تاريخ له مذاق


 

الطعام مكون أساسي من ثقافات الشعوب، وكل شعب له ثقافته الخاصة التي تميزه وكذلك له طعامه المشهور به، ومن الغريب حقًا في تراثنا العربي والمصري على وجه الخصوص إنّ هناك أكلات معينة لها جذور تاريخية؛ بل أنّ بعضها ارتبط بشخصيات تاريخية وبالطبع بأحداث تاريخية.

من أشهر الاكلات التي ارتبطتت باسم شخصية تاريخية هي كفتة داوود باشا، وهذه الطبخة تركية الأصل وهي تختلف عن الكفتة المعروفة في مصر بكونها على شكل كور لا أصابع كما هو معتاد، وهنا يأتي السؤال من هو “داوود باشا”؟ وما هي علاقته بهذه الطبخة اللذيذة؟

“داوود باشا” سياسي عثماني تولى ولاية مصر منذ عام 1538 م في عهد السلطان “سليمان القانوني” ولمدة أحدى عشر عام حتى وفاته عام 1549 م، له صداقه حميمة مع “سليمان باشا الخادم” والي مصر السابق له؛ والذي ساعده لتولي هذا المنصب وكان الأثنان يناصبان “رستم باشا العداء” ولهما تاريخ طويل من العداوة له، هذا قبل أن يصبح الأخير الصدر الأعظم بالطبع.

في عهد ولاية “داوود باشا” على مصر مات الخليفة العباسي “المتوكل” في عام 1543 م وبموته انتهت الخلافة العباسية تمامًا، ومن المعلوم كما ذكرنا أنه سبقه في حكم مصر صديقه “سليمان باشا الخادم” وتبعه “لالا مصطفى باشا” بعد موته كوالي مؤقت.

ويعتبر “داوود باشا” أول والي عثماني يُدفن في مصر بناء على وصيته بأنّ يُدفن إلى جوار الإمام “الليث بن سعد”، وهو يُعد من أعظم الولاة العثمانيين على مصر واشتهر بثقافته الواسعة والمتعددة، كما إنّه كان حريص على تكريم العلماء ومشهود له بالأخلاق الكريمة.

ارتبط اسمه بنوع من أنواع الكفتة وذلك لحبه الشديد لها، ومن حبه الشديد لها كان يتناولها شبه يوميًا، وبالطبع انتقلت الوصفة بعد ذلك لجماهير الشعب المصري الذي اضاف لها الكثير من الأضافات والتغييرات على مر الزمن، وهي تُقدم على شكل كرات من اللحم سواء مقلية أو مطهية مع صلصة الطماطم.

حلوى ام علي وهي تنسب لزوجة “عز الدين أيبك” والذي يعتبر أول سلاطين المماليك والذي تزوجت منه “شجرة الدر”، التي تولت حكم مصر بعد وفاة زوجها السلطان “الصالح نجم الدين أيوب”، وعندما رفض العباسيون أنّ يعتلي عرش مصر امرأة؛ تزوجت من “عز الدين أيبك”.

اشترطت “شجرة الدر” على زوجها أن يطلق زوجته الأولى ويتبرأ من ابنه “المنصور علي”، وافق “عز الدين أيبك” وغير اسمه ليصبح الملك “المعز”، وبعد أن استقر له حكم مصر، وسحب جميع الصلاحيات من يد زوجته، قرر الزواج من اخرى، مما اثار حفيظتها فتأمارت على قتله ونجحت في ذلك بالفعل.

لم تنج “شجرة الدر” بفعلتها هذه، قبض عليها تلاميذ وأتباع “الملك المعز” وسجنوها وعذبوها كثيرًا، حتى تدخلت ضرتها وحرضت ابنها على قتلها، وهناك مراجع تقول بأنها قُتلت على يد الجواري حين انهالو عليها بالقاباقيب حتى فارقت الحياة.

لكن ما علاقة “أم علي” بالحلوى المعروفة والمشهورة باسمها، وهنا تظهر لنا قصتين، الأولى أن زوجة “أيبك” الاولى عندما تمكنت من قتل “شجرة الدر” نصبت ابنها على العرش وأمرت الطهاة بخلط الدقيق والسكر والحليب والمكسرات مع باقي مقادير الحلوى وتوزيعها على الشعب احتفالًأ بمقتل ضرتها وتولي ابنها الحكم؛ وبهذا قدمت نوع جديد من الحلوى ومن الطبيعي أن يُسمى باسمها.

اما القصة الثانية فتؤكد أن هذا النوع من الحلوى كان موجود قبل هذه الحادثة ومعروف في مصر وتركيا والشام ولكن عندما تمكنت “ام علي” من قتل ضرتها ذهبت إلى الحمام وبسكين حاد قطعت حلماتها وزينت به طبق الحلوى ومن هنا تغير اسم طبق الحلوى ليصبح أم علي بعد أن اضافة الحلمات له، وبعد ذلك تم استبدال الحلمات بالزبيب أو الفستق لأنه الأقرب لشكل حلمات الثدي.

وبعيد عن كل هذا فإنّ هدا النوع من أنواع الحلوى الشهي أنتشر في جميع العالم العربي تقريبًا، وهو مزيج من رقائق الخبز والزبد أو الدهن الحيواني والسكر والحليب والمكسرات، وفي دول الخليج تقدم في الحفلات الكبيرة كالأفراح، في غرب العراق معروف باسم الخميعة، وفي السودان تُسمى بفتة اللبن.

وكما أنّ هناك دموية في قصة تسمية حلوى أم علي بهذا الاسم فأصابع زينب لها عدة قصص منها الدموي ومنها المتناهي في الرومانسية لهذه التسمية.

القصة الأولى بطلتها السيدة “زينب بنت الحسين بن علي ابو طالب”، كانت في عامها الرابع عندما تمكن جنود الأمويين من قتل والدها سيدنا “الحسين” في كربلاء، وعندما رأت الطفلة “زينب” جثة أبيها تشبثت به وفشلت كل محاولات الجنود من فك قبضتها إلا بضرب أصابعها بالسيف وقطعها، وصارت أصابع زينب مجال حديث المجالس ومضرب ومثل للحديث عن القسوة.

وهنا تظهر لنا روايتين الاولى تقول بأن الحلوى تم تسميتها بهذا الأسم تعظيم لما فعله الأمويين والثانية بأنّ العامة اطلقوا هذا الاسم على هذا النوع من الحلوى محبة في آل البيت.

في ظل تلك القصة الدموية توجد قصة أخرى مغرقة في الرومانسية وتعود لسنه 1260 م وفي هذا العام انتصر المسلمين على المغول وعند عودة الجيش المصري مظفرًا أمر الأمير “بيبرس البندقداري” بتصنيع الحلوى وتوزيعها على الشعب احتفالًا بالنصر العظيم.

هنا ظهر نوع جديد من الحلوى على شكل أصابع، لفتت الحلوى أنتباه الأمير لشكلها الغريب ومذتقها الطيب، عندها طلب “بيبرس” رئيس الطهاة وساله عن هذا الصنف الجديد من الحلوى،

انزعج رئيس الطهاة من سؤاله معتقدًا أنها لا تعجبه وقال “هذه أصابع زينب”، مشيرًا إلى اسم الطباخة التي أعدت هذا الصنف الجديد حيث كانت تظهر علامات أصابعها على الحلوى.

وقتها ظن “بيبرس” أنّ هذا هو اسم الحلوى وطلب مقابلة “زينب” التي اعدت هذا النوع الجديد اللذيذ من الحلوى، وعندما مثلت زينب بين يديه وتبادلا الحديث اعجبته وتزوجها وأصبحت “الأميرة زينب”.

القصة الثالثة وهي رومانسية أيضًا؛ وفيها أن شابة تُدعى “زينب” كانت تحب الطهي والأبتكار فيه، ذات يوم صنعت نوع جديد من الحلوى على شكل أصابع وقدمتها لأهل خطيبها؛ الذين اعجبو بها جدًا وتقديرًا لجدهدها قالو: “سلم أصابع زينب” ومن هنا التصق اسم أصابع زينب بهذا النوع من الحلوى.

لم تتغير طريقة اعداد هذه الحلوى مذ ابتكارها وإن كان البعض الآن يضيف عليها الكريمة أو غمسها في الشيكولاتة أو النتويلا بدلًا من الشراب الحلو.

لا تخلو قصص التاريخ من القصص المرحة وهنا تظهر لنا قصة رموش الست، وهي حلوى من عجينة البقلاوة محشوة بالمهلبية أو القشطة ثم يُرش عليها الشراب الحلو وتزين بالفستق الحلبي المبشور.

وتعود قصتها لأيام “بربر آغا” حاكم طرابلس الذي كان من عاداته أن يقيم الكثير من الحفلات، في أحدى هذه الحفلات قدم نوع جديد من أنواع الحلوى على شكل زند، ودعا الكثير من أعيان المدينة والعديد من الظرفاء، اقترح أحد الظرفاء على الحاكم أن يسمي هذا الصنف برموش الست وهو ينظر جانبًا لامرأة جالسة ليست ببعيد عنه.

تعددت الحكايات والأقاويل ويبقى الطعم المميز الشهي لكل نوع من أنواع الطعام شاهد على ذوق ثقافتنا ودسامة تاريخنا وحلاوة تراثنا.

المقال السابقالقربان في الديانات الوضعية
المقال التالىﺗُﻬﻤﺔ !
خالد النجار.. كاتب مصر يعمل ككبير معلمين في وزارة التربية والتعليم المصرية.. صدر له: رواية ولاد شديد (دار الوليد) مسرحية بخيل جدي: فرقة تياترو مصر وشوشة آصم (العبيكان الإلكتروني) نبضات عشق (العبيكان الإلكتروني) رواية آمورزاو (دار الكنزي) رواية نائب السلطان (تحت الإعداد)....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد