سنة اولى يا قطر


 

مرت يوم الخامس من هذا الشهر الذكرى الاولى للحصار الخليجي لقطر، تلك الزوبعة التي وصفتها في مقال سابق انها اشبه بمشكلة بين زوج وزوجته، سرعان ماتنتهي ويعود العاذلون بخفي حنين، ولكن على ما يبدو ان العاذلين كان فعلهم اقوى فتعقدت تلك المشكلة حتى اصبح طريق حلها واحدا من اثنين اما ان تكون قطر في وضع الناشز واما ان تاتي معتذرة لبيت الطاعة..

وما زاد المشكلة تعقيدا اكثر ان الطرفين السعودية وقطر يمتلكان الاموال الكافية لشراء الذمم والسلاح معا، ورغم انهما دفعا للعراب ترامب ما يملأ العين ويسد الاذن، الا ان العراب وجد في اللعبة مجالا ومتسعا للحلب اكثر واكثر، وهناك من الحبال ما يمكن اللعب عليها وبها مادام هذا الخصام يصب في صالحه..

قطر التي وجدت نفسها فريسة الاخوة الاعداء، اتجهت الى الحاضنة العثمانية فاقطعت مساحة مناسبة لانشاء حامية عسكرية وفق مبدا (القرش الابيض ينفع في اليوم الاسود) ، ودفعت من المال مايكفي لكي تطالب بفخر واعتزاز ان تكون عضوا كاملا في الحلف الاطلسي كي تمنع الاخوة الاعداء من التفكير باتخاذ خطوة غاضبة تجاهها، ولكي تستكمل خيوط شبكة العنكبوت وتدفع الجميع للتحايل عليها اتجهت نحو الشرق لتشتري منظومة الدفاع الروسية المتقدمة المعروفة بــ اس 400..

قيادة الاطلسي ردت دبلومسيا وبذكاء التجار، ان قانون الحلف يمنع منحها صفة عضو كامل، بمعنى ان المال قد يمنحها صفة عضو ولكن غير كامل، وبانتظار ما قد تدفعه السعودية لمنع منح قطر تلك الصفة..

موسكو التي تريد مد اذرعها لاي مكان ممكن، تعجل في الاتفاقية، فقبل قطر كانت هناك الهند وهناك تركيا والسعودية ايضا، واذ توقفت واشنطن عن الضغط على الهند لمنعها من اتمام الصفقة لاسباب تتعلق بتحقيق التوازن الاقليمي مع الصين فانها مازالت توجه التحذير بالعقوبات المتسلسلة تجاه تركيا باعتبارها عضو حليف وشريك اساسي في مشروع طائرات اف 35 المحدثة والتي من المقرر ان تستلم انقرة اولاها في الواحد والعشرين من هذا الشهر، ولم يفلح الوزير بومبيو الذي كان بضيافة تركيا مؤخرا باقناع انقرة بالتوقف عن الصفقة الروسية، ولكن واشنطن بقيت صامتة ازاء الصفقة القطرية الروسية..

الاكثر اثارة في هذه القضية ما نشرته صحيفة اللوموند الفرنسية قبل ايام من ان الملك سلمان بعث برسالة الى رئيس الولايات المتحدة الامريكية ورؤساء بعض الدول الاوربية تتضمن تهديدا واضحا بقصف منظومة الصواريخ الروسية حال وصولها الاراضي القطرية، بحجة انها تعرض الامن السعودي والاقليمي للخطر، وفيما تطالب قطر بتوضيح وتاكيد فرنسي حول هذه الرسالة فانها تعتبر ان حقها السيادي يمنحها الحق في التعاقد على ما يؤمن امنها وسلامتها..

لماذا اذن تهدد اميركا تركيا وتضغط على الهند بالتوقف عن هذه الصفقة ولكنها تصمت امام مساعي قطر والسعودية في الحصول على هذه المنظومة الدفاعية؟..

ولماذا ترى السعودية ان من حقها شراء منظومة الصواريخ الدفاعية الروسية وتنكر هذا الحق لقطر؟..

