ملامح التجديد في الشعر العربي المعاصر – ج 1


 

من المفيد ان نحدد الفترة الزمنية للشعر المعاصر – طالما نتكلم الان فيه _ فنقول وبالله التوفيق ومنه السداد ان الشعر المعاصر هو امتداد لفترات شعرية قبله لا مفاصل بينها انما مر الشعرالعربي بسلسلة من التغيرات التجديدية مرورا مع الزمن المقال فيه بحيث اوجدت هذه التجديدية امورا تغيرت بنية الشعر فيها او في مسارها واوجدت انواعا جديدة للقصيدة الشعرية وقد شرحت سابقا كل هذه التطورات مع مرور الزمن الحادث وبسبب الحاجة الملحة لهذه النوعية من القصيدة او تلك او ناتجة عن نفسية الشاعر القائل لهذه القصيدة المعينة . واستطيع ان احدد الفترة الزمنية للشعرالمعاصر ابتداءا النصف الثاني من القرن العشرين او ابتداءا من البدء بكتابة قصيدة النثر في العقدين السابع والثامن من القرن الماضي فيما اراه على اغلب الامر .

الشعر الجيد هو الكنز الثمين والوجه الحقيقي للواقع الإنساني ولطالما حلم الإنسان به منذ أقدم العصور بأ ن يكون شاعرا او يولد شاعرا لذا استطيع ان اقول ان الشعر حالة روحية او نفسية تكتنفها العاطفة الانسانية الحقة و تتأ رجح بين التأمل والالهام والحدس والخيال فالانسان الحديث ربما كانت له حالة مركبة من المشاعر الرومانسية والألم الواقعي والرموز السيريالية والقلق الوجودي فهو غيّر الانسان العربي القديم الذي كان هائما في الصحراء ينشد الكلآ والماء ويتغنى بما يجيش في نفسه من مشاعر واحا سيس في حدود امكانيته وظروف طبيعته . فالإنسان العربي المعاصر ربما تعتريه حالة او مجموعة حالات متناقضة بما تمليه عليه نفسيته والواقع المعاش في الوقت الحاضر وتناقضات المجتمع الانساني المختلفة المحيطة به .

والشاعر الحقيقي هو هذا الذي يرخي عنان قصائده فتخرج عفوية حصيلة ثقافة انسانية ومشاعر مركبة ومعبرة عن طموحات نفسية ومدى تأثيرها في الاخرين و ابداعات خلاقة وطموحة . فالقصيدة الحالية تمثل كائنا حيا او هي أشبه بالكائن الحي حيث يمثل شكل القصيدة او بنيتها جسده . ومضمونها روحيته فهي تمثل الصدى الذي تنبلج منه اسرار روح الشاعر واراؤه ممتزجة بعواطفه واحاسيه .

ومن المفيد ان ا بين ان الشاعر الحديث او المعاصر المطبوع شاعر تتمثل فيه غزارة الثقافة في امتدادات عميقة وكأنه وارث الحضارات كلها ومطلع على ثقافات الامم المختلفة . لذا اصبح متمكنا من استخدام مفردات اللغة لتصوير افكاره وارائه وعواطفه وخلجات نفسه دون تاثير من خارج او امر من احد و يرتكز على فلسفة عميقة غنية تحصنه من القول الضحل الفاني او الركيك الى القول العميق والرصين فهو اذن يمثل فيضا هادرا وتلقائيا للمشاعر النفسية القويَّةِ المنبثقة من اعماقه يَأْخذُ بها مِنْ العاطفة المتأملة المتجددة المنطلقة نحو الاسمى متألقة متناغمة تنشد الحياة والانتشاء فيها هوالحب للانسان المثالي ونحو الافضل في توليده للافكار والابداعات الشعرية الجميلة ومحاولة خلقها من جديد . وأهمية الشعر تتجلى في قدرته على تغيير حياة البشر، فالشعر يمس وجدان كل انسان يقرأه فيصبح اشبه بقطرات المطر مكونة غيثا يعيد الحياة الى الارض الميتة فتزهو وتزدهر .

ويمكننا من تعريف الشعر المعاصر على انه هو الشعر الذي كتب في الزمن الذي يعاصر القراء او الذي يعاصرنا . وصفة المعاصرة تدل على مرحلة بعينها في حياة الشعر الحديث وهي المرحلة التي نعاصرها او التي نعيشها الان دون اعتبار إن كان الشاعر ميتا او لا يزال على قيد الحياة خلال فترة وجود هذا النوع من القصيد .

فالشعرالعربي منذ القدم اعتمد القصيدة التقليدية او( التقييدية) او العمودية الموزونة على احد البحورالخليلية الا انه بمرور الزمن والحقب الزمنية التي مرت على الامة العربية والتعايش مع الامم الاخرى اوجد نوعا من الانفتاح لدى بعض الشعراء الذين هم من اصول غير عربية سميت بحركة التجديد كما في العصرالعباسي شملت الاسلوب في القصيدة الشعرية والمعاني الابتكارية فيها ثم تغير ثوب القصيدة العربية فوجد النشطير والنهك في الاوزان الشعرية ثم وجد الموشح ثم انواع من القصيدة العربية جديدة اخرها قصيدة الشعرالحر (التفعيلة ) ثم قصيدة النثر في اخر المطاف في الوقت الحاضر .- راجع كتابي ( الشعر العباسي بين الكلاسيكية والتجديد) – فحركة الشعر العربي شهد ت فيما بعد نقلة استثنائية، حيث طال التغيير البنية العروضية للقصيدة العربية، مع حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة ويعتبر الشعر الحر الثورة الثانية على العروض الشعرية الفراهيدية شهدها تاريخ الأدب العربي اذا اعتبرنا ان الثورة العروضية الاولى تمثلت في الموشحات الأندلسية. والازجال وقد التمعت أسماء جديدة في فضاء الشعر العربي في في النصف الاول من القرن العشرين، بشكل قصيدي جديد، مثل نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، ويوسف الخال ، وأدونيس. وصلاح عبد الصبور امل دنقل وامثالهم لكن إذا كانت القصيدة الإحيائية، وكذلك الرومانسية كانتا حريصتين على التوصيل فان حركة الشعر الحر او شعر التفعيلة ستحرص على تكسير هذا التقليد الموجود بتفاعل من إن الشعر خطاب إيحائي وترميز يتميز بكل دلائل الانزياح وكثافة المعنى وتعدد هذه الأبعاد . وإذا كان شعر التفعيلة في بدايته اقتصد او قلل في كثافة الترميز فإن تطوراته اللاحقة سرعان ما أدخلته في سماء ضيقة عندما استقر في الثقافة الشعرية العربية مفهوم خاص عن الشعر يجرده من كل معنى فيه ورسالة له .وربما جاء ذلك بعد سلسلة من التأملات البديهية في ظل النكسات السياسية التي عاشتها الامة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث ولد حالة من اليأس النفسي الثقافي والاجتماعي.

فالشعر العربي يرتكز حاليا على ثلاثة انواع من القصائد الشعرية كل منها ياخذ مسارا ويعده شعراؤه هو الافضل وهذه الركائز هي:

القصيدة العمودية : وهي الاصول الاصيلة للشعرالعربي فهي القصيدة التقليدية او التقييدية حيث انها مقيدة بالوزن والقافية او العروض وهذه القصيدة لايزال صداها قويا شديد الوقع على الاذن العربية في موسيقاها واعتباراتها وتعتبر القصيدة الاسمى والافضل في نظري وفي نظر اغلب المتلقين ومنها هذه الابيات :

وقفت العمر للاقصى واني
                          على عهدي الى يوم المنون

الا يا زائرا للقدس خذ ني
                          الى الاقصى لكي احني جبيني

اصلي ركعة لله اني
                          اتوق الى الصلاة فباركوني

من المنفى سرجت الخيل ات
                          لعاصمتي الى الصدر الحنون

يتبــــــــــــــــــــــــــــع

لا تعليقات

اترك رد