ألفنانة التشكيلية رؤيا رؤوف في صيغ أعمالها التركيبية

 

ألفنانة التشكيلية رؤيا رؤوف ألتي تقيم في ألمانيا، من خلال إطلاعي ليس على بنية أعمالها التكوينية أو التركيبية فحسب، وإنما من خلال ما تكمن في وجدانها النفسي والشعور الباطني نحو التبادل مع المنتوج من حيث هواجس المؤثرات الفاعلة في تحريك عوامل العطاء الإبداعي، إذ تتبادل وتتنوع المفردات النصية الناطقة من شعر وقصائد تمتلكها شخصياً مع منتوجها المرئي التشكيلي، وكذلك ما تمتلكه من مشاعر تواقة إلى السمو الإنساني ألذي يميز أصحاب الرقة في الأحاسيس، وخاصة ما يتعلق بحب وإستماع وتفاعل مع الأنغام الموسيقية الراقية المشتركة في التذوق عالمياً وإنسانياً. كذلك في مجالات الثقافة العامة، الأدبية من نثر وكتابة ومسرح. تلك التنوعات في التطبيق والتذوق داخل الذات المعرفية والحسية الإدراكية، تجعل المنتج ألفني، بل كل النتاجات ذات العطاء ألمهم، له دور متبادل ومتكامل، أحدهما يكمل الآخر.

فعندما يكون الرسام منعزل عن التفاعل مع هذه الموجات الحسية الراقية، يكون عند ذلك، إنتاجه حرفي. .لا علاقة له بالإنتاج ألفني، المليء بثيماته التعبيرية، ذو الدلالات الحسية والمعرفية، وألتي من شأنها توصل الأهداف من القلب إلى القلب. وهذا ما نلمسه في أعمالها ألفنية، لنفسها ولغيرها.

إنها تسمو وتحلق في سرمدية متحركة من الخيال الفنتازي، وكأنها في فضاءات واسعة ومتنقلة بين الزمان والمكان، وهذا الأمر ينطبق مع البعد الرابع للأعمال ألفنية، وألتي تتطابق مع نظرية انشتاين لوجود البعد الرابع المتمثل بالزمن، لأن الأبعاد الثلاث للبنية التشكيلية، مالم يصاحبها البعد الرابع حينئذ تكون ساكنة وجامدة في مكانها أو مايسمى (الأستاتيكية). ومن خلال إطلاعي على أغلب الفنانين أجد لديهم تفريغ لهواجس المشاعر والمواهب الأخرى المكملة والمصطحبة مع إختيار التخصص.


فإذا كان ألفنان التشكيلي قد تخصص في هذا المجال نجده منجذباً نحو فنون سمعية أخرى، وخاصة الموسيقى أو الشعر، لقد كان النحات جواد سليم – عازفاً على العود والكيتار، والمطرب حسين نعمة وكاظم الساهر وآخرين يمارسون الرسم، والبعض أختصاصهم في المسرح ينجذبون ويمارسون الرسم، والأمر ينطبق بالعكس وبالتناظر والتقابل التكميلي.

لذلك كانت للفنانة التشكيلية رؤيا رؤوف، هوايات ممارسة الشعر وحب الموسيقى، تلك المجالات تكتمل فيها أبعاد المحتويات والمضمون الحسي والفكري، كونها جميعاً تحركها المشاعر والرقة في الأحاسيس والميول والتطبيق العملي والأصغاء والأنشداد نحو الغوص والسروح الذهني في فضاءات منفتحة. أما في مايخص الصلة بالعوامل الطارئة والمؤثرة في طبيعة الإنتاج ألفني، وخاصة ما يتعلق في البلد المستبدل لبلد الولادة، وهذا الأمر لا يؤخذ إلى ما يشار له من الفنانين المهاجرين فحسب، وإنما ما لمسته شخصياً بأمور تتطابق وتتوافق مع العوامل والنتائج للمعطيات الجديدة.

حيث تكمن في داخل ألفنان خاصة في مراحل قطع الأشواط من الدراسة ثم الإنتاج ألفني، سواء كان ذلك في المعارض الشخصية أو المشتركة، من بلد المنشأ إلى بلد تتغير فيه أنماط من البنى التحتية والفوقية، في البنية التنظيمية الإجتماعية والقوانين والأجواء، قد تكون في بعض عوالمها مسببات في تحريك وتفعيل الكوامن المختزلة ألتي صاحبة مسيرة ألفنان عبر المتغيرات الزمانية والمكانية، ولكنها في الوقت ذاته مرتبطة بإتجاهات ما يحتويه الخيال الباطني والا شعور الإدراكي، بإنجاز تضاف له محركات الحنين والألم والشوق وربما الحزن.

مضافاً لها فرز المعطيات المستمدة من الأجواء الجديدة. تلك الأختلاطات تكون إحداهما محركة للأخرى في طبيعة صياغة وتبدلات المنتوج ألفني، فالشخص المنتج للإبداع، لا يمكن أن تكون هنالك معطيات ساخنة دون محركات مثيرة ذاتية ووجدانية من خلال عوامل محيطة له.

البنية التركيبة لأعمالها :

المقصود بالبنية التركيبية.. هي علاقة العلامات بال (التكوين) وهو جانب من جوانب السيميائية(العلامات) ألتي تتكون من علاقة العلامات بالدلالات، والتركيبية، والتداولية. حيث نجد إن أعمالها تسمو في تركيبتها التكوينية، جانب الشفافية والسروح الذهني ألذي يعكس مخزونات العقل الباطني، بطريقة إسلوبية تجمع بين الواقعية والسوريالية والتعبيرية عبر خيال فنتازي تسرح فيها الرؤى والأحلام الذهنية والنفسية. تسمو فيا صيغة الألوان الحيادية (الأسود والأبيض) وبالرغم من إعتبار هذين اللونين حيادين وليس من ضمن الألوان الثلاث الرئيسة، الأحمر والأصفر والأزرق.

إلا أن اللون الأسود لا ينفرد بلون المستقل، وإنما يحتوي على ألوان متعددة ممتزجة معها لتصبح بلون داكن، وعندما تسلط على الأصباغ الإضاءة اللونية، تظهر حينئذ ألوان أخرى منعكسة، وكذلك الأمر ينطبق على اللون الأبيض المحايد ألذي تنعكس عليه الألوان الأخرى، ولا يمكن أن يتحرر من وجود ألوان أخرى، كما يحصل لدى الأشعة الضوئية للشمس، حينما قام العالم نيوتن بتفكيك اللون الأبيض لأشعة الشمس إلى سبعة عناصر ضوئية أساسية بواسطة دخولها من خلال المنشور الزجاجي. والألوان الحيادية، تقوم بتهدئة الألوان المتضادة، أو بقاء التباين فيها. لذلك فإن ألفنانة – رؤيا رؤوف – تفضل فرش المساحات اللونية الغامقة وبعد ذلك تأتي مراحل إعدادها الاحق.

ولقد أشار إلى ذلك ألفنان – فائق حسن – عندما كنا طلبة لديه بفرش المساحات للعمل بأول خطوة بألوان غامقة. وما يحصل من فرش الألوان الاحقة فيها تدرج دقيق وبشفافية رقيقة، تتوزع على بنية التكوينات المختلفة، وألتي تتضمن وجوه وأجساد مجردة من التفاصيل والعلامات المشخصة كالعيون والأنف والفم، كي يسرح المشاهد في بنية التكوين العامة، ومحتواها المقصود. تسمو في الرؤى الشكلانية العامة، بؤرة مركزية لأشخاص أو تكوينات أخرى، يحيطها فضاء مفتوح، وبلون مكمل لآلية الإنسجام والتوافق.

وتأخذ خطوط رأسية ناعمة ودقيقة متجاورة من الأعلى إلى الأسفل تمنح العمل بنية متنوعة في كسر التشابه والقيود المتكررة في الشكل والحركة الأيقاعية الثابتة إلى الإيقاع الحر، ولكن بطريقة هندسية معمارية منتظمة وغير مقيدة. ألفنانة – رؤيا رؤوف – لاتقيد أعمالها بقوانين الوصف: ألذي يتضمن إحدى فقراته (التسميات) وإنما إطلاق الرؤى والتمعن والحوار بين أعمالها والمتلقي للخوض في أحلام التفسير والتحليل والتمتع التذوقي، بما يلائم الإتجاه الشخصاني النفسي والفكري. كون الأعمال ألفنية مرتبطة بالخيال وحرية الحركة في بناء التكوينات وخاصة المعاصرة، وليس بقيود رياضية وزوايا هندسية محددة.

تلك السعة من التصور والإدراك والتفسير، تمنح المشاهد حركة من الإضافة إلى ما قام بأنجازها أي فنان وليس العكس. وفي أعمالها مفردات متنوعة من التراث القديم كالكتابة المسمارية وجدران ووجوه، وأخرى معاصرة لأشخاص يجمع بين الذكر والأنثى، يجمعهم التعانق والتفاعل والمودة، بوجوه مجردة من التفاصيل وأجساد تحاكي التعبير في حركتها وانسيابية أجزائها كشعر المرأة ألتي تتموج في مسافات طويلة.

وهنالك أشخاص تتزاحم في حركة صراعها الموجي والصعود عبر جدران توحي إلى رموز تتعلق بصراعات الحياة، تنوعات أمورها المختلفة تاريخياً وحاضراً. تبدوا كأنها أعمال نحتية بجدران الرليف. وأخرى تفصح عن مواد الحجر والأخشاب للمشاهد، بسبب إستخدام التكنيك الخاص ألذي تم تطبيقه بمهارة. وهنالك مفردات زخرفية متكررة تبدوا إنها من الفسيفساء المتنوع في إيقاعها المتوالي.

المقال السابقالحرب العالمية الثانية والماضي الذي أمامنا
المقال التالىمفهوم العدالة البديلة
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. تحياتي الطيبه مع شكري الجزيل وامتناني للدكتور ماضي حسن نعمه للتجسيد الجميل وتناغم الكلمات التي عبرت الحقيقه التي أرنو إليها ،،، لك كل إحترامي أيها المبدع فنيآ ونقديآ

اترك رد