( من مذكّراتي ) شكرا، خيبتي الأولى !

 

… منذ وعيتُ الحرف وبدأتُ أتدرّب على التعبير الكتابي بالمدرسة الابتدائيّة وتحديدا بالسّنة الرّابعة مع معلّمي الفذّ سي مصطفى الأندلسي ـ رحمه الله ـ عشقتُ لغتي وخاصّة دراسة النصّ وتمرين الإنشاء الّذي يمنحني فرصة التحليق بخيال طفلة غريرة. ومنذ تلك السنة وعمري لا يتجاوز العاشرة ما كان يُشقُّ لي غبار في مادة اللغة العربيّة وما كان أحد من لِداتي يحظى بالمرتبة الأولى وإن حاول. وكان تشجيع معلّميّ وأساتذتي السخيّ يزيدني حرصا على أن أكون في مستوى انتظارهم؛ بل وبدأ حلم غامض يولد فيّ ويكبر يوما بعد يوم استجابة ل”نبوءاتهم” المغرية التي لم أكن أفقهها آنذاك: ” سيكون لكِ شأن في المستقبل… ستصبحين أديبة… ستكونين كاتبة… ستكونين صحافيّة… ” لم أكن أفقه معنى هذه الكلمات ولا أحد في أسرتي بقادر على شرحها لي، فالمهن المتداولة أن تكون معلّما أو ممرّضا أو موظّفا أو تاجرا أو فلّاحا… أمّا هذه التي تطرق سمعي من حين إلى آخر فهي ضبابيّة إلى حدّ كبير وما كنتُ أجرؤ على استفسار معلّميّ حتّى انتقلتُ إلى المرحلة الثانويّة واستفحل بي إدماني على المطالعة فعرفتُ أصناف الأدباء والتهمتُ جلّ كتبهم… بيد أنّي على شدّة انبهاري بما يكتبون لم أسعَ يوما إلى تقليد أحدهم بل كان كلّ همّي أن أعبّ من كنوزهم وكنتُ أجد لذّة لا تُضاهى وأنا أكتشف عوالمهم السّاحرة بكلّ المذاقات والرّوائح والانفعالات… وكنتُ كلّما أوغلتُ في عوالمهم عشقتُ حلمي وازداد إيماني بأنّه عصيّ، بل عصيّ جدّا. كيف لي أن أصبح أديبة وأنا طفلة قميئة أمام هذه القامات الرّهيبة؟ ! ولم أعد آخذ ما يقوله لي أساتذتي مأخذ الجدّ بل صرتُ أعتبره من باب التشجيع لا غير، وبتُّ في صراع مع ذاتي: عليّ أن أطرد هذا الهاجس الّذي بدأ يستشري في شراييني ويقضّ مضجعي ولكنّ كلّ محاولتي كانت تبوء بفشل وأجده يتوغّل في تفكيري ويسدّ عليّ منافذ الهروب منه !

هذا الصّراع ذاته أمسى وليمتي اليوميّة ودافعي إلى الكتابة باللّيل والنّهار ! لم أكن أكتبُ رغبة منّي في أن أكون أديبة، فالأمر بدا لي أعسر من قطف نجوم السّماء في عزّ الظّهيرة، بل كنتُ أكتب يومياتي ومذكّراتي وما يشبه الشّعر لأعبّر عمّا يعتريني من قلق وحيرة وتشظّ وألم وغربة، خاصّة عندما أضحيتُ سجينة المبيت بالمعهد الثانوي للفتيات بسوسة (الطاهر صفر الآن.) واستفحل الأمر بي أكثر إذ لم أعد أكتفي بالكتابة بوحا لذاتي بل صرتُ قِبلةَ بعض الصّديقات من الشُّعب العلميّة: أحرّر لهنّ فروض الإنشاء المنزليّة مجانا بل حبّا وكرامة كمن يمارس طقوسا مقدّسة دأب عليها طهارة وإيمانا بجدواها، أو مقايضة: أحرّر الإنشاء مقابل إعداد ما كلّفتنا به أستاذة الرّسم أو الخياطة ! بل الأطرف من ذلك أنّي كنتُ محلّ ثقة بعض الصّديقات وكنّ يبحن لي بأسرارهنّ الأسريّة أو العاطفيّة أو… فأجد فيها مادّة دسمة للكتابة في شكل خاطرة أو ومضة أو قصّة قصيرة، دون وعي منّي بجنس ما أكتب… ومن أطرف ما كتبتُ رسائل عشق لصديقة حميمة أرسلتْها إلى حبيبها: كنتُ أتقمّص شخصيّتها وما تعانيه فأحسّ بعشقها وألمها وشوقها و… وتأتي تلك الرّسائل في غاية التأثير فأذرف ومرسِلتها دموعا حرّى وتزداد صداقتُنا رسوخا وتتتالى الرسائل وأجتهد أيّما اجتهاد في أن أعبّر بصدقِ عاشقةٍ أضناها الهوى والبعاد رغم أنّي آنذاك لم أعرف الحبّ ولا أومن به، إذ كانت الدّراسة والنّجاح شغلي الشاغل.

وأنسى أو أتناسى نبوءات كلّ أساتذتي وأستمرّ في الكتابة لي ولغيري وأثبت كلّ امتحان أنّي جديرة بالمرتبة الأولى دون منازع، حتّى كانت سنة البكالوريا آداب وكان عليّ أن أجتازها من الباب العريض على قلّة المجتازين من المرّة الأولى، وكان لا مناص لي من أن أهتمّ بكلّ الموادّ على كثرتها ودسامة برامجها بدءا بالفلسفة التي تُدرَّس باللغة الفرنسيّة وضاربها 6 والفرنسيّة والإنقليزيّة والتاريخ والجغرافيا والتفكير الإسلاميّ والتربية المدنيّة والرياضيات والعلوم الطبيعيّة والفيزياء والكيمياء. ورغم اهتمامي بكلّ هذه المواد على حساب اللغة العربيّة وآدابها فقد حافظتُ على الرتبة الأولى طيلة السّنة. وعلى شغفي بالفلسفة التي حزتُ فيها الرتبة الأولى أيضا وعلى اهتمامي المتفاوت ببقيّة المواد التي تدرّس باللغة الفرنسيّة فإنّ حنيني إلى الكتابة باللّغة العربيّة لم ينطفئ وقد أفدتُ من الأدب الفرنسيّ في مختلف عصوره ومن مختلف مدارسه فوائد جمّة ومن مادة الإنقليزيّة ومحاور برنامجها كالعنصريّة وغزو الفضاء والفنون… ما فتّح بصري وبصيرتي على عوالم جديدة بهرتني فصرتُ في كتاباتي آخذ من كلّ مادة بطرف وأحاول أن أمزج بين عصارة هذه الآداب والفلسفات فتلوّنت كتاباتي بنكهة مختلفة عن السّنوات السابقة وصرتُ بعد اطّلاعي على غربال ميخائيل نعيمة ومسرح توفيق الحكيم وموليار وراسين وأشعار الرصافي وحافظ إبراهيم والشابي و فيكتو هيقو ولامرتين وبودلار وفرلان ورنبو… ووجوديّة ألبار كامو وجان بول سارتر وسيمون ودي بوفوار… صرتُ أميّز بين الأجناس ومختلف التيّارات الفكريّة والحركات الإصلاحيّة والمدارس الواقعيّة والرومنسيّة والوجوديّة… وازداد شغفي بالكتابة ولهفتي على القراءة. كنتُ أقرأ وأكتب سرّا خشية أن تنتبه إليّ القيّمة وتطالبني بأن أُطلعها على ما أعددتُ من دروس الغد والحال أنّي غضضتُ عنها الاهتمام وانغمستُ في الكتابة تلبية لأصوات داخليّة تصرخ بي ولا أستطيع لها ردّا ! كنتُ وقد استفحل بي الدّاء، داء القلم وعلى خشيتي من العقاب أتفنّن في اختلاس زُمين للكتابة حتّى صارت إدمانا لا برء منه، بل إنّ هذا الإدمان ساعدني كثيرا في الامتحانات الكتابيّة والشفويّة، فما عادت لي رهبة الاختبارات ولا تلكّؤ اللّسان وارتعاشات الأنامل التي تصيب لداتي…

