تهمة ازدراء الاسلام


 

على مدى أكثر من سنة ونصف بدأت القضايا المرفوعة ضدي في المحاكم الكويتية تأخذ طريقها الي إصدار الأحكام، والتى تنتهي غالبا بطلب الحبس لمدد متفاوتة بين أشهر وسنوات وتأييد أحكام القانون الكويتي والجرائم الالكترونية والنيابة العامة بحبس من يتطاول على الإسلام ورموزه وكل ما يتعلق به من تراث وأفراد وغيره، كما هو معمول في غالبية الدول العربية والإسلامية. وذلك على خلفية عدة تغريدات تويترية ومقابلات إعلامية طالبت بها بنقد وإصلاح الإسلام بشكل واضح وصريح، من منطلق واجبي ككاتب صحفي وإعلامي وناشط أهتميت منذ صغري بمجال القراءة النقدية والإطلاع على مختلف الأديان والثقافات والمعرفة.

ولم تتوقف الحرب ضدي وضد ما أحمله من أفكار تنويرية في ساحات المحاكم، بل أيضا طالت الحرب شخصي وعائلتي بالتهديد بالقتل وإهدار دمي وفصل رأسي عن جسدي، كما تم وصفي بالزنديق والمرتد والكافر وغيرها من النعوت المهينة لكرامة الإنسان بعد أن طالب بعض أعضاء مجلس الأمة والمحسوبين على التيارات الإسلامية المتطرفة في عام 2017 بتنفيذ أقسي وأقصي العقوبات ضدي على خلفية ظهوري على قناة الجزيرة مطالبا بإصلاح الإسلام وإيقاف تنفيذ العقوبات الشرعية نظرا لما تحمله من تفسيرات وتأويلات يستخدمها رجال الدين والفقهاء لتهديد خصومهم أو لقتلهم كما تستخدمها تيارات الإسلام السياسي لممارسة الإرهاب الإسلامي وخلق الصراعات الطائفية في مختلف الدول العربية.

إن الأزمة التى نحملها في مجتمعاتنا العربية اليوم ليست أزمة افكار ومعتقدات بقدر ماهي أزمة حوار، أزمة غياب الرأي الآخر وقبول المختلف حتى لو كانت أفكاره مخالفة للعقل الجمعي .. فتاريخنا القديم والحديث حافل بآراء مخالفةطالبت بإعادة النظر بالإسلام وإصلاحه كالمعتزلة وابن رشد واخوان الصفا وفلاسفة المسلمين الأوائل وصولا الي العصر الحديث مع طه حسين وحامد نصر ابو زيد وفرج فودة وغيرهم الكثير. ولكن أمام هذه الافكار لاصلاح الدين وتنقية التراث الاسلامي، غاب عن الساحة الفكرية الاسلامية نقاشها او تفنيدها او مراجعتها، بل تم قمعها وتكفير قائليها وهدر دماء الكثير منهم. حتى اصبحت فتاوي القتل في عصرنا الحديث مؤشر على انسداد الثقافة والفكر العربي في تفكيك الثوابت الدينية ومواجهة الرأي بالرأي.

إن منع حرية الرأي والتعبير في قضية من كبرى قضايا تاريخنا وواقعنا ومستقبلنا وهي قضية الإسلام وتجديد رؤيته لكي يكون متوافقا مع العصر الحديث بما يحويه من مبادئ وقيم إنسانية وعلمية وحضارية تحفظ الانسان وبنفس الوقت تحافظ على المعتقدات الدينية من التشدد والشطط. هو الذي أبقى التيارات الإسلامية نشطة وفاعلة، وهو الذي أبقى بالمقابل أنظمتنا العربية تسير في مسار الإستبداد والجهل والوصاية، فكل الدول العربية اليوم تشهد التحالف المدمر بين مؤسسة الدين ومؤسسة الحكم في دعم مباشر لكليهما حفاظا على مصالحهما المشتركة ولتذهب الشعوب الي الجحيم. إن الدينالاسلامي تحديدا، وبفعل تجار الدين وتيارات الاسلام السياسي تحول الي سياسة مدمرة للتعايش وقبول المختلف وزادا معرفيا جاهزا لمن يريد القتل والتفجير وتعاليم تدفع الي الكسل والجمود ومعاقبة المغاير وتصنيفه وازدراءه.

اليوم، وأمام الهجمة الضارية على مفهوم نقد الإسلام، علينا ان ندرك قيمة النقد في تغيير العقليات وتجميد الكثير من النصوص الدينية والإعتراف بالأخطاء السابقة ومصالحة الأديان مع العلم ونظرية التطور كما حدث للمسيحية واليهودية. إن مفهوم النقد يختلف من مجتمع لآخر ومن وعي الي وعي آخر، ففي بعض الدول تعتبر السخرية من الاديان امرا طبيعيا وكوميديا ولا يثير اي حساسية وهذا بسبب وصول الشعب الي درجة عالية من احترام حرية الرأي ومن اعتبار الكلمة تبقي كلمة طالما لا تدعو الي العنف والكراهية والايذاء الجسدي، بينما في مجتمعاتنا فنحن مازالت تحكمنا علاقات انتاج ضعيفة فكريا وثقافيا في معرفة وتفسير معني حرية الرأي وحدود الدين والمعتقد. كما وأن تعاطي الشعوب العربية في غالبيتها مع الإسلام لا يزال تعاطي عاطفي خالي من أي تساءل ونقد وشك، وبالتالي بقينا في دائرة الإستسلام للمجهول والغيبيات والوراثة الدينية. وهو ما صنع التطرف وأبقى على الإسلام دينا غير صالح ولا قابل للإصلاح. وما قضايا الإرهاب الإسلاميفي الغرب وظهور الفتاوي الشاذة والبعيدة عن العقل والأخلاق، لا تزال تظهر بل وتحظى بحماية المؤسسات الدينية والحكام العرب كفتاوي عدم الخروج على الحكام وفتاوي إرضاع الكبير وتزويج القاصرات واستمرار فتاوي تحجيب المرأة وظلمها وحصرها داخل التشريعات الإسلامية المختلفة تماما مع مواثيق حقوق الانسان واتفاقيات حماية الأطفال وحقوق المرأة.

لقد جاء مع انتكاسة عصر النهضة العربية وفشل مشاريع التحديث ومحاربة التيارات العلمانية، التخبط في القوانين المضادة لحرية الرأي وتحالف الحكام العرب مع التيارات الدينية والقبلية التى هيمنت على التعليم والتشريع فانتج ذلك انغلاقا وجمودا وتراجعا في مستوى الحريات بالاضافة الي وصول التيارات الاسلامية الي البرلمانات والبدء في اصدار قوانين تمنع الحريات وتطالب بالشريعة بل واستنساخ تجارب ماضوية غارقة في التشدد والغلو. وهو ما يؤكد على استمرار تراجع جو الحريات الفكرية وهيمنت القوى الدينية على المشهد السياسي والاجتماعي وفشل البرلمانات العربية في مواجهة التشدد الاسلامي ونواب الاسلام السياسي، فالحكومات العربية والاسلامية ترضخ اليوم لدعوات الاحالة الي النيابة وممارسة دور لا يجب ان يكون دورها. فالدول لا دين لها بل يجب ان تكون محايدة ومدافعة عن حرية الكلمة طالما لم تؤدي الي العنف..اما مسألة الاساءة الي مشاعر المسلمين من خلال نقد الإسلام، فهي تهمة ساذجة وبدائية تهدف الي قمع الآراء واستمرار الإسلام بعيدا عن الإصلاح، كما أن المشاعر فعل عاطفي لا يمكن قياسه وحصره ويختلف من فرد لآخر. فجريمة الإساءة الي المشاعر جريمة ليست مادية ولا يتوفر فيها القصد الجنائي. بقدر ما تكون مهمة نقد الأديان والثقافات والأفكار مهمة المثقفين والمفكرين والفلاسفة منذ بداية وجود الإنسان على الأرض لغايات فكرية ومعرفية ومستقبلية.

1 تعليقك

  1. اخي عبد العزيز القناعي المحترم
    لاجدوى من مخاطبتك وكذلك كل الكتاب والمثقفين التنويريين لهذا الجيل وسط هذا الاكوام الهائلة من ركامات التطرف الاسلامي الذي قاد ولايزال الانسان العربي والمسلم الى الحضيض وكما ملاحظ حال الامة العربية والاسلامية اليوم في اي مستنقع من الجهل والتخلف تقبع، ووجودك بهذا الخطاب المثقف وسط هذا المستنقع لن يجديك نفعا لأن هذا الجيل الحالي هو جيل مخدر للآخر ولم ولن يستوعب حياة حرة وحضارة ومدنية واستقرار وسلام في المستقبل المنظور على الاقل وسط هذه البيئة الاسلامية المشحونة بالتطرف والارهاب ولذلك دعنا نكتب من خارج هذه البيئة مستثمرين لذلك فضاءات الشبكة الالكترونية ومخاكبين الاجيال القادمة لصناعة مستقبل آمن وحياة حرة كريمة لهم ونصيحتي أن تنجو بعيالك لانك لن تفلت من هؤلاء الوحوش إن اليوم أو غدا.

اترك رد