يحاول السعوديون تبرير الخلاف مع قطر على انه خلاف يتصل بدور قطر التخريبي في المنطقة وبدعمها للارهاب، وفي بداية الازمة وقمة زوبعتها سرب الطرفان وثائق كثيرة تدين كلا منهما بدعم الارهاب، والمراقبون من خارج البلدين يعرفون جيدا انهما متورطان بالفعل في هذا الامر وان ماجرى في ليبيا ومصر ومن ثم سوريا والعراق ايضا دليل واضح على دورهما التخريبي معا والذي كان يزداد حدة مع تزايد التنافس بينهما على قيادة الاحداث ميدانيا، غير ان تنامي دور دويلة قطر اخذ منحى اخر اذ ان قادتها شعروا بالتضخم وفاعلية تاثيرهم وان عليهم استثمار ذلك لتحقيق الزعامة خليجيا ومن ثم عربيا خاصة في ظل سيطرة الاخوان على مصر والتي اصبحت انذاك رغم حجمها الكبير واهميتها ودورها القومي تابعا ذليلا لاوامر القطريين.. ولم يفهم القطريون ان هذه المسالة جد حساسة بالنسبة للمملكة، وان المملكة كانت قد احرقت الاخضر واليابس يوم شعرت ان العراق وصدام حسين يسرقون منها هذه الصفة فدفعت الاموال وبذلت الجهود شرقا وغربا من اجل تدمير العراق ولم تكتف بذلك بل اصرت على احتلاله وازاحة صدام حسين شخصيا من الوجود..وبالتالي فانها لن تسمح لقطر مطلقا ان تقترب ولو قليلا من هذه المكانة التي تعتقد المملكة انها حق وجودي وسماوي معا باعتبار ان الحرم الشريف يقع ضمن ادارتها، وانها بالنسبة للخليج خاصة اشبه بخيمة كبيرة على الاخرين الاحتماء والاستظلال بها وليس عليهم منافستها او خدش دورها القيادي، خاصة وانها تمكنت من استعادة مصر لتدور في فلكها وهي اكبر دولة عربية بعد ان كانت قد اختطفتها قطر لفترة قصيرة..

الزعامة اذن هي من تدفع السعودية لانكار حق قطر في شراء منظومة الدفاع الروسية، وليس من سبب اخر، اذ ان هذه المنظومة هي منظومة دفاعية خطرها الوحيد على السعودية انها ربما تتمكن من صد هجوم صاروخي سعودي اذا ما تقرر يوما ما، وهذا لن يحصل بالتاكيد اذ ان قطر في كل القياسات جزءا من الامن القومي الخليجي ومن الامن الوطني السعودي ايضا وهي ايضا جزء من ممتلكات اميركا غير القابلة للخدش..واضافة الى قضية الزعامة فان السعودية ربما تقدر ان وجود هذه المنظومة بيد قطر التي تراها وبسبب الازمة الحالية منضوية تحت الجناح الايراني والتركي معا سيخل بميزان القوى بينها وبين ايران من جهة وبينها وبين تركيا من جهة اخرى ولو كانت قطر ضمن القافلة الخليجية المتناغمة مع السعودية لشكل وجود هذه المنظومة دعما مضافا الى ترسانتها العسكرية وثقلا مضافا الى ميزانها العسكري تجاه ايران تحديدا.. رفض السعودية لصفقة قطر موسكو اذن يدخل في نطاق الصراع القائم بين ايران والسعودية ومعا على ذات الخط الولايات المتحدة واسرائيل، ومن هنا ياتي الصمت الامريكي على هذه الصفقة باعتبار انها في النهاية تشكل جزءا من الاستعدادات التي عليها اثارة القلق لدى ايران واشعارها ان عليها التفكير اكثر من مرة وفي جوانب متعددة وهي تواجه الموقف الامريكي الضاغط باتجاه تحقيق الشروط المعلن عنها والمتعلقة بنشاطها الصاروخي وبسلوكها الاقليمي ودعمها للارهاب..

سنة مرت على خصام عائلي سعودي قطري دون نسيان ان الزواج بينهما كاثوليكيا لايقبل فيه الطلاق على الاطلاق..

لا تعليقات