النقد الكرافيكي الرقمي – ج2


 

من الملاحظ إن الفجوة الرقمية بحد ذاتها تعد أمرا مهماً في عالم اليوم ،عالم التواصل الحديث والتعدد الكبير الذي شهدته الوسائط ،وما ألت اليه تداعيات العولمة بصيغها المتنوعة والأختراق الكبير للخصوصية وا يتبعها من معطيات.

2- بالطبع ، لا يخلو النقد الثقافي في العلوم الإنسانية من مشكلاته (بعضها كتبته في مكان آخر ولن أكرره هنا). لكنني أوجه اهتماما خاصا في هذه المناسبة إلى مشكلة عدم وجود نقد ثقافي في العلوم الإنسانية الرقمية لأنني أخشى أن هذا النقص سيعوق نمو مجالنا. أقول هذا لسببين.يتعلق أحدهما بكيفية إسهام العلوم الإنسانية الرقمية من الناحية المنهجية في العلوم الإنسانية بشكل عام. لنأخذ على سبيل المثال أن الجدول في الدراسات الأدبية قد تم الآن تحديده لنقاش واسع بين “القراءة المتقاربة” و “القراءة البعيدة”. وهناك العديد من اللجان في العام الماضي والسنة الحالية من قانون مكافحة غسل الأموال على هذه المناقشة (بما في ذلك يوم الأحد في ظهر بعنوان “قريب جدا و بعيد جدا: القراءة وعلم الاجتماع” تتمتع العلوم الإنسانية الرقمية بمكان على هذا الجدول ، على سبيل المثال ، في التعاون المستمر بين فرانكو موريتي وماثيو جوكرز في مختبر ستانفورد للأدب. كل تلك العقود المنفردة من العمل على تحليل النص ، تشفير النص ، بروتوكولات البيانات الوصفية ، وما إلى ذلك .الواضح من قول (لو) أن النقد الثقافي هو كذلك يعاني من مشكلات من بينها غيابه عن العالم الرقمي ،وإن كانت النقودات الحديثة وفرت لنفسها مسرباً للدخول الى عالم التصميم الكرافيكي وتوافر محاولات جادة في نقد الاعمال الكرافيكية وتفكيك بنياتها النصية ،وإن جاء بعضها يشابه الى حد ما الوصف السردي الذي يغيب فيه الدخول المعمق الى مضمرات النص، من جانب أخر يخشى (لو) من غياب نقد ثقافي واضح في العلوم الإنسانية الرقمية الذي ربما سيعرقل النمو المستقبلي في هذا المجال. فهناك دور خادم واحد ،إذ لا أرى أن العلوم الإنسانية الرقمية يجب أن تتنكر كمسهمة فريدة من نوعها في مجال العلوم الإنسانية السائدة: الخدمة (بِعَدِها حرفية مثل تشغيل الخوادم الفعلية ، إذا لزم الأمر) نحو الدعوة إلى العلوم الإنسانية في لحظة حاجتها الحالية ، هي أيضًا لحظة تغيرات هائلة في شبكات الاتصالات والمعلومات التي تربط بين العلوم الإنسانية وبين العامة التي لا تتناسب معها أشكال الاتصال التقليدية للإنسانية (مثل الدراسات). ففي الوقت الحالي ، تستعد العلوم الإنسانية الرقمية للقفز من مجال متخصص إلى حقل من الحقول يُرى أنه يؤثر على البحث والتدريس في جميع أنحاء العلوم الإنسانية السائدة. لكن الانضمام إلى التيار السائد ، كما أرى ، لا ينبغي أن يكون الحد الأقصى لطموحاتنا في العلوم الإنسانية الرقمية. كما أرى أن العلوم الإنسانية الرقمية ستسهم حقًا في إظهار قدرتها أيضًا على القيام بدور قيادي، الدور القيادي الواضح في الوقت الحاضر هو خدمة لقضية الإنسانيات.وسيكون للفضاء الإفتراضي الدور الأكبر في تفعيل اليات التواصل بين المصمم وبين المتلقي من جهة وبين قارىء النص(الناقد) وحسب(جيسي ستومل) فأنه مع انتقال المزيد من أعمالنا العلمية والتربوية إلى الفضاء الرقمي ، من المهم إعادة استثمار أنفسنا في جوهر النص والمادية من القارئ / المشاهد. ومع ازدياد افتراضية النص وماذا نفعل به ، يجب أن نتحول في اتجاهين في وقت واحد ، مع الأخذ في الاعتبار الأنماط الرقمية ، في حين نعالج أنفسنا بشكل مباشر أكثر مع للنص. هذا هو ما تطلقه لورا يو ماركس ، التي تعمل باللمس: النظرية الحسية والإعلام متعدد الحواس ، “النقد الممتع” وما أسميه “النقد التفاعلي” الذي يعتمد على التعاون ، سواء بين القارئ والنص وبين مفاعيل القراء التي تعني بإختصار ، النقد التفاعلي الذي فيه ندرك أن وسائل الإعلام ملموسة وأننا نتعامل حتى مع الوسائط غير الملموسة على ما يبدو بطريقة حميمة ؛ فضلا عن كونها تمثل لقاءً مع نص نقوم فيه بعمل شيء للنص ، والنص يفعل شيئًا بالنسبة لنا ؛ وأن النظر بعيدا والتنظير هو لفتة حرجة ،وهي دائما غير مكتملة ، بل هي بداية لمحادثة .

نفهم من ذلك ان النقد الرقمي بِعَدِه تواصلاً تفاعلياً تبادلياً يحتاج من الناقد نظرة معمقة دقيقة لما يحتويه النص الكرافيكي ،من هنا فإن توصيف القارىء للناقد هو دقيق لأن العملية هي مسحية قرائية ،لهذا فإن الادوات التي ينبغي ان يمتلكها الناقد تتطلب معرفة بحيثيات النص ،مثال ذلك توظيف صورة رقمية دون غيرها،أو توظيف قيم لونية دون غيرها،مالسبب الذي يدعو المصمم لعمل بنية تصميمة دون غيرها ،والأهم هي مضمرات الفكرة ،لاسيما في الإرساليات البصرية التي تحاول ان توصل محتوى ما ليس بالضرورة فهمه من قبل عامة الناس ،بل يكون موجها نحو فئة محدة ،وتعد كثير من الإنتاجات المطبوعة في عالم اليوم بالكثير من المحتويات التي تلامس أحداثاً دون غيرها ،وشهدنا الكثير منها لاسيما تلك التي تديرها دوائر إعلامية تعمل على وفق مصالح سياسية ،او إجتماعية ،او اقتصادية الى غير ذلك.وهنا يحضر عمل الناقد الكرافيكي الذي يمكن أن يفكك النصوص ويستخرج مكنوناتها ، ومالذي أرادت ان تقوله حاضراً ومستقبلاً ،وهنا على الناقد أن يعي اساباب التركيز على موضوع دون غيره ،ولنا في شخصية (ترامب )على سبيل المثال عنواناً مهما يصلح أن يدرس وتفكك علاماته فهو يشغل الكثير من تصاميم أغلفة المجلات الأمريكية والاوربية ،ولماذا هذا التعامل الساخر منه،هل هذا مرتبط بشخصه كأنسان ؟ أم كسلوك؟ أم كمنهج ؟ وهل تريد الإدارة الأمريكية من هذه السخرية التي تتبعها بعض الوسائط الإعلامية إتجاهه توصيل رسائل محددة ،أم انها تريد الحط من شخصيته ،وربما الحط من القيم الأمريكية التي لطالما تحدث ويتحدث عنها الفكر الامريكي ،أو من منطلق الصراعات الداخلية ،في الواقع إن كل ذلك ممكن إذا مافهمنا ان الفكر السياسي الأمريكي هو فكر ترويجي تسويقي صيرفي ،فضلا عن كثير من الأحداث التي يمر بها عالم اليوم في مختلف توجهاته، من هذا المنطلق لابد من فهم معمق للبنيات الكرافيكية كي تتم القراءة بشكلها الصحيح وعلى وفق المنهجيات النقدية المعاصرة التي تنوعت هي الأخرى بسبب المعالجات الفكرية التي أسهمت بشكل كبير في اليات التطوير العقلي.منها مؤلات السوق والصناعة وتطور التقانة وعصر الأتصالات الرقمية ومواقع التواصل الإجتماعي وهناك الكثير . ويمكن أن يكون السياق الذي تتوافر فيه أوصاف النقد الرقمي رسمت على النحو الأتي: منذ حوالي عام 1995 ، العالم الرقمي الذي تم إنشاؤه ثم توسع من خلال الإنترنت للهواة كذلك ، وطورت ابعادا جديدة لم تكن متوقعة فيما يتعلق بأشكال مديات الاستعمال وجعل من أجهزة الكمبيوتر أكثر جاذبية وزودتهم بقوة اختراق كبيرة ، منذ ذلك الحين ، وعدد المستعملين يزداد من سنة إلى أخرى ، في مختلف اصقاع المعمورة بسرعة فائقة. ففي عام 1997 ، كان هناك4.1 مليون مستعمل في ألمانيا ، وهذا الرقم ارتفع إلى 49 مليون بحلول عام 2010 وكانت حينها نسبة الشباب عالية بشكل خاص إذ أفادت دراسة تقارير بأن 96 في المائة من جيل الشباب هم الآن مشمولون بالتغطية. وفقا لذلك ، يمكننا التحدث عن “توزيع شبه كامل للإنترنت بين الشباب” ، إذ يستعملونه في المتوسط لمدة 13 ساعة تقريبًا في الأسبوع، مايعني إن الأهمية الملقاة على التواصل الرقمي تتسع يوم بعد يوم وهو ما ينعكس على تطور اليات التعاطي مع النشر والتحليل النقدي الكرافيكي لما تحتويه صفحات الإنترنت من إنتاجات كرافيكية رقمية كبيرة جداً،على الرغم من التعامل النقدي قد لايستوعب كل ما يتم نشره يوميا .

لا تعليقات

اترك رد