لماذا استثنت إيران اليمن ؟

 

يعتقد البعض أن إيران حينما تستثني اليمن وتتمسك بالبقاء في سوريا وبالطبع العراق ولبنان بأنها غير مفهومة حينما أبدت على لسان مساعد وزير الخارجية الإيرانية استعداها للتفاوض حول دورها الإقليمي في أكثر من دولة في محيطها باستثناء اليمن.
إذا كانت إيران استثنت اليمن من تلك الدول، لكنها تعرض اليمن في المقابل للتفاوض، أكيد إيران تتابع الوضع عن كثب في اليمن خصوصا بعدما تم تهريب خبراءها العسكريين ال50 من الحديدة في سيارات إسعاف إلى صنعاء حتى لا يتعرض هؤلاء الخبراء لضربات جوية خصوصا وأن دول التحالف بقيادة السعودية لا تستهدف سيارات الإسعاف حتى لو تخفى فيها الحوثيين أو غيرهم حتى لا تستخدم إيران وحلفائها ورقة ضد دول التحالف لوقف التحركات السريعة.

صرح مساعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن إيران ترفض ربط مطالب واشنطن بين الاتفاق النووي وتصنيع الصواريخ البالستية ونفوذهم في المنطقة، لكنهم مستعدون للتفاوض على اليمن، بعدما تأكدت إيران من أن اليمن أصبحت ورقة خاسرة بتقدم دول التحالف وتسارع خسائر حليفها الحوثي، في المقابل هناك دور دولي لإجبار إيران على الخروج من سوريا، ومن يلاحظ السياسة الإيرانية على لسان السفير الإيراني في الأردن الذي صرح إن بلاده لم ولن توجد في مناطق قريبة من الأردن أو حتى إسرائيل، أي أنها تعهدت بأنها لن تتجه نحو الجنوب بعدما أعلنت أن مليشياتها ستتجه نحو درعا المحاذية للأردن شجعها ذلك بعد تدمير مخيم اليرموك الفلسطيني في أطراف دمشق، وهذا التعهد أتى بعد الخسائر التي منيت بها إيران جراء القصف الإسرائيلي وتخلي روسيا عن حمايتها جوا رغم أن إيران تجاور القواعد الروسية، لكن هذا لم يحميها من الاستهداف.

إيران تحترم القوة وهو ما جعل السعودية تتجه نحو القيام بعاصفة الحزم في اليمن والقيام بجهد دبلوماسي في إجبار أمريكا على تغيير استراتيجيتها بعدما توجهت السعودية شرقا وأقامت علاقات استراتيجية واقتصادية مع الصين وروسيا مما أقلق أمريكا، خصوصا وأن أمريكا تدرك أهمية موقع السعودية الاستراتيجي كحلقة وصل بين القارات، وهو ما يسرع من النمو الصيني والروسي على حساب النمو الاقتصادي الأمريكي الذي يحبط كل خططها المستقبلية في منافسة هذا النمو والحفاظ على تنافسية الولايات المتحدة وبقائها قوة عظمى تتفوق على الصين.

بدأت إيران ببيع ما خسرته، وتعتبر أنها خسرت اليمن، وستكون تكتيكاتها بالتنازل عن المناطق الحمراء مثل جنوب سوريا، وهي تفاوض إسرائيل سرا من أجل تمسكها بسوريا عدا الجنوب، لأن إيران تعتبر سوريا نقطة ارتكاز إقليمية استراتيجية لحماية نفوذها خصوصا في لبنان، لذلك ستلتزم إيران بأماكن تواجد قواتها في سوريا تحت نظر إسرائيل وبموافقتها، لكن هل تقبل إسرائيل مثل هذا التموضع وهي تصر على خروج إيران الكامل من سوريا؟.

تريد إيران على أقل تقدير إنقاذ وكلائها الحوثيين في اليمن عبر التفاوض من أجل منح الحوثيين نصيب في البرلمان والحكومة أكبر من حجمها الحقيقي مع الاحتفاظ بسلاحها الثقيل وهي جميعها مرفوضة من قبل دول التحالف بقيادة السعودية، لكنها تبحث عن ضغط دولي، خصوصا في الضغط الأوربي المتمسك بالاتفاق النووي مع إيران بعد إعلان الولايات المتحدة انسحابها، وهو ما يمثل توترا بين كل من ألمانيا وفرنسا مع السعودية، مما جعل السعودية تقدم على وقف التعاقد مع الشركات الألمانية، وحاول ماكرون الضغط على السعودية حينما أعلن في أحد لقاءاته مع أحد القنوات التلفزيونية أن السعودية احتجزت رئيس تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري، لكن رفضت السعودية في تصريح إعلامي بأنها احتجزت الرئيس الحريري ردا على ماكرون وأكدت لماكرون بأن إيران هي التي تقوم بدور تخريبي في لبنان وأنها تتطلع إلى التعاون مع ماكرون.

المصالح حاضرة، ويرى الأوربيون أن السعودية هي التي حرضت أمريكا على الانسحاب من الاتفاق النووي، وأن الشركات الأوربية العالمة في إيران ستتلقى خسائر فادحة نتيجة العقوبات الأمريكية، بل اعتبرتها موغريني المفوضة الأوربية بأن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني له تداعيات على أمن أوربا، لكن أمريكا اتخذت القرار إذا لم يتم تعديل الاتفاق النووي الإيراني، لكن إيران وجدت لغة الاقتصاد وحدها التي تتحدث بها في كل لقاء.
حتى الآن هناك كثير من المحللين يبدون استغرابهم من المرونة المفاجئة التي قدمتها إيران في ملف اليمن على وجه التحديد دون سائر الملفات الأخرى التي تحدثت عنها النقاط ال12 التي تحث إيران على تعديل سلوكها الإقليمي.
لقد يئست إيران من تحقيق أي نصر في اليمن، ويئست من تحقيق أي نصر على دول التحالف، وهي مرونة غير مشروطة، ولأول مرة تتنازل إيران عن أحد الملفات، وهي تدرك أن التحدي الذي تبديه السعودية لإيران صلب، ولن يتزحزح، خصوصا في اليمن، بينما في بقية المناطق الأخرى في العراق وفي سوريا ولبنان هناك شركاء آخرون يتقاسمون مع السعودية خطر التدخل الإيراني، لكن السعودية ليست الطرف الأول بل هناك أطراف وطنية عليها مسؤولية المواجهة بدعم سعودي الذي ترفض السلوك الإيراني الإقليمي وتعتبره كل لا يتجزأ ولا تقبل مثل تلك المرونة التي أقدمت عليها إيران في اليمن.
السعودية تدعم المطالب الأمريكية الرئيسية الاثني عشر هي وقف إنتاج الصواريخ البالستية مثل التي تستهدف المدن السعودية بالوكالة من اليمن، والخروج من مناطق القتال التي تستهدف حلفاء الولايات المتحدة أي سوريا واليمن ولبنان وعدم التدخل في الشأن العراقي.
بالتوازي مع المطالب الأمريكية ال12 تقترب قوات المقاومة اليمنية بدعم التحالف العربي بقيادة السعودية من تحرير ميناء الحديدة، وهم على بعد ستة كيلو مترات من محيط مطار الحديدة، وتتمركز قوات التدخل السريع في مدينة الدريهمي استعدادا لاقتحام مدينة الحديدة من الناحية الجنوبية، وهي مدربة على القتال داخل الأحياء وملاحقة المليشيات المتحصنة في المباني، بعد تلقى الحوثيين هزائم في جبهات محافظة صعدة ولم تتمكن من إرسال التعزيزات التي كانت تحتاجها لصد زحف القوات المشتركة صوب الحديدة في الساحل الغربي.
بدأ أنصار الله يلملمون أغراضهم الخاصة وما تستطيع يدهم الوصول إليه من مغانم تمهيدا للخروج من المدينة والميناء ذي الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، بل هناك قيادات حوثية كبيرة فرت من الحديدة بسبب الضغط العسكري على المدينة بعدما أصبحت المدينة محاصرة، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو القضاء على المشروع الإيراني في اليمن، الذي لم يجد مقاومة تذكر حينما خرج من صعدة إلى عمران ثم صنعاء ووجدوا عدن لقمة سائغة بعد العاصمة صنعاء وكذلك ميناء المخا الذي يتحكم في باب المندب، ولم تتوقع إيران حصول عاصفة الحزم التي فرضت على أمريكا أيضا رغم أنها أخبرت بها لكنها لم تستشر أطلقت في مارس 2015، وكانت فرصة لإخراج الحوثيين من عدن ترافق مع طرد القاعدة من المكلا في حضرموت ومن محافظة شبوة.
لكن اغتيال علي عبد الله صالح في ديسمبر 2017 شكل نقطة تحول جديدة عندها بدأ التحرك الشعبي لدعم قوات التحالف ولابد من التصدي له، خصوصا وأن السعودية ودولة الإمارات يريان أن ميناء عدن واليمن جزء من منظومة دفاعية عن أمن الخليج تمتد هذه المنظومة من سقطري إلى المكلا إلى المخا والحديدة وصنعاء تشمل هذه المنظومة الصومال وأريتريا وجيبوتي خصوصا وأن سواحل اليمن البالغة أكثر من 1900 كيلومتر تمتد إلى هذه الدول أي من بحر العرب إلى البحر الأحمر وحماية هذه المنظومة الكاملة من التدخل الإيراني وحتى التركي مؤخرا، باعتبار أن اليمن مرتبط جغرافيا واجتماعيا بالجزيرة العربية وأن أمنه من أمن الجزيرة العربية.
ولا يمكن أن تقبل السعودية بعد تحرير اليمن أن يتحول إلى صومال آخر من دون وهم البحث عن صيغة الكيان أو الكيانين وستحافظ على الوحدة الوطنية، خصوصا وأن السعودية لن تتوقف عن تحرير اليمن بل ستشرف على إعادة الحياة الطبيعية إلى كافة المناطق المحررة، وبعد فتح أول مكتب في أرخبيل سقطري لإعادة الإعمار بدأت السعودية تدشن ثاني مكاتب إعمار في اليمن في مأرب بجانب إنشاء مطار إقليمي إلى جانب الاهتمام بإعادة تأهيل الأطفال المجندين الذي يعتبر مثالا يحتذى في مناطق القتال في مناطق مختلفة.

لا تعليقات

اترك رد