أحزان الصيف


 

في العالم بأسره يحتفل الناس بقدوم الصيف، ويبتهجون، ويضعون البرامج الترفيهية، ويحجزون غرفهم في الفنادق وعلى الشواطيء، وتزدحم شركات الطيران بالراغبين بقطع تذاكر السفر الى مختلف أنحاء المعمورة ليقضوا بعض الوقت، ويستمتعوا مع أسرهم بعد شتاء بارد وممطر ومزعج.
في بعض دول الشرق ومنها العراق الذي خرج من قائمة المحتفلين بالربيع يقوم الناس في تركيا وإيران ومناطق كردستان العراق وكردستان سوريا وتركيا وإيران بطقوس إحتفالية كبيرة، وينقطع الموظفون عن مؤسساتهم، والطلاب عن مدارسهم، وتغلق الجامعات أبوابها، ويتوجه ملايين البشر الى السهول والمنحدرات الجبلية ويغنون ويرقصون ويقدحون شرر النيران بمناسبة إنتصار الخير على الشر، وخروج الشتاء ومجيء الربيع بالبهجة، ومن بعده الصيف.
في دول عدة ومنها الحارة كمجموعة الخليج ترتفع درجات الحرارة بشكل مقلق يدفع الناس الى الهرب الى أوربا ولبنان ومصر وسوريا وشمال افريقيا وتركيا وإيران وكردستان التي تتوفر فيها عوامل مواجهة الصيف الذي يكون أقل حدة بكثير، وفي مناطق من العالم تكون الحرارة منخفضة، والأجواء في غاية الروعة والبهجة والإمتاع.
الأمر مختلف في العراق العظيم الذي تتغير في القوانين حسب المزاج، والأنظمة حسب الصدفة، وسوء الحظ فلانجد فيه أملا لتغيير السيء الى الأحسن في ظل سياسات التخبط، وإنعدام الحس الوطني والإنساني، وغياب الرؤية، وتسلط القتلة والفاسدين والرعاع.. ففي كل مرحلة يأتي نظام سياسي طائفي، أو قومي يحول حياة الناس الى جحيم، ويحرمهم من حقوقهم فيكون صيفهم شرا مطبقا ترتفع فيه درجات الحرارة الى مستويات قياسية، ويحاول البسطاء مواجهة الحر مع إنقطاع مستمر للطاقة الكهربائية والماء، وتراكم عوامل الفشل السياسي والإقتصادي والأمني، والتنازع على الجاه والثروة والسلطة، وغياب القانون الذي مر العراق بعقود من الفوضى بغيابه، فصار المثل المعروف ( كلمن بكيفه ) مطابقا للواقع.
أحزان الصيف فقط في العراق. وفي هذا البلاد وعلى العكس من بقية الدنيا يحزن الناس بمغادرة الشتاء، ويتحول الصيف الى موسم للحزن والثورات والتظاهرات والإحتجاجات، وتنفجر الدمامل، ويسيل القيح في الشوارع، ويخرج ابطال التغيير من القماقم، ولايتحقق التغيير في لعبة الشياطين المستمرة التي ضحيتها الجمهور المسكين. فلاماء، ولاكهرباء، ولاصحة، ولاتربية، ولاتعليم، ولارياضة، ولاترفيه، ولا ولا ولا، وينتظر الناس التغيير دون أن يأتي..

المقال السابقتحديد المصير و مناورات اللحظات الاخيرة
المقال التالىلحظة الأوج ولحظة الحضيض
هادي جلو مرعي التحصيل العملي: بكلوريوس في اللغة العربية سنة التخرج: 1997-1998 التخصص الحالي: صحفي أماكن العمل رئيس المرصد العراقي للحريات الصحفية في نقابة الصحفيين، رئيس مركز القرار السياسي، نائب رئيس المركز العراقي لدعم حرية التعبير، كاتب ومحلل سياسي في أغلب الصحف الورقية والمواقع الألكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد