القربان في الديانات الوضعية

 

كانت القرابين واحدة من الممارسات التي اعتاد الانسان القيام بها , فهي تمثل نجاحه اثناء قيامه بالإعمال الزراعية ، وبعد حراثة الارض وزراعتها وجنيه لمحصولها , فكانت هذه المناسبات مدعاة للاحتفــال وتقديم الطعام للمشاركين من ابناء القرية بعد انجاز مثل هذه الاعمال . وهكذا بدأت جذور تقديـــــم القرابين ثم قُدمت بشكل خاص في الاعياد والمناسبات.

يعود الاصل الذي نشأت منه عموما فكرة القربان والذي تستمد منها قوتها الى ابعد حد من درجات السمو الروحي الى مفهوم العلاقة بين الالهة و الانسان , فهي وبشكل جوهري علاقة التبعـية وبمجرد ان تعرف هذه العلاقة تتكون او تنشأ فيه تقديم القرابين بفروعها المتنوعة وفي كل مكــــان بخط واحد تقريبا مهما تعددت وتباينت التصورات الخاصة بطبيعة وحياة الاله او الالهة .

كانت القرابين في الاديان الوثنية تمثل هبات من مختلف المواد او تضحيات تقدم في المناسبات المختلفة لإرضاء الالهة . اما في الاديان السماوية فكانت المسألة مختلفة لسببين : السبب الاول وحسب المفهوم العقلي لفكرة الاله فانه اي الاله لا يحتاج شيئاً اطلاقا .

وهذا ما عبر عنه النص القراني في قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم ( لن ينـــــال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) , هذه الاية تثبت لأصحاب الاديان كافة ان الله ( غني حميد ) مما يقدم له من اضحيات , ولكن مدى التمسك بهذه الاضحيات والامتثال لها مسألة متفاوتــــة بشكل عام .

ان اول من قدم القرابين ابنا ادم ( عليه السلام ) قابيل وهابيل , قال عز وجل : بسم الله الرحمـن الرحيم ( وأتل عليهم نبأ ابني ادم بالحق اذ قربا قربانا , فتُقبل من احدهما ولم يُتقبل من الأخر قال لاقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين )، وفــي موضع اخر من القران الكريم ( الذين قالوا ان الله عهد الينا إلا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكـــله النار ). لان الرجل اذا قِرب قربانا سجد لله , فتنزل النار فتأكل قربانه , فذلك علامة قبول القربـــــان , وهي عبارة عن ذبائح كانوا يذبحونها وما القربان المادي إلا تعبير رمزي فقط للنية الخالصــة لصاحب القربان .

ان تقديم القرابين والنذور كان جاريا منذ عصور مبكرة من تاريخ العراق القديم , فكانت الالهة وفق اعتقادهم تقبل بارتياح جميع القرابين والنذور من اثاث وحيوانات وسنابل واستمر تقديمها الى الالهة من قبل الملوك والكهنة والأفراد من عامة الناس كافة في المعابد القديمة , فقد اعتقد القوم انذاك ان الاستعانة بالآلهة تُغير مجرى الحوادث الكونية وتبدل السنن الطبيعية , فكانوا يحرقون البخور ويذبحون القرابين ويقدمون النذور ويقبلون الاحجار والعتبات ويذرفون الدموع لإرضاء تلك الالهة كي تحقق غاياتهم وتمنياتهم الحياتية ولا تنزل غضبها ونكباتها بهم .ولان معطيات الحيــاة وما يرافقها يعود اليها , وانطلاقا من عجز الانسان وشعوره في عدم تمكنه من تحقيق ما تصـبو اليه نفسـه كل ذلك خلق فيه الحس الذاتي بتقديس الالوهية , لان الانسان العراقي القديم ادرك ان الفعــل الالهي يؤثر في كل شي سواء في سماء الاله انو او في مياه الاله ايا , او فـي ارض الاله انكـي ,ولعل هذا هو الذي دفع ذلك الانسان الى ان لا يخوض مع الهته صراعـــــا وان يبقى عبدا لها يقـدم لها القرابين ويرفع لها التراتيل

وهذا وقد اشار الاستاذ “سعد امين” في كتابه عن القرابين والنذور الى عدد من النصوص التي تشير الى سبب تقديم القرابين للإلهة :

النص الاول :
” الخوف من الالهة , مدعاة للعطف ,
والقرابين تطيل العمر ”

والنص الثاني :
” الح بالتضرع والصلاة , واصنع بخورا زكية ,
واحضر تقدمة , هدية وعطاءات كثيرة ,
اذبح ثورا سمينا , وانحر خروفا سمينا ”

فنجد هنا ان تزويد وتجهيز الالهة باحتياجاتهم حسب اعتقادهم كان لغرض ديمومة التواصــل والاتصال المستمر معها فقط , وهذا التجهيز كان اجباريا بحيث لا يمكن غض النظر عنه وإذا ما حصل ذلك فانه يعد خيانة عظمى يؤدي الى تعرض السلام والطمأنينة ومصائر الحياة في البلاد الـى المخاطر والدمار . وكانت هذه العبودية تراقب عن كثب من قبل الحاكم , لأنها توفر للإلهة المأوى والطعام من خلال القرابين المقدمة الى المعبد . وكانت القرابين المقدمة احيانا تتألف من اطعمة وأعشاب عطرة تحرق في النار, اما السوائل فتراق اراقة , ومن واجبات المؤمن , بعد خشية الالهة , الصلاة وتقديم القرابين الاخرى ايضا

المقال السابقعلى ما يبدو إنه زمن ” التوقعات والتوقيعات ” !
المقال التالىتاريخ له مذاق
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية الشهادات • بكالوريوس اداب / تاريخ / جامعة بغداد 2001-2002م • ماجستير تاريخ القديم /جامعة بغداد/كلية الاداب 2008م • دكتوراه فلسفة في التاريخ القديم/جامعة بغداد/كلية الاداب2014م. الخبرات • تدريسية في كلية الاداب / جامعة الامام جعفر الصادق(ع) مدة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد