بئر الخيانة


 

حتى لو لم تكن متخصصاً في مجال السينما ، لو كنت متذوقاً لسحرها فحسب ، أو أنك محض مستطرق شاهد عن طريق الصدفة فيلم علي عبد الخالق ” بئر الخيانة ” ( 1987 ) فلابد أنك ستقول ما قاله الضابط آخر الفيلم عن شخصية بطل الفيلم الذي خان وطنه و عمل لصالح الموساد الإسرائيلي ثم أنهى حياته منتحراً بعد القبض عليه : عاش خائناً و مات كافراً .

الخيانة ، خيانة الوطن ، خيانة الأمانة ، خيانة الشرف العسكري ، خيانة القَسَم ، وكل خيانة ترتبط بصلة قربى بالفساد و إن كانت أحط منه ، أحط من السرقة ، من القتل ، من الكومشن ، من الرشوة ، و هي سلوك قبيح متأصل لا يتسلسل للدماء النقية ، لدماء الأسوياء لأن الخيانة سقوط أخلاقي قبل كل شيء .

– لماذا تريد الذهاب إلى إسرائيل ؟
– للعمل !
– و ماذا تريد أن تعمل ؟
– جاسوس !!

بهذه الوقاحة تحدث مع موظفة السفارة الإسرائيلية في روما ، قالها بثقة و بصوت ثابت و مسموع في غرفة مليئة بالمراجعين أحرج حتى هذه الموظفة أما هو فلم يرف له جفن و بقي واقفاً محملقاً فيها و هو يحمل استمارة طلب الفيزا منتظراً الجواب !

عندما شاهدنا الفيلم أول مرة قبل ثلاثين سنة تساءلنا عمن يمتلك الجرأة على فعل ذلك و هل هي مسألة جرأة فقط ؟ هل يستطيع أي إنسان جريء ، لكن سوي أن يقدم على مثل هذا الفعل الشنيع أم أن تاريخاً متأصلاً من السفالة و الضعة قد يصل إلى سابع جد من أجداده صنع منه هذا النموذج ؟

جابر عبد الغفار المتخلف عن الخدمة العسكرية بدأ حياته لصاً يعتاش على السرقة في ميناء الإسكندرية . لم تبق ( دكَة ناقصة ) إلا و طرقها مع الجميع من أجل الحصول على المال حتى قُبض عليه و رُحّل لمركز تدريب عسكري من أجل خدمة العلم لكنه فرّ ، هنا صار لصاً و ( فرار ) . لم يعد بإمكانه العودة إلى الميناء خوفاً من القبض عليه مجدداً فزور جواز سفر و هرب به إلى أيطاليا ، صار لصاً و هارباً من شرف خدمة العلم و مزوراً أيضاً.

يبحث في إيطاليا عن عمل في مكاتب التشغيل فيكتشف أحدُ المكاتب التابعة للموساد المنتشرة هناك مواهبه و يقرر تجنيده للتجسس على بلده فيقبل على الفور ، أصبح لصاً و هارباً من خدمة العلم و مزوراً و جاسوساً !

هذه هي الروائح التي تفوح من بئر الخيانة . سرقة ، تزوير ، تجسس ، باختصار جَمَعَ الفساد من أطرافه .

لكن ما مناسبة الحديث عن فيلم أنتج و عرض عام 1987 ؟

المناسبة أننا بعد إحتلال بلدنا و بعد التوسعة الكبيرة التي أجريت لفوهة البئر بدأت إصدارات مختلفة و متنوعة من نسخة جابر عبد الغفار تطفو على سطح البئر تفوقه عفناً حتى صار جابر مجرد نموذج بائس أنهى حياته بالإنتحار في حين أن نماذج هذه الأيام تحظى بقيمة اعتبارية و لها جمهور و مريدون !

لأن جابر و أمثاله لايريدون أن يخدموا في الجيش تصبح الخيانة بطولة و إسرائيل – و غير إسرائيل – حلماً و الوطن هدفاً .

كنا دائماً نختلف فيما بيننا ، نتجادل ، نتخاصم ، نختلف مع الأنظمة ، نسجن ، لكن لا نخون .

في الستينات كانت النقاشات تدور في المقاهي بين قوميي و شيوعيي ذلك الزمان الذين انقرض من انقرض و تحول من تحول منهم و لم يعد لذلك النموذج من الحزبيين وجود ، تدور نقاشاتهم على طاولة الدومينو أثناء اللعب و قد تنقلب الطاولة و تتبعثر الأحجار ويتطور الأمر إلى نزاع دام تستخدم فيه التوثية و النعال ، كان الناس يختلفون فيما بينهم أو مع النظام الحاكم أو يتفقون معه لكن لا يخونون ، هؤلاء يحبون عارف و أولئك يعشقون قاسم و آخرون يبكون على فيصل و آخرون يكرهونهم ، لكن لا أحد يبيع وطنه لاختلافه مع النظام ، إسرائيل هي إسرائيل ، و الجاسوس الذي أعدمه الملك أو قاسم أو عارف أو صدام هو جاسوس لا يغير وضعه متى و في ولاية من أعدم و لا علاقة للأمر بموقفنا من هذا النظام أو ذاك . اليوم أصبحت الخيانة وجهة نظر و أصبح الجاسوس المعدوم شهيداً و الهروب من الجيش بطولة و الإحتلال تحريراً .

في السابق كانت الخيانة عاراً تخجل منه عائلة الخائن فلا أحد يزوجها أو يتزوج منها و تضطر للرحيل بعيداً للتخلص من نظرات الإحتقار . اليوم صاروا يظهرون على شاشات التلفاز و يُنظّرون في فن الخيانة و يكتبون المقالات و يغردون على تويتر

الإنغماس في بئر الخيانة ليس سلوكاً طارئاً . إنه ( رس ) كما يقول أهلنا الطيبون

المقال السابقمشروع تركيا القومي , نهاية وادي الرافدين – ج 1
المقال التالىالام .. الفنانة سعدية الزيدي
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد