حوار مع الشاعر الليبي عبد الباسط أبوبكر محمد


 

قال الشاعر الليبي عبدالباسط أبوبكر محمد ان الكتابة حالة يومية يعيشها بكل تفاصيلها، مشيراً إلى انه يرافق النص من بدايته كفكرة إلى أن يتسرب دفقه إلى الأوراق عبر مجموعة من المسودات.
مؤكداً ان ما يكتبه اليوم بعد انضمامه إلى مواقع التواصل الاجتماعي بات “أكثر انفتاحاً وحداثة من خلال تواصله المباشر مع المتلقي”، منوهاً بأسف إلى حالات الانتهاك الفكري والسرقات الأدبية في فيس بوك.
وعن يداياته وذكرياتها، يعترف عبدالباسط ان: “للبدايات ألقها وقلقها وهمومها الجميلة، حالة البحث عن نص جديد له خصوصيته، كانت أهم ما يميز تلك الفترة”.
ويتحدث الشاعر والناقد الليبي إلى “الصدى نت” عن التدوين وأهميته للمبدع، وتجربة عامين في الصحافة الثقافية، ورحلته مع الدراسات العليا حالياً في اسطنبول التركية، متناولاً باستفاضة الحديث عن حزمة اصدارات شعرية، رأت النور، وأخر قيد الصدور، وعن “اليد الواحدة” كتاب نقدي يتناول فيه تجارب شعرية ليبية شابة.
أما عن مشهدية الثقافة وتفاعلات الصحافة الثقافية، تحديداً، في ليبيا اليوم -بعد متغيرات سياسية شهدتها في السنوات الأخيرة- فيرى عبدالباسط أبوبكر ان “حجم الشجن كبير” بينما يستدرك: “وإن كانت هذه الظروف في المقابل أفرزت شعراً جديداً وتجارب جديدة، هي وليدة التغيير واستلهمت منه أسئلتها وأفكارها ونصوصها”.

*البدايات.. ملامحها وذكرياتها؟
-البدايات كانت اهتماماً بالقراءة، وجدت أمامي مكتبة صغيرة بها كتب متنوعة، وكان الوالد رحمه الله حريصاً على عادة القراءة اليومية.
وعلى الرغم من أن المكتبة التي وجدتها صغيرة، إلا أنني كونت مكتبتي الخاصة من مرور الأيام، وكانت هذه المكتبة تتغير بتغيير الاهتمامات، ففي فترة كان الاهتمام يأخذ سيقاً تاريخياً، وبعدها كان الاهتمام ينصب على كتب الفلسفة وبعدها الرويات الكلاسيكية. الاهتمام بالشعر كان متأخراً ربما قادني إليه السياق التاريخي بالدرجة الأولى، لأجد نفسي قريباً من الشعر الكلاسيكي في مرحلة ما، قبل أن أتابع تطورات القصيدة العربية وتحولاتها المختلفة.
الشعر ككتابة كان عام 1996 وكانت أولى المحاولات الساذجة الجميلة التي تطارد رؤى و قصائد الآخرين، لأجد نفسي في أحضان قصيدة التفعيلة وبعدها قصيدة النثر كمنجز حداثي مشاكس.
للبدايات ألقها وقلقها وهمومها الجميلة، حالة البحث عن نص جديد له خصوصيته، كانت أهم ما يميز تلك الفترة.

*مدونتك “تفاصيل” على شبكة المعلومات العالمية، تنشر فيها، تباعاً، مقالاتك ونصوصك.. متى انطلقت وكيف تجد التفاعل مع جديدها؟ ما هو واقع التدوين اليوم، وسط زخم منصات التواصل الاجتماعي؟
-التدوين كتطور للنشر على شبكة الانترنت كان نتيجة حتمية لتوسع شبكة الانترنت، بدأت مباشرة في تأسيس مدونتي ( تفاصيل ) على الشبكة والتي كانت تعنى بنشر نصوصي، وذلك قبل الظهور الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي الأخرى.
المدونة أعطت التجربة عمقاً مناسباً وانتشاراً جيداً في ذلك الوقت، لكل من يبحث عن جديد عبدالباسط.
المدونة الآن أرشيف كبير لدواويني، و قصائدي وحواراتي الصحفية و الدراسات عن دواوين.
أرشيف متكامل أحرص على تجديده كل فترة، من خلال نشر آخر الدراسات والحوارات الصحفية والنصوص وذلك ليعطي صورة دقيقة لتجربتي.

*صدر لك ثلاث مجموعات شعرية- قصيدة نثر: “في متناول القلب” 2005، “أوقات خارج الوقت” 2008، “مشارف الآن” 2016.. ولك اصدار نقدي مهم تناولت فيه نصوص لشعراء ليبيين شباب: بعنوان “اليد الواحدة” 2015، وقبله في 2014 أصدرت “خارج الحبر- نصوص”، حدثنا عن هذه الحزمة التي لا تقف عند الشعر، فحسب؟
-أولاً.. ديوان ( في متناول القلب ) 2005، كان خطوة ضرورية على الرغم من أنها لم تكن مكتملة، لكن الأصدقاء اقترحوا عليّ تجميع قصائدي الناضجة – في ذلك الوقت- في ديوان واحد يلخص فترة زمنية كاملة.
أحمل لهذا الديوان مشاعر كثيرة كونه الطفل الأول الذي مازال يحتفظ بنزقه ومشاكساته الكثيرة.

ديوان ( أوقات خارج الوقت ) 2008، كان الخطوة الثانية وعلى الرغم من أنني كنت اشتغل في أكثر من كتاب بجواره ( خارج الحبر ) و ( اليد الواحدة ) مثلاً، إلا أنه كان يعكس حجم الكتابة اليومية التي مازالت أخلص لها عبر صفحتي على ( الفيس بوك )
الديوان كان في تقديري الشخصي أكثر نضجاً من ديواني الأول، حمل الكثير من التطورات على مستوى النصوص والأفكار.
كتاب ( خارج الحبر ) نصوص 2014، كتاب يستطرد في الكتابة القصدية التي تجمع بين جوهر الشعر و روح النثر، حاولت من خلاله كتابة نص جديد ( بالنسبة لي ) فيه مغامرات كبيره تجاه الأفكار والكتابة بشكل عام.
كتاب ( اليد الواحدة ) 2015، هو كتاب جمع مجموعة من الدراسات عن الشعراء الشباب في حينه ، الشعراء في ليبيا الذين عاصرت نصوصهم والتي تشكلت فيما بعد في داووين، كان الكتاب عبارة عن دراسة مطولة نشرت في صحيفة العرب اللندنية عام 2001، لأفرد لها في سياق مختلف بعد ذلك من خلال التركيز على كل شاعر من خلال دواوينه.
( اليد الواحدة ) كان محاولة نقدية – لا أقول عنها مكتملة – لكنها محاولة لسبر أغوار تجربة شعرية كانت تتشكل أمامي وأتابعها بشكل يومي عبر الصحف والمواقع الأدبية.
( مشارف الآن ) 2016، كان كتاباً يجمع نصوصي المنشورة قبل الثورة الليبية عام 2011، كان محاولتى للانتقال لضفاف جديدة من خلال تجميع تلك النصوص في ديوان واحد، والانتقال لما بعده.
ثانياً، أعيش الآن حالة الكتابة اليومية بكل تفاصيلها ( كما تحدث عنها الروائي إبراهيم الكوني مع الفارق طبعاً ) أحاول أن أرافق النص من بدايته كفكرة إلى أن يتسرب هذا الدفق إلى الأوراق عبر مجموعة من المسودات.
الكتابة كحالة تعتمد على المسودات بالدرجة الأولى والكتابة الأولى تحتوي الكثير من الأفكار غير الناضجة التي يتم تشذيبها عبر المسودات.

*ثمة دواوين لك جاهزة لم تطبع بعد، من بينها كتاب مخطوط عن ” المكان” بعنوان (جغرافيا الروح)، حدثنا عنها أيضاً؟
-لدي مجموعة شعرية جاهزة للطباعة بعنوان (الوقتُ جهة خامسة ) ومن الممكن أن تصدر إلكترونياً لعدم جدوى النشر الورقي وأرتفاع تكاليفه وعدم وصوله للمتلقي.
كذلك أجهز لمجموعة نصوص جديدة بعنوان ( تمارين شعرية ) ونسبة الانجاز فيه 80% وهو عبارة عن تطوير لحالة البحث التي بدأت في مجموعة ( خارج الحبر )
كتاب ( جغرافيا الروح ) بدأت كتابته في مدينة (طبرق ) الليبية عام 2009، وهو يفسر علاقة المبدع بالأمكنة وهو عبارة عن فصول تتناول سيرة المكان وعلاقة المبدع به.
هناك يوميات في الكتابة كمغترب، وهي نصوص تستلهم لحظات الحياة في مدينة ( اسطنبول ) التركية حيث أكمل رسالة الدكتوراه في المحاسبة.
بشكلٍ عام هناك انشغال يومي بالنص الأدبي مساجلات كثيرة وعبر آفاق كثيرة، أهمها فضاءات التواصل الاجتماعي.

*سنوات من الحرب ومتغيرات تشهدها ليبيا اليوم، كيف هو واقع الحراك الثقافي في البلد؟
-منذ عام 2011 ونحن نعيشُ تحت هاجس الحرب، وعلى الرغم من أن الثورة الليبية أسقطت القذافي، إلا ان التحديات اللاحقة التي واجهت الليبيون لم يكونوا على قدرها، جعلتهم لقمة سائغة للتجاذبات السياسية لمختلف التياريات السياسية والفكرية والدولية.
من الواضح جداً أن الحراك الثقافي أول المتأثرين بهذه المتغيرات، البلاد الآن بدون صحافة حقيقية، لا توجد صحيفية يومية واحدة تصدر، وتبدو صحفها في ( المنافي ) صحف هزيلة وباهتة على رغم هامش الحرية المتسع.
الصحف الليبية التي قاومت هذا الخراب وتصدر من الداخل ، تعاني كثيراً تحت حراب البنادق، إلا أنها تظل إشارات مضيئة تحمل الكثير.
أغلب النشاطات الثقافية متوقفة أيضاً، البلاد تقارع جموداً قاتلاً، والمثقفين والكُتاب كلُّ يتمترسُ بصفحته الشخصية ويحاول أن يصرح، يبوح، يبكي… لكن حجم الشجن كبير.
هذه الظروف انعكست بشكل عام على تجارب بعض الشعراء، بعضهم توقف عن كتابة الشعر وانزوى في زاوية بائسة بعيداً عن قلق الشعر.
وإن كانت هذه الظروف في المقابل أفرزت شعراً جديداً وتجارب جديدة، هي وليدة التغيير واستلهمت منه أسئلتها وأفكارها ونصوصها.

*أنت عضو هيئة التدريس بجامعة السيد محمد بن علي السنوسي في البيضاء- ليبيا.. وحالياً تتواجد في تركيا للدراسات العليا.. نود التعرف إلى ملامح من يومياتك العلمية؟ بين الالتزام بالعمل الأكاديمي والكتابة والشعر.. أين نجدك أكثر؟
– الوظيفة مصدر لقمة العيش، قبلها كان عملي كموظف مصرف لمدة عشر سنوات، كان العمل مضنيناً جداً، لكنني حاولت أن أجعل الكتابة والقراءة عادة يومية مسكونة بالبحث والتجريب، لدي ثروة من القصاصات التي كنت أختصر بها نهار العمل المصرفي الطويل، عبر شذرات شعرية كثيرة و نصوص نثرية والكثير من الهذيان الممتع.
عملي كعضو هيئة تدريس منحني الكثير من الوقت للقراءة والكتابة أفضل من عملي كموظف مصرف مع ضعوطات أقل.

*تم اختيارك ضمن أفضل “مائة شاعر عربي” لعام 2013 بمبادرة من منظمة (شعراء بلا حدود) تونس- حمام الشط. وأيضا مع الشاعر الليبي (الصادق السوسي)، تم اختياركما ضمن قائمة شعراء ديوان العرب (أعجبني) في طبعته الأولى عام 2014، عن دار النشر المؤسسة الصحفية بالمسيلة.. كيف تنظر إلى مثل هذه المبادرات؟
-مبادرة ( مائة شاعر عربي ) قربتني من القارئ العربي، وبالتالي اقترحت علي الكثير من الأسماء الشابة في الشعر العربي.
مبادرة جميلة تعرفت فيها في ( تونس ) حيث أقيم الملتقى الأول على الكثير من الأسماء التي تحمل هم القصيدة و أوهامها.
وكذلك مبادرة ( أعجبني ) التي تبناها المبدع (جمال زيان ) كانت مبادرة رائعة تعتمد على الذائقة، لكنها احتوت أسماء مميزة جداً.
هذه المبادرات تحمل الكثير للشاعر، لكنها أيضاً تلقي على كاهله الكثير من المسؤوليات، وأعتقد أن الكتابة بعد كل أنجاز تصير أكثر إرهاقاً نظراً لحجم الطموح والمسؤوليات التي ينوء بها كاهل المبدع.

*في عامي 2013 و 2014 أسند إليك الإشراف على تحرير الصفحة الثقافية بصحيفة ليبيا الجديدة.. ما الذي أضافته لك هذه التجربة ضمن تفاعلات الصحافة الثقافية؟
-هذه التجربة الصحفية سبقتها تجارب أخرى، أعتقد أنها كانت تتويجاً لمجموعة من التجارب السابقة. وعموماً التجربة الصحفية لدي محدودة جداً مقارنة بغيري، حاولت فيها أن أكون قريباً من الإبداع بشكلٍ عام ولم ابتعد عن أجواء الشعر و الثقافة.
خلال الإشراف على الصفحة الثقافية لصحيفة ليبيا الجديدة، كان العمل اليومي من خلال مواقع التواصل والذي جعلنى على قرب من العديد من التجارب الليبية والعربية، كنت قريباً من النصوص والدواوين و المبدعيين بشكلٍ مباشر.
تجربة لها قلقها وخصائصها الجميلة، وأدين لها بالكثير من الأفكار و المحاولات والحوارات والتغطيات، حاولت أن أضيف شيئاً جديداً ومغايراً.

*ساهمت في إعداد برامج إذاعية تهتم بالشعر والشعراء بثت عبر أثير (إذاعة الجبل الأخضر) .. حدثنا عن هذه التجربة؟ الإذاعة، اليوم، ما مدى اهتمامها بقضايا الشأن الثقافي في ليبيا والعالم العربي، عموماً؟.
-في الإذاعة أيضاً كان الاهتمام منصباً على البرامج الثقافية، حاولت أن أكون رصيداً إذاعياً مناسباً يتحدث عن الشعر وكانت الإذاعة في ذلك الوقت تحتاج هذه البرامج، كان عندي مجموعة من البرامج منها ( الديون ) وبرنامج ( في البدء كان الشعر ) و برنامج ( قفا نبك ) وكلها كانت تتحدث عن الشعر وتترصد خطواته وتحولاته الكثيرة.
حاولت أن لا أبتعد عن أفق الشعر بشكلٍ عام و أن أظل في إطار البحث والقراءة الشعرية، هذه البرامج الإذاعية أعطتني حافزاً كبيراً للقراءة المنهجية المنتظمة للدواوين والكتب النقدية.

*المرأة، البحر، الشعر،… الحرب؟
-هذه المواضيع بدرجات متنوعة هي جزئيات في تجربة الشاعر، وتغيير دلالاتها عبر الظروف الراهنة التي يمر بها المبدع.
فإذا كانت ( المرأة أو الشعر ) الموضوع الأبرز من خلال نصوص المبدع، من حيث بحثه عن القصيدة أو الأنثى كحالة احتواء، فإن الظروف الحالية فرضت موضوع ( الحرب ) كجزئية لها دلالاتها من خلال مفردات ( الرصاصة، القذيفة، البندقية، الشظايا )
ويظل (البحر) الآن كموضوع أقرب إلى حالة الفرار، من خلال حالة الهجرة حالياً بحثاً عن منفى عبر قواراب الهجرة.
النصوص الحديثة لها تجلياتها الكثيرة، وأعتقد أن الكثير من المواضيع تغييرت حسب ما فرضته ظروف الهجرة والنزوح و الثورات.

*السوشيال ميديا- منصات التواصل الاجتماعي، بالنسبة للمبدع، هل باتت ضرورة؟
– أعتقد أن النص الشعري الحديث الآن أكتسب كثيراً من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، من حيث حالات الكتابة اليومية، وكذلك حجم الأفكار المطروحة والمسجلات الفكرية التي تعطي النص الحديث حالته الصحية.
نعم ، هناك حالة انتهاك فكري – إن صح التعبير- لمجموعة من النصوص والأفكار، لكن الفائدة من وراء طرح الأفكار والنقاش اللحظي حولها يمنح صاحب النص خلاصة جيدة حول الأفكار المغايرة لفكرته وبالتالي تمنح النص عمقاً مناسباً.
نصوصي – بعد الفيس بوك – أراها أكثر تطوراً من قبله، وأراها الآن أكثر انفتاحاً وحداثة من خلال تواصلها المباشر مع المتلقي.
انعدام الفارق بين لحظة الكتابة والتواصل مع المتلقي، هي أهم انجازات مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك الكثير من التجارب التي حققت انجازاتها عبر هذه المواقع وكسرت حاجز المحلية بقوة و وصلت للمتلقي البعيد في لحظة.
أعتقد أن ( الفيس بوك ) أصبح وطناً – ليس منفي – وطناً افتراضياً للمبدع، يحمله معه أينما حل، ومساحة هائلة للتجريب الذي يحتاجها المبدع بشكلٍ مُلح.

المقال السابقأحلام مؤجلة
المقال التالىبشار الحروب ما بين “أفق” و “شرقيات”
صدام الزيدي شاعر وإعلامي يمني، عضو نقابة الصحفيين اليمنيين، عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، عضو هيئة تحرير مجلة نصوص من خارج اللغة الصادرة من العاصمة المغربية الرباط، محرر بموقع فضاءات الدهشة الأدبي العربي.. فائز بجائزة رئيس الجمهورية في الشعر بمحافظة المحويت، صدر له في 2010 "صوب نخّالة المطر"، ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد