احاديث وسط الركام


 

في امسية رمضانية اجتمع مجموعة من الجيران و الاصدقاء في داري حيث تكثر عادة التزاور و التفقد في هذا الشهر الفضيل.. و بعد تقديم واجب الضيافة بدأ الضيوف يتجاذبون اطراف الحديث.. اكتفيت بالصمت ليس لانشغالي بتقديم الضيافة فحسب بل رغبة مني في سماع احوال الناس وما يعانونه خلال هذا الشهر.. بادر احدهم في الحديث عن مأساة الكهرباء وما قدمته من اداء مذهل خلال ايام و ليالي الشهر الفضيل.. قبل أن يقطع حديثه قطع غير مبرمج ليكون شاهده في الحديث.. و على عادة الكثيرين رأى جاري الذي يؤمن بنظرية المؤامرة كاسلوب حياة.. ان الحكومة عمدت الى تقليص ساعات تجهيز الكهرباء و افتعال هذه الازمة رغبة منها في اشغال الناس بالحديث عن هذه المشكلة و عدم الخوض في الحديث عن مهزلة الانتخابات و طعون التزوير و مطالبات اعادة العد و الفرز اليدوي.. قاطعه اخر.. و هل تخجل الحكومة اصلا من الفعل لتستحي من الحديث عنه!.. لم افهم في سري ما دخل الحكومة باجراء الانتخابات.. فمن المفترض أن تقوم مفوضية مستقلة باجراء عملية الاقتراع في البلاد.. قطعت حديثهم بتقديم المياه المثلجة افضل ما يقدم للصائم بعد الافطار.. لكني بفعلتي هذه اشعلت نارا اخرى في المجلس بالحديث عن ازمة نهر دجلة و الفعلة( الجبانة) للجارة تركيا بأنشاء سد اليسو و انخفاض مستوى الماء في نهر دجلة.. تعالت الاصوات في المجلس بدءا من الاسباب التي دفعت تركيا لهذا العمل و ليس انتهاء باستعراض بورصة خزانات الماء التي كثر الطلب عليها بعد هذا الاجراء.. لكن رأي احد الضيوف اسكت هذا الحديث المحموم.. عندما قال ان من حق الدول البحث عن مصالحها بل و الاستقتال من اجلها لكن اين هي مصالح العراق يا ترى؟ لماذا نستكثر على تركيا انشاء سد لتحويل اراضي جديدة صالحة للزراعة و لخلق مناطق سياحية جديدة بينما يقول احد صناع القرار في العراق اننا لسنا بحاجة لانشاء المزيد من السدود!
هدأت عاصفة الحوار قليلا قبل أن يبادر احد الضيوف المتقاعدين بالسؤال عن سبب تأخر صرف الراتب التقاعدي هذا الشهر وما صحة الاخبار حول انهاء التعاقد مع الشركة المجهزة للرواتب بنظام البطاقة الذكية.. لتهب عاصفة اخرى من الاراء و اطلاق التهم و الشتائم لكل من جلس على كرسي المسؤولية!
ثم حديث عن شهر رمضان الذي يخلو من مفردات البطاقة التموينية و تخلو موائده من التمر العراقي الذي لطالما غزى اسواق العالم و عرف بجودته قبل أن يتراجع انتاجه لارقام مرعبة بسبب سوء التخطيط و هجرة الفلاحين و تراجع الزراعة و مشاكل الري و تحويل الاف الهكتارات الزراعية الى اراضي سكنية! رغم انها كلفت الدولة ملايين الدولارات عند استصلاحها .. وما هي الا دقائق حتى اسكت الجمع خبر عاجل عن انفجار في احدى ضواحي بغداد الحبيبة .. خيم صمت محزن على ارجاء المكان.. كم كنا نأمل ان يرحل عنا رمضان هذا العام من دون دماء.. من دون ان نرى صرخات الثكالى و انين الاطفال.. غادر الضيوف واحدا تلو الاخر.. وفي جعبتهم الكثير من الاحاديث عن شؤون و شجون هذا البلد..
في هذه الجلسة ما لفت انتباهي الكثير.. صحيح انني سمعت الكثير من الاخبار التي عادة ما تنسب إلى وكالة انباء( يقولون) والتي لا ينفع تبويبها الا ضمن خانة( اشاعات) و ان كان هذا لا يقلل من مدى تأثير اصل المشكلة على المواطن.. و ادركت فيها صعوبة ان تحيى في هذا البلد ليس لانني نزلت من برجي العاجي الى الناس.. لكن عندما تسمع لمشاكل يشترك فيها الجميع فاعلم انها اضحت مأساة يجب ايجاد الحلول لها.. و اخيرا تساءلت مع نفسي كيف لهؤلاء الناس ان يعيشوا مع كل هذا الخراب.. كيف لمواطن ان يعيش و يبدع و يبتكر و اقصى احلامه ان يملأ خزان ماء يعينه في قائض صيف.. او ان ينعم بساعتي كهرباء من دون فواصل.. او ان يعيش بسلام وسط كل هذا الركام..

المقال السابقمواطنون يصادرون اراضي الدولة ؟
المقال التالىالشّعر ومأزق الورقة البيضاء
عمر الحيالي صحفي ومدون عراقي من عائلة صحفية.. بدأ حياته الصحفية من خلال التحقيقات الصحفية في جريدة الزمان عام 2007 و له مساهمات عديدة في هذا المجال .. انتقل بعدها لولوج عالم الصحافة الفنية من خلال عدد من المؤسسات الصحفية في العراق قبل ان يؤسس مدونة دنيا فن والتي تعتبر الموقع الاول في تغطية اخبار الف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد