ازدهار الجنس البشري 1-8


 

أخذت فكرة السلام العالمى تتبلور شكلاً ومضموناً بصورة لم يكن من الممكن تصورها قبل عقد من الزمان. لقد تداعت الصعاب التى كانت ومنذ أمد بعيد تبدو مستعصية واصبح طريق البشرية ممهداً. فالصراعات التى كانت فى ظاهرها غير ذى حل بدأت تستجيب لعمليات التفاوض والتشاور وتستسلم لما يتخذ من قرارات وظهرت الرغبة والميول لمواجهة العدوان العسكرى بالعمل الدولى الموحد. ونتيجة لذلك بدأت تطل من جديد درجة من التفاؤل حول مستقبل كوكب الأرض بعد أن كاد هذا التفاؤل ينمحى لدى جموع البشرية والعديد من قادة العالم.

هنالك وعلى نطاق العالم طاقات فكرية وروحية هائلة تبحث عن وسيلة للتعبير عن ذاتها ولها من قوة التأثير الإيجابى ما يعادل الآثار السلبية للقلاقل والاضطرابات التى حدثت فى العقود الأخيرة. الدلائل تزداد والإشارات تتزايد فى كل مكان على أن شعوب الأرض تتوق لوضع حد للنزاعات والصراعات والدمار وللعذاب والمعاناة التى لم تعد هناك بقعة فى الأرض بمنجى عنها. إذاً لابد من تلقف هذه الدوافع والاندفاع نحو التغيير وتوجيهها للتغلب على ما تبقى من عقبات أمام تحقيق حلم الأزمنة ألا وهو السلام العالمى. العزيمة والإرادة اللازمة لتحقيق هذا الهدف لا تأتى بمناشدة واستجداء الخلاص من الأمراض والعلل العديدة التى تنخر فى عظام المجتمع، بل لابد من بعث الهمة والنشاط على العمل برؤيا ثاقبة وإثارة وتحريك الإمكانات الروحية والمادية للخير والرخاء وازدهار البشرية الذى اصبح قريب المنال والذى ستعود منافعه على سكان الأرض جميعاً دون تمييز وبدون وضع أى قيود أو شروط لا تتناسب مع الأهداف الأساسية لمثل هذه الإعادة لتنظيم وترتيب أمور البشرية.

سجل التاريخ منذ القدم تجربة مرور البشرية بتكوين القبائل ثم الثقافات والطبقات والأمم. وفى هذا القرن بالاتحاد العضوى لكوكب الأرض وبالإقرار بتداخل وتشابك مصالح سكانه تكون قد سُطِّرتْ بداية تاريخ البشرية كشعب واحد. لقد كان تقدم البشرية فى تكوينها الحضارى طويلاً بطيئاً أشتاتاً غير منتظم ولابد من الاعتراف بأنه لم يكن متناسقاً مع ما يزخر به من إمكانيات مادية. مع ذلك فإن سكان الأرض وبما لديهم من ثروة فى التنوع الثقافى وموروثات تكونت وتطورت تدريجياً خلال العهود السابقة, يواجهون الآن تحدياً لجمع طاقاتهم وتكاتف جهودهم معاً للأخذ بكل وعى وكوحدة متكاملة المسئولية لتصميم وبناء مستقبلهم.

ليس من المنطق فى شىء وضع تصور للمرحلة القادمة من التقدم الحضارى دون إعادة النظر كرتين فى الأفكار والمقترحات التى تقوم عليها توجهات التنمية الاجتماعية

والاقتصادية فى الوقت الراهن. و من البديهى أن تكون عملية إعادة التفكير هذه مشتملة على ما يطبق من سياسات فعلياً وعلى حسن استغلال الموارد وإجراءات التخطيط وطرق التنفيذ وإدارتها.وعلى كل حال فقد تظهر أمور عاجلة ذات الصلة بتحقيق الأهداف طويلة المدى من قبيل الهيكل الاجتماعى المطلوب, تطوير مضمون مبادئ العدالة الاجتماعية وطبيعة ودور المعرفة فى إحداث تغيير يدوم طويلاً. حقاً فإن إعادة النظر هذه ستتطلب البحث عن اتجاه عام لفهم طبيعة البشر ذاتها.

لقد أحدثت الأزمة الاقتصادية التى لم يسبق لها مثيل وما نتج عنها من انهيار اجتماعى خطأً بيناً فى فهم الطبيعة البشرية. إن مستوى ما يطرأ لدى البشر من استجابة تجاه المبادرات التى تقوم بها النظم السائدة الآن ليست فقط غير كافية بل وغير ملائمة ولا تتناسب مع الأحداث العالمية. لقد أصبح واضحاً بأنه ما لم تجد تنمية المجتمع هدفاً اسمى من مجرد تحسين الأحوال المادية فإنها ستفشل حتى فى تحقيق هدف تحسين الأحوال المادية ذاتها. ذلك الهدف الأسمى يجب أن ينشد فى الأبعاد الروحية للحياة وفى الباعث المنزه عن المتغيرات الاقتصادية المستمرة وعن التقسيم المصطنع للمجتمعات البشرية إلى متقدمة ونامية مع إعادة صياغة الهدف من التنمية سيكون ضرورياً أيضاً إعادة النظر فى الأدوار الملائمة التى يمكن أن يطلع بها المناصرون للتنمية. أما دور الحكومات فهو ضرورى وهام ولا يحتاج إلى تفصيل أو شرح. مع ما يحظى به الاعتقاد الفلسفى القديم ” بأن الناس سواسية” من احترام وتقدير ومع ما يشاع الآن من مفاهيم ديمقراطية، كيف ستتفهم وتتقبل أجيال المستقبل نظرة التخطيط التنموى الضيقة إلى الناس وأخذهم فى الاعتبار على أنهم متلقى إعانة وتعليمات؟

فبالرغم من الإقرار بالمشاركة كمبدأ إلا أن ما ترك من مجال فى اتخاذ القرار لمعظم سكان العالم هو فى أحسن الظروف ثانوى ومحصور فقط فى عدة خيارات صيغت لهم بواسطة هيئات ووكالات لا سبيل لهم إليها وحُدِّدَت بأهداف تتناقض مع واقعهم.

إن التوجهات المادية هذه تجد التأييد والمساندة ضمنياً أن لم يكن صراحةً من الأديان القائمة. ويبدو أن الفكر الدينى السائد والمثقل بما جرت عليه العادة من تقاليد فى إدارة الشئون أبوياً ( بالبركة ) غير قادر على ترجمة الاعتقاد الواضح فى الأبعاد الروحية للطبيعة البشرية إلى الثقة بالمقدرة الجماعية للبشرية على أن تسمو على الأمور المادية.

وضع كهذا يفتقد إلى الإدراك بأهمية ما يرجح أن يكون أهم ظاهرة اجتماعية فى وقتنا هذا ألا وهى: إذا كان صحيحاً أن حكومات العالم تبذل جهودها عبر أنظمة الأمم المتحدة لتقيم نظاماً عالمياً جديداً، فإن شعوب العالم لديها نفس هذا التصور، إذ أننا نجد ذلك فى رد فعلها الذى جاء فى شكل ظهور فجائى لحركات وتنظيمات من أجل التغيير الاجتماعى على المستويات المحلية الإقليمية والعالمية. فمواضيع مثل حقوق الإنسان، نهضة المرأة، المتطلبات الاجتماعية للتنمية الاقتصادية المتواصلة، نبذ التعصبات، تعليم الأطفال القيم الأخلاقية، محو الأمية، العناية الصحية الأولية، وحشد آخر من الاهتمامات الحيوية تحظى كل منها بمناصرة قوية من منظمات تجد هى نفسها المساندة من جماهير متزايدة فى كل بقعة من المعمورة.

إن تجاوب شعوب العالم بأنفسهم مع الاحتياجات الملحة للعصر يأتى متمشياً مع ما رفعه حضرة بهاء الله من نداء منذ أكثر من مائة عام مضت ما معناه: ” اجعلوا همكم احتياجات عصركم الذى تعيشون فيه وتمعنوا فى ضرورياته ومتطلباته ”

إن التحول فى الطريقة التى أخذت تنظر بها أعداد غفيرة من عامة الناس إلى أنفسهم، يضع علامات استفهام جوهرية حول الدور المنوط بالهيكل العام للبشرية فى التخطيط لمستقبل كوكب الأرض. ولعمرى انه تحول غير مسبوق على مدى تاريخ الحضارة البشرية وبرز سريعاً وبصور مثيرة للاهتمام.(ازدهار الجنس البشري)

ونتابع معاً في مقالاتنا القادمة……….

لا تعليقات

اترك رد