الام .. الفنانة سعدية الزيدي


 

يتجزأ جسد الممثل في السينما, وبصورة أقل في التلفزيون وأقل في المسرح حسب طريقة أو اسلوب المخرج في كيفية التعامل مع الافعال التي يقوم فيها الممثل للتعبير عن حالة ما من النص المكتوب, أو من خلال تفسيرات المخرج لذلك النص ,أو يأتي ذلك بجهدي ذاتي من الممثل الذي لهى القدرة على ان يفرض وسائله التعبيرية التي يكتنزها في حقيبته الذهبية ,وفي هذه الحالة يتطلب وجود ممثل من نوع خاص يمكنه ان يفسّر الافعال ويوزّعها على اجزاء جسده ,بل ان بعض المخرجين يوزّع الشخصيات في عمله الفني حسب فهمه لقدرة الممثل الذي سيؤدي هذه الشخصية ومعرفته الاكاديمية, لنقاط قوّة وضعف ذلك الممثل , كما يفعل مدرّب كرة القدم الذي يتعامل مع لاعبيه كل حسب تميّزه, ان كان يلعب بالقدم اليسرى ام باليمنى, وهل هو قوي في العاب الرأس, وأي مركز يجيد ويتفوق فيه ؟؟ .أقول هذا الكلام وأنا أراجع اعمال الفنانة سعدية الزيدي في السينما والتلفزيون والمسرح ,وأستحضر من الذاكرة صورها المختلفة فأجدها من النوع الذي يحسب له المخرج حساب خاص, كونها تستحضر كل قواها العقلية حينما تسند لها شخصية ما , فتختار منها ماينفع ويناسب تلك الافعال المسندة اليها.

وبهذا فأنها توفر للمخرج جهدا كبيرا, لكن المخرج حينها سيكون امام الية اخراجية تفرض عليه ضرورات اشتغالية تخدمه وتخدم عمله الفني,منها انه سيعني ويهتم بنوع وحجم اللقطات التي تخص هذه الممثلة الواعية للشخصية التي ستمثلها .وعلى المخرج الذي يتعامل مع الممثلة سعدية الزيدي ان يعي مع اي نوع من الممثلات هي, وكيف تتعامل مع الشخصية المسندة اليها ؟ورغم تعدد الاعمال التي مثلت فيها شخصية الام من قبل المخرجين الذي يهمهم التعامل مع الممثل الجاهز, الّا انها نجحت كثيرا في شخصيات اخرى ومنها شخصية امرأة متصابية في احد اعمالها التي لا أتذكر اسمها لكني اتذكر الزيدي وهي تقوم بأداء هذه الشخصية بقدرة عالية تستغل فيها يديها ووجهها بتفاصيله الكثيرة وجسده وساقيها وفي لحظة تسرق المتلقي من كل الجميلات وتشغل بال وقلب كل متابع لهذا العمل,كذلك شخصية الزوجة المرحة التي تسافر مع زوجها الى مدينة البصرة لقضاء فترة نقاهة ,اتذكر زوجها كان انذاك الممثل (كريم عواد) ,

كانت مرحة أو ان الشخصية مكتوبة هكذا لكن سعدية ادّتها بطريق كوميدية وبعفوية بالغة الجمال . و في السينما لم تختلف شخصيات سعدية الزيدي كثيرا رغم العدد الكبير من الافلام التي مثّلت فيها بدأ بفيلم (سنوات العمر )اخراج جعفر علي عام 1976وانتهاءا باخر فيلم شاركت فيه ,اذ استغل المخرجون اجادتها للهجة الجنوبية وجودة القائها الخطابي ,وحسن تلبسها لشخصية الام المغرقة بالعاطفة الجياشة والمحبة الكبيرة ,ونتيجة لان المخرج في السينما العراقية لا يبحث عن المختلف,لذا كانت ادوارها متشابهة في الاعم الاغلب منها ,ولم يستطع اي مخرج من استنطاق الطاقة الهائلة التي تمتلكها الفنانة سعدية الزيدي,و بالرغم من المساحة والنوع الذي تم زجها به الاّ انها ابدعت في جميع تلك الافلام وقدّمت شخصيات وادوار لاتنسى ,ففي مشهد من اجمل مشاهد فيلم (الحدود الملتهبة )اخراج صاحب حداد نجد سعدية وهي تمارس هوايتها وحبها في الالقاء الشعري حينما تقرأ الشعر عن ابو رافع بأنسيابية واحساس يرافقهما تعابير الوجه التي تتغير مع تعابير الجمل التي تتلوها, وكأنها تمرّنت كثيرا على ماتقول, اذ عاشت كل مفردة, فرسمت لها ايقاع, وقسّمتها الى تدرّجات ومستويات كل حسب معناها ودلالاتها وبعدها الدرامي .

كذلك المشهد المؤثّر في فيلم العاشق سيناريو ثامر مهدي واخراج محمد منير فنري حينما يعود الوعي لابنها (جواد الشكرجي ) بعد غيبوبة طويلة ,نجد سعدية في هذا المشهد تشهق شهقتها التي تطرد فيها زفير الالم بفرحة تعلن عنها امام الكاميرا وتشارك فيها زوجها مكي البدري وكأن الحياة قد عادت للعائلة كلها ويكاد المتلقي ان يبكي او بكى فعلا لما يرى ويسمع حوارا ليس سوى مشاعر صادقة وتهدّج صوتي لا يأتي الا من ممثلة اسمها سعدية الزيدي,فترتبك الكاميرا امام مثل هذه العاطفة التي لم يخدمها المخرج وقدّمها بلقطات فرضتها الزيدي من خلال تعابيرها المتفرّدة, اذ لم تشتغل معها دلالات الصورة واللقطة, ولا دلالات الصوت تقنيا, وبقي كل شيء بيد الزيدي وكأنها هي المخرجة وكاتب السيناريو وتقني الصوت ومصمم الاضاءة وو..

الكل اعتمد على تعابيرها الخارقة المتمثّلة بتقنية صوتها الذي يعي تماما انه امام كاميرا سينمائية لا تلفزيونية ,ولا هي فوق خشبة مسرح, وهذه واحدة من اهم صفات الممثلة المبدعة سعدية الزيدي,التي تطوّع مافي حقيبتها الابداعية التمثيلية, وفيها مرادفات لكل فعل . ولكل وسيط تعبيري مايخصهوما يعنيه .سعدية الزيدي تمتلك تعابير ووسائل, وكشف يتم طرحه في لحظة انطلاق الحدث, ان كان رفضا فهي تبرمج ذهنها الكترونيا وبأسرع مايمكن كي تعلن عن رفضها بحركة من وجهها أو بجزء منه كأن يتم ذلك من خلال عينيها أو بواحدة منهن ,أو بحركة من فمها الذي يطرح انواعا من التعبيرات تختلف مع دلالة مايحدثوبأبتسامات مختلفة الاشكال, بل انها قد تعبير عن جمالية الالوان من خلال اختلاف أنواعالابتسامات, فتغني الصورة وتمنح اللون قيمته التعبيرية الكبيرة.

والزيدي تترسم الصفات بسرعة مذهلة وتعيش مع كل قطعة اكسسوار ترافقها ,فالعكّازة التي رافقتها في شخصيات وأدوار مهمة لها, كانت جزءا منها وكأنها خلقت معها منذ الصغر, ونظرة بسيطة لاصابع يدها وهي تتكور على عنق العكّازة,حينها سنكتشف عمق العلاقة التي تجمع بينهما .كذلك وبنفس الطريقة يتم بناء العلاقة مع العوينات,وبينها وبين اكسسوار وزي الفلاحة, والشاعرة, والام باختلاف صفاتها .مثلا ام الشهيد في مسرحية (الارض والانسان )لمؤلفها ومخرجها قاسم محمد ,اذ تحدّث الناقد وكاتب السيناريو المصري (رفيق الصبان )عن هذه الشخصية حينما تم عرض المسرحية في القاهرة ,قال (شاهدت على المسرح راقصة باليه مذبوحة ,ولاول مرة اشاهد امّا بحالات المخاض على خشبة المسرح ,مخاض صعب يفوق الامهات ,حين نرى شهيدا يحمله الشباب ,ومن صمت مطبق تستفيق الام تغني بكلمات عراقية من موروث التراث العراقي الخالد ).

لقد رسمت سعدية لشخصية الام ملامح خاصة بها لكنها لم تبقى خانعة لاختيارات المخرجين الامّية (نسبة الى الام), بل هي استطاعت ان تنوّع وترسم للام صورة مختلفة بعض الشيء ,فام سلّوم في مسرحية (خيط البريسم ) تأليف يوسف العاني واخراج فاضل خليل لاتشبه (ام الشهيد ) في فيلم الحدود الملتهبة ,ولا (ام شذى سالم ) في مسلسل (فتاة في العشرين )تأليف صباح عطوان واخراج عمانوئيل رسام التي كانت فيها ام تمتلك كلام مكتوم اكثر بكثيرمن الكلام المنطوق أو الظاهر ,اذ كانت تحس وتعلم وتعرف ما يغيب عن شذى وعبد المطلب,فهي تارة تنظر الى وجه ابنتها لتعبّر عن اجوبة لحيرتها ,وتارة اخرى تنكّس عينيها او تشيح بهما كي تتهرب من الاجوبة التي لا تريد ان تقولها, وكأنها تترك ابنتها امام امتحان رسمها لها النص بحرفة صباح عطوان المذهلة, التي رسمت لشخصية الام مديات لا تقل عن مديات الشخصيات البطلة للمطلب وشذى, فكانت الزيدي هي الاخرى بطلة في قراءة ما كتبه صباح عطوان وما لم يكتبه لهذه الشخصية التي زادت اهمّيتها بسبب ان من جسّدها هو ممثلة ترسم لشخصيتها مديات الضرورة والاستحقاق الدرامي, وتجبر المخرج على ان يمنحها المساحة اللقطوية والزمنية, وعلى كل مخرج يتعامل مع الزيدي ان يمنحها حرية اكبر للتعبير لانها تستطيع ان تظيف للنص وللمخرج ولكافة التقنيات التعبيرية الاخرى ..ام ابو العز في فيلم المسألة الكبرى )اخراج محمد شكري جميل ,ام الشهيد في مسرحية (الشهداء ينهضون )اخراج سليم الجزائري ,الام المودرن وشخصية بنت الجرخجي في مسلسل (اوهام عائلية )اخراج اكرم كامل .كذلك في مختلف الاعمال في السينما والمسرح والتلفزيون التي لم تترك اكسسوارا أو مفردة تعبيرية مرئية او غير مرئية دون ان تستخدمها بشكل ولون خاص بها ,كذلك المفردة التي تمرنت كثيرا على تلفّظها وعاشت معها شعرا ونثرا وتعبيرا جنوبيا صادقا ,ثم بغداديا وعراقيا ينتمي للبيئة اينما كانت, فهي مع الفوطة تقتسم كل علامات وجمال وروعة الصفة ,ومع العكازة والحلي والمفردة والزغرودة التي تطلقها في اقسى لحظات الفرح كما في فيلم العاشق وغيره ,وابتسامتها ودمعتها وصراخها ,وعبائتها التي هي جزء منها ان تطلب الدور ذلك .أم ودفيء وحنان ,وألفة شخصية مطبوعة في ذاكرة العراقيين .

من اعمالها في السينما (بيوت في ذلك الزقاق )اخراج قاسم حول 1977,القادسية اخراج صلاح ابو سيف 1981 ,شيء من القوة اخراج كارلو هارتيون 1988,طائر الشمس اخراج صاحب حداد 1991 ,زمان رجل القصب اخراج عمار علوان 2002,الحدود الملتهبة اخراج صاحب حداد 1984,عمارة 13 اخراج صاحب حداد 1987,المسألة الكبرى 1982,الباحثون اخراج محمد يوسف الجنابي ,وفيلم القناص اخراج فيصل الياسري 1978) .

وفي المسرح (مقامات ابو سمرة لمحسن العلي , الديلاب لطه سالم اخراج صبحي العزاوي ,والارض لنور الدين فارس اخراج عبد الوهاب الدايني ,وعروس بالمزاد لنور الدين فارس ,كلكامش اخراج سامي عبد الحميد,اطراف المدينة لمحسن العلي ,الناس اجناس ,الباب,بيتالاحزان,الشريعة لفاضل خليل ) وفي التلفزيون (غيده وحمد ,النهيبة ,فدعه,الدواسر ,عشر ليرات ,حلب حبيبتي ,الام ,المدن الثلاث ,الدفتر الازرق ,جذور واغصان ,الاماني الضالة ,رجال الظل ,وداعا ايها الحب,نادية ,حياتنا ,شارع 40 ,شقة مقابل شقة ,الغريبة والهفوف ,الصحوة ,الفجر الحزين ,الدفتر الازرق ,القمر والذئاب ,شمس البوادي ,دمشق الحرائق) وأعمال اخرى كثيرة .

حصلت سعدية الزيدي على جوائز كثيرة منها افضل ممثلة عن مسرحية (خيط البريسم ),وافضل ممثلة عن مسرحية (عروس بالمزاد ).الزيدي مخلصة في كل عمل تقوم به ,عملت في اواخر خمسينات القرن الماضي في شركة الغزل والنسيج الصوفي كرئيسة لقسم المكائن ,وكتبت الشعر الذي لم يضيف لتأريخها الابداعي شيء ,بل قد يكون اخذ منها اشياء لكنه هو من جعلها تقترب من الاذاعة والتلفزيون حينما القت قصيدة من البرنامج الاذاعي (الشعر الشعبي ),وقدمت مع اختها زكية خليفة اوبريتا اذاعيا اشتهر حينها .ثم معدّة ومقدمة لبرنامج (الارض لمن يزرعها ) وبعدها قدّمت سهرات تمثيلية كثيرة .تقول سعدية (ان كلمة يمّه حفرت بسمة على جدران القلب ,..انا عاشقة خرافية ..انطفأت روحي واحلامي على اعقاب الغربة ..)

تعيش سعدية الزيدي مع عائلتها وزوجها المنتج وكاتب السيناريو رمضان كاطع في سلطنة عمان لكنها تبكي شوقا لعراقها وعراق الخيرين ..هذا وفي القلب الكثير عن امي سعدية الزيدي :التي ارسلت لي طلب صداقة على صفحة الفيس بوك قبل ثلاثة اعوام فاستغربت ذلك لاني لم التقي بها يوما وسألتها هل انت..؟ قالت نعم انا امّك سعدية الزيدي ..نعم امي وام العراقيين العراقيينالعراقيين ..احب فيك الكثير وأكره القليل لكن لابأس فحبّك فوق طرّهات الكره وأسبابه السخيفة ..عذرا امّي ..

 

 

 

 

 

لا تعليقات

اترك رد