رأيت الحب يتجلى


 

* رأيتُ الحبَّ يتجلّى بأسارير طفلٍ يبتسم وهو لا يملك من الحياة سوى كسرة خبز!
* رأيتُ الحبَّ يتجلّى بوجهِ فتاة تطوف، تبيعُ أطواق الفل على إشارات المرور!
* رأيتُ الحبَّ يتجلّى رجل يندى جبينه بالكبرياء يتعفف عن سؤال الناس وكل يومٍ يباتُ جائعاً!
* رأيته يتجلّى في قلب أم تستحي أن تبكي على الهاتف المتقطّع؛ لكيلا توجع قلب ابنها المشتاق فيبكي!!

أطفال بلا ذنب ولا خطيئة لفظوا من رحم الحرب خارج حدود أوطانهم، خلفتهم الحرب أكوام لحم طرية، مشردون يطوفون في الحر وفي البرد يطلبون من المارة على عجل وإنشغال من مال الله والمال مكدس في خزائن الأثرياء، والمشاهير، وفي الخزائن الضخمة للبنوك الأجنبية، وفي الغرف السرية للسياسين الفاسدين ولصوص الوطن؛ أولئك الذين يمدون أيديهم بلا وازع ولا ريبة في جيوب الدولة ينبهبون كل ما فيها ومن ثم يتوارون عن الأنظار فلا رقيب عليهم ولا حسيب؛ فالقاضي فاسد والحاكم مصاب بجنون العظمة ورجال الدين يعبثون بالعقول ويسخرون منها، والبؤساء متعبون يلهثون وراء الخبز المحروق.

الأصوات النشاز تُسمع، والكل يصغي إليها باهتمام وشغف؛ إلا صوت الضعفاء وضجيج أرواحهم التي تئن لا يسمعها أحد وكأنهم يصرخون من داخل قبور لا ترى لا هم يُرون بالعين المجردة وليس لصراخهم آذان صاغية.

طفلٌ في العاشرة من عمره يجلس على رصيف المشاة بثياب رثة هي آخر ما حمله من وطنه قبل أن يغادره ركض بها وهو في فزع من صوت الرصاص والقذائف، ينظر في الوجوه العابرة لم يعتد التسول ولا يعرف كيف يمارسه؛ كل الذي يفعله ويعرفه هو أن بتسم في وجوه الناس وكل الذي يملكه كسرة خبز يخاف أن يقضمها فيموت فهي آخر ما تبقى له في هذا النهار الطويل والشاق.

رغم الحزن الباد على محياه والمنهك من الوقوف الطويل تحت حرارة الشمس، هو يبتسم دائماً ولم يتوقف عن الابتسام طيلة الوقت، كان يحبس يداه في ما بين ساقيه وكأنه بهذه الحركة يحاول أن يمنعها أو يلجمها من أن تمتد لتتسول ؛ فقد كان مشبعاً في بيت طفولته، ولم يكن رغيف الخبز هاجساً يراوده كما هو الحال الآن.

كنت على الطرف الثاني متكئاً على طرف سيارتي أنتظر امرأة سأصطحبها إلى ركن هادئ وأنيق، نسيت الموعد وخرجت من تلابيب ذهني المرأة التي ستأتي بعد قليل. كنت أراقبه عن بعد وعن كثب، وفعلت ما بوسعي لكيلا ينتبه لي وأنا اراقبه ولكيلا تفقد ابتسامته الطفولية عفويتها فيرتبك من نظرات إنسان مترف يرتدي ملابس نظيفة وأنيقة ويغطي عينيه بنظارة شمسية باهظة الثمن. هذا الطفل لشدة كبريائه لم يترك لي مجالاً كي أشعر عليه بالشفقة ولم يمنحني فرصة التقدم إليه لأدس في يده بعض النقود وأنشغل عنه. جاءت من كنت انتظرها لكنني لم أرَ الحب بابتسامتها بقدر ما رأيته يتجلّى ويتجسد بابتسامة ذاك الطفل. ذاك الطفل الجالس على حجر الرصيف الساخن علمني بأن الحبَّ يتجلّى بلمحة عفوية وبابتسامة بريئة تتحدى وجع الحرب ومرارة اللجوء لتولد من بين الشفاه المزمومة من شدة الألم.