واجتزتُ بنجاح امتحان البكالوريا على عسره مع مجموعة قليلة من زميلاتي. وقرّرتُ بعد أخذ وردّ أن أدرس بكليّة الآداب بشعبة اللغة العربيّة وآدابها رغم حبّي للفلسفة وللّغتين الفرنسيّة والإنقليزيّة إلّا أنّ عمّي سالم نصحني بدراسة الحقوق مبيّنا أنّ آفاقها أفضل من اللّغات، ولا أدري إلى اليوم كيف استجبتُ لاقتراحه وأنا عاشقة اللغة العربيّة وأثبتُّ في كلّ الفصول تفوّقي فيها !

قُبلت رغبتي الأولى في التوجيه الجامعيّ ووجدتُ نفسي طالبة بالمدرسة العليا للحقوق بتونس ! وجدتني غريبة بين طلبة أفارقة وبعض التونسيين الّذين لا أعرفهم. حاولتُ أن أقنع نفسي بضرورة الإقبال على دروس القانون وأنّ الشغف سيأتي تدريجيّا خاصّة أنّ جلّ الأساتذة من ذوي الصيت المرموق في اختصاصاتهم. حاولتُ وحاولتُ… عبثا ذهبت محاولاتي على امتداد شهرين تقريبا وانقطعتُ عن متابعة تلك الدّروس الّتي وجدتُها آنذاك جافة بلا روح ولا طعم ولا رائحة ! واعتكفتُ بالغرفة بالمبيت الجامعيّ باردو 1 أستمتع بقراءة أشعار نزار قباني وروايات نجيب محفوظ وكلّ ما تقع عليه عيني. ومن حسن حظّي أو سوئه ـ لا أدري آنذاك ـ أنّ رجاء التي تسكن معي ذات الغرفة طالبة بالسنة الأولى عربيّة وكانت تبيت معي ليلة أو ليلتين وتنصرف بقيّة الأيّام إلى بيت أقاربها بأحواز العاصمة، فأتاح لي هذا الفضاء وهذا الفراغ وتلك الوحدة وإحساسي العميق بالغربة أن أهرع إلى هوايتي المفضّلة أمارسها بشغف كبير ليلَ نهار: أقرأ بالنّهار وأكتب بالليل محاولة أن أدفع عنّي هذا القلق المزعج على مصيري: لا رغبة لي في دراسة الحقوق التي وجدتها بلا طعم، ولكن كيف سأواجه عائلتي الّتي يعلم الله كيف سمحت لي بمواصلة تعليمي بالجامعة بتونس العاصمة؟ ! بل كيف لي أن أتقبّل خيبة اختياري الواعي أو غير الواعي؟ ! وانتابني إحساس فظيع بالضّياع والتلاشي وانعزلتُ بغرفتي لا أغادرها حتّى إلى المطعم بذات المبيت، وكدت أستسلم في يأس قاتل لمصيري المجهول لولا أن تفطّنت إلى حالتي إحدى الصّديقات ورافقتني إلى ديوان الخدمات الجامعيّة لأتقدّم بطلب إعادة توجيهي إلى شعبة اللّغة والآداب العربيّة. وكم كانت دهشتي عظيمة

حين تصفّح الموظّف البشوش ملفّي مبديا إعجابه بنتائجي في امتحان البكالوريا وشكرني ثمّ وافق على إعادة توجيهي في التوّ !

لا أدري كيف طرتُ إلى المبيت الجامعيّ والفرحة لا تسعني، ولا أدري كيف بثثتُ النّبأ السعيد بين صديقاتي ولا كيف تمكّنتُ بسرعة فائقة من نقل بعض الدّروس الّتي لم أحضرها… ظللتُ ردهة من الزّمن غير مصدّقة أنّني صرتُ طالبة بالفريق السّادس من السّنة الأولى لشعبة العربيّة !

عاد لي شغفي بدروس الأدب والحضارة واللغة والترجمة، وعادت لي روحي المتوثّبة إلى استكشاف دروب بكر لم تطأها قدمي، واستطبت طيلة أربعين ليلة ونيف مسامرة أبي حيّان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة، ودخلتُ مع ابن حزم بيوت الأندلسيين وأسواقهم فباحت لي بأسرار أُلّافها وخبايا عشّاقها وعرّجتُ مع ابن بسّام الشنتريني في ذخيرته على مجالس شعراء الجزيرة وأدبائها وأنصتُّ إليه في مقارنة طريفة بين أدب المشرق وأدب الأندلس، لأعود إلى مجالسة الطّاهر الحدّاد وتأمّل ما بشّر به في ” امرأتنا في الشريعة والمجتمع” وما دعا إليه في ” العمّال التونسيين “، ثمّ صوّبتُ نحو جماعة أهل السور لألتقي بعليّ الدّوعاجي ومجموعته القصصيّة ” سهرتُ منه اللّيالي” دون أن أنسى المكوث طويلا عند أصحاب المعلّقات والوقوف معهم على الأطلال…

في غمرة متعتي اللّامنظورة كانت تظاهرات الطلبة على أشدّها ولم يمنع قمع البوليس ولا ما تروّجه وسائل الإعلام عن هذه ” الشرذمة الضالّة ” ولا الزجّ بالعديد من الطلبة في السّجون وتعذيبهم… إخراسَ أصوات الغضب والرّفض حتّى كان ذاك الاجتماع الطلّابيّ التاريخيّ الغفير بال”كونبيس” وعلى إثره أغلقت جميع الكلّيات لمدّة شهرين كاملين.

فررتُ بجلدي كجلّ الطلبة الّذين أفلتوا من قبضة البوليس إلى بيتنا بمسقط رأسي مساكن ولا أحمل معي غير خيبتي وكوابيس محاصرة البوليس لنا وتشرّدنا بالجبل الأحمر ورعبنا من سكّانه رغم أنّهم ساعدونا على الاختباء ببيوتهم المعدمة. لم يكن ببيتنا مكتبة آنذاك، فكيف أقاوم إدماني الّذي استبدّ بي ولا قلم لي ولا قرطاس؟ !

كانت أختي الكبرى فاطمة الطالبة بقسم الانقليزيّة قد سافرت إلى لندن لتقضّي سنة تربّصها، ولم يكن أمامي من حلّ سوى قراءة ما تيسّر من كتبها باللغتبن الانقليزيّة والفرنسيّة والاشتراك بالمكتبة العموميّة الّتي لم أكن أعثر فيها على ما يروي غلّتي إلّا نادرا. وإضافة إلى ذلك فقد شغلتُ بعض يومي بالتطريز. أمّا ليلي فهو صديقي الحميم الّذي يفتح لي محراب بوحي على مصراعيه ولا رفيق لي سواه غير قرطاس وقلم بهما أنحتُ مملكتي وأبتدع عالمي الخرافيّ الّذي أنشده في ظلّ رداءة الموجود.

شهران مرّا وأنا سجينة بيتنا، أنزف حبرا بين رهبة وأمل وخشية دون أن أقرأ حرفا واحدا من دروس الكليّة ! كنتُ كالمصدومة الّتي سُرق حلمها في رمشة عين…

وبأمر رئاسيّ عدنا للدّراسة وقد هدأت الأوضاع ـ أو هكذا حسبوا ـ بعد أن سُجن بعض الطلبة وفرّ بعضهم. عدنا لنستكمل البرنامج على عجل، إذ لم يبق في السّنة الجامعيّة إلّا النزر القليل لتأتي العطلة الصيفيّة. وكان عليّ أن أستوعب برنامج سنة اختُزِل بالنسبة إليّ فيما لا يزيد عن أربعة أشهر. لم أستصعب الأمر، فأنا لا يُشَقُّ لي غبارٌ في اللّغة العربيّة طيلة دراستي بالمرحلتين الابتدائيّة والثانويّة. ولم أتمكّن خلال العطلة الصيفيّة من المراجعة والتركيز على أهمّ المسائل.

وحلّ يوم الامتحان بشهر سبتمبر. لم أكن خائفة ولا مرتبكة، فثقتي بقدراتي كبيرة وأنا ما تعوّدتُ غير النّجاح والتميّز في اللغة العربيّة. أذكر أنّ موضوع الامتحان في اليوم الأوّل كان عن فكر الطّاهر الحدّاد في كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع.” ثمّ تلته في الأيّام اللّاحقة امتحانات اللّغة بنحوها وصرفها والفرنسيّة والترجمة. بدا لي أنّي أبليتُ بلاء حسنا وحمدتُ الله على الخلاص وكلّي سعادة بأنّ هذه السّنة بكلّ اضطراباتها قد تمّت على خير وما هي إلّا بضعة أيّام وأجدني بالسّنة الثانية.

وجاء يوم التصريح بالنّتائج. كان يوم سبت مساء ولم يكن اسمي في قائمة الناجحين ! لم أصدّق وبدا لي الأمر هزليّا فطفقتُ أضحك وأضحك وأضحك… بينما كانت صديقاتي اللّائي لم ينجحن مثلي مستاءات يبكين و في حيرة من أمرهنّ ! ظللتُ في هستيريا الضّحك ليلتين ويوما حتّى أشفقتْ عليّ صديقاتي وذهب بظنّ بعضهنّ أنّ الصدمة ذهبت بعقلي ! لم أستطع أن أستوعب ما حصل لي، بل لم تكن لي القدرة على فهم معنى ألّا أنجح، أنا “المتفوّقة في هذه اللغة “! لم أصدّق ما حدث لي إلّا صبيحة يوم الاثنين حينما دعتني صديقتي رشيدة إلى ضرورة المراجعة والاستعداد لدورة التدارك الّتي ستكون بعد أسبوع. لم أذرف دمعة واحدة على خيبتي الأولى وعكفتُ بكلّ جدّيّة على المراجعة طيلة تلك الأيّام بمكتبة العطّارين الّتي أدخلها لأوّل مرّة في حياتي.

ونجحتُ وبعض صديقاتي في دورة التّدارك ! لم أفرح مثلهنّ ولم أحزن، بل انتابني شعور باللّامبالاة لم أعهده في نفسي. وبدا لي النّجاح والفشل صنوين ولا فرق ! وأدركتُ بعد فترة من التأمّل ومراجعة الذّات أنّ هناك خيطا رفيعا فاصلا بين النّجاح والفشل، وأدركتُ ألّا يقين البتّة بعد اليوم وأنّ المرء قد يُكرَم يوم الامتحان وقد يُهانُ، وأنّ عليّ من اليوم أن أضع نصب عينيّ وكلّ مداركي أنّ الاحتمالين: الفشل والنّجاح ممكنان وأنّي لستُ معصومة من الفشل وأنّ عليّ أن أقرأ له ألف حساب حتّى أتجنّبه…

ومنذ ذلك الحين صار للامتحانات الجامعيّة معنى مغاير للنّجاح والتميّز اللّذين عرفتهما في المرحلتين الابتدائيّة والثانويّة؛ ومنذ تلك الحادثة الّتي كان لها أبلغ أثر إيجابيّ في حياتي صرتُ أشدّ تواضعا وأكثر نكرانا لقدراتي واتّهاما لها… لكن دون أن أفقد ثقتي بنفسي، بل مع إيماني الرّاسخ بأنّي وإن كانتْ لي القدرة على الإتيان بما هو جميل فإنّ غيري أيضا قد يكون الأقدر على الإتيان بما هو أجمل. وبهذه المعادلة الّتي ما كانت لتكون لو لا خيبتي الأولى تعلّمتُ أن أنسّب كلّ أفعالي وأن أتقبّل النّقد بصدر رحب وأن أراجع باستمرار ما كان يبدو لي بديهيّا أو يقينا…

فشكرا وشكرا وشكرا… لخيبتي الأولى الّتي علّمتني ما لم أكن أعلم !

أقولها مرارا وتكرارا وأنا أعيش سخاء الاحتفاء بروايتي البكر : ” ليت شهدا… ! “

لا تعليقات

اترك رد