، ما كنت أظن أحدًا يشرب شرابًا، أو يأكل شيئًا يُذهِب عقلَه، ولكن إن كنتم لا بُدَّ فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة؛ فإني لا أحس بذلك ولا أشعر به . فقطعوا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي؛ احتياطًا أن لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، فما تضوَّر ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزَّاه الوليد في رجله . فقال عروة مقولته البليغة ، وهو ينظر إلى رجله المقطوعة:

اللهم لك الحمد، كان لي أطرافٌ أربعة فأخذتَ واحدًا، ولئن كنتَ أخذتَ فقد أبقيتَ، وإن كنتَ قد ابتليتَ فلطالما عافيتَ – يا ربي -، فلك الحمد على ما أخذتَ وعلى ما عافيتَ، اللهم إني لم أمشِ بها إلى سوء قط.

وكان قد صحب ” عروة ” في سفره هذا ابنه محمد الذي هو أحب أولاده إليه وأكبرهم ، فدخل الابن دارَ الدواب في دمشق ، فرفسته فرسٌ فمات، فجاء المعزون إلى عروة ، الذي كان ثابتا مطمئنا كعادته ، فقال متوجها لله تعالى: الحمد لله ، كانوا سبعةً فأخذتَ منهم واحدًا وأبقيتَ ستة، فلئن كنتَ – يا ربي – قد ابتليتَ فلطالما عافيتَ ، ولئن كنت قد أخذتَ فلطالما أعطيتَ .

فحكى الناس عن عظم بلاء عروة : خسر قدما وابنا في سفرة واحدة .

وانظر – أخي القارئ – إلى ثباته ، واطمئنانه ، وتكراره لمقولاته .

وكان الوليد يقول: من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى عروة بن الزبير

*****

ولا زلنا في بلاط الخليفة الوليد ، فقد دخل عليه قومٌ من بني عبس ، فيهم رجل ضرير، فسأله الوليد عن سبب عماه ، فحكى الضرير قصته قائلا :

بتُّ ليلة في بطن وادٍ ولا أعلم عبسيًّا من قبيلتي ، يزيد مالُه على مالي، ففاجأنا سيلٌ، فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال،َ وتبقى بعيرٍ وصبي مولود، وكان البعير صعبًا فهرب في الوادي خائفا ، فوضعت الصبي على تلة ، وركضت خلف البعير، فلم أجاوز إلا قليلاً حتى سمعت صيحة ابني ورأسُه في فم الذئب وهو يأكله، فلحقت البعيرَ لأحبسه، فضربني برجله على وجهي، فحطّمه وذهب بعينيّ كليهما ، فأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ولا ولد، ولا بعير.

فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ؛ ليعلم أن في الناس مَن هو أعظم منه بلاء.

*****

إن النفس المطمئنة ، تسمو بالروحانية ، لتسكن إلى الله ، راضية بما قسمه الله لها ، وتظل في حالة الطمأنينة ، حتى تلقى الله ، مصداقا لقوله تعالى : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} (سورة الفجر، الآية 27-30 ).

فديدن ذوي النفوس المطمئنة : الرضا في الضر والنفع، والحزن والفرح، يلجأون بالدعاء في ساعات الفقر أو الظلم أو الفقدان .

لا تعليقات

اترك رد