مضينا أنا والمرأة في طريقنا إلى ركن اللقاء، وعند إشارة المرور، وأنا انتظر العد التنازلي لنهاية الإشارة الحمراء طرقت على زجاج النافذة فتاة بثوب مزركش وشعر كستنائي به لفحة شقراء تعلق أطواق الفل على عنق معصمها، تبتسم وتهز برأسها وتدمدم بكلمات غير مسموعة؛ فتحت زجاج النافذة وراحت تتلو على مسامعنا أنا والمرأة التي تجلس بجواري آيات الحبّ، وتراتيل من قصائد وعبارات العشاق تحفظها عن ظهر قلب، امطرتنا بالدعاء والأمنيات، تلهث وهي تقول كلماتها على عجل تسابق الإشارة الخضراء تخاف من أن تلمع على حين غفلة فيتبدد حلمها الكبير في أن تبيعنا طوق الفل. المرأة التي تجلس إلى جواري لم تكترث لأمر الفتاة وظلت مشغولة بهاتفها بينما أنا كل خلية من خلايا روحي كانت تصغي لهمسها وتسمع عزف ترانيمها؛ بحثت في جيب قميصي عن نقود كي اشتري منها أطواق الفل كلها، لم أجد ما يعنيني على ذلك، طلبت من المرأة المنشغلة بهاتفها أن تبحث في صندوق السيارة عن نقود لكنها لم تكترث كثيراً وراحت تبحث بلا اهتمام وحين بدأ العد التنازلي للإشارة الحمراء لم أجد ما اعطيها إلا ساعة يدي وأنا أعطيها وشوشتها: إنها ثمينة جداً يا صغيرتي وتساوي ثمن أطواق الفل لأعوام ستقفين فيها عند إشارات المرور في الحر وفي البرد فلا يخدعنك “الساعاتي” بثمن بخس.

لم أر الحب يتجلّى في قلب المرأة التي تجلس بجواري تعبث بهاتفها؛ لكنني رأيت الحبَّ يتجلّى في تراتيل بائعة الفل.

وأنا أركن سيارتي عند بوابة المقهى جاءني رجلاً تجاوز عمره الستين يحمل سطل ماء وقطعة قماش حمراء وبالكاد يتحرك تقدم لكي يعرض عليّ غسل السيارة وحين رأها نظيفة ولا تحتاج إلى تنظيف عني انسحب بهدوء دون أن ينبس ببنت شفه، ذهبت إلى أقرب صراف سحبت بعض النقود وعدت لأعطي الرجل المنهك لكنه رفض أن يأخذ مني النقود مبررا رفضه بأنه لم يفعل ما يستحق أن اعطيه النقود، أصريت عليه كثيراً وهو يبتسم قال لي:

* ربما ظروف الحرب قد أجبرتني على ما تراني عليه الآن؛ لكن الحرب يا بني لم تسلب مني كبريائي أنا أعمل بعرق جبيني ولا أقبل مالاً بلا مقابل.

المرأة التي بصحبتي سبقتني إلى بوابة المقهى تلوح لي من بعيد أن آتيها على عجل حتما أمر الرجل المتعب لا يستدعي منها كل هذا الانتظار. حينها رأيت الحبَّ يتجلّى بأبهى صوره في الخطوط النافرة على جبين ذاك الرجل المنهك لا في تلويحة اليد الناعمة للمرأة التي تنتظرني على شغف.

خرجنا من المقهى وأنا مشدوه البال، وأنا في طريقي إلى سيارة لمحت امرأة في الخمسين من عمرها تسند ظهرها على سيارتي كانت تتكلم على الهاتف وحين اقتربت لألج داخل سيارتي رأيتها وهي تتكلم تبتلع دموعها وتكتم شهقتها المخنوقة وتقول:

* يا بني انتبه لنفسك أنا ووالدك هنا بخير ولا ينقصنا أي شيء والحمد الله، وطوال الوقت أدعو لك بكل صلاة بأن يرزقني الله فرحة اللقاء بك لاحتضنك واشم فيك مالم اشمه طوال الغياب.

وحين أنهت المكالمة ابتعدت قليلاً وانزوت في ركن بعيد واجشهت بالبكاء المحبوس وصارت تشهق لدرجة أنني أحسست بأن ضلوعها ستخرج من صدرها؛ ظلت طوال الوقت على الهاتف تسجن دموعها خلف سياج أحداقها لكيلا يتوجع ابنها من أنين البكاء

رأيت الحبَّ يتجلى في أشد صور الحرب سواداً، ورأيته يسكن في قلوب البسطاء والضعفاء والمعلوب على أمرهم ولم أره يتجلّى في القلوب المتجّرة ولا في الوجوه الجميلة الناعمة والمترفة.

يا لها من سخرية قاسية تصل إلى حد الفاجعة الكبرى؛ إنها الحياة، لا بل هي الحرب من تسخر من هؤلاء الضعفاء وتُصمُّ عنهم آذان الضمائر المتشحة بالبلادة والملطخة بالدم، والقلوب التي تكّن لهؤلاء البؤساء الحقد والكراهية وتتلذذ بعذاباتهم وتسخر من كل شيء فيهم: من جوعهم وأنينهم، ووجعهم؛ لتفرح هي وحدها ولكي تبني صرحها العظيم من عظام موتاهم، وتخلد أسماءها لتكتبها على جلود قتلاهم.

شارك
المقال السابقلا علمانية في دولة لا مدنية
المقال التالىالعراق في أتون مرجل جهنمي جديد
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد