الشكل والمضمون للمطارق المعدنية المثبتة على الابواب التراثية العربية


 

مما لاشك فيه انه لكل مجتمع أساليبه وتقنياته التي يتفرد بها عن سواه من المجتمعات ويتأتى ذلك من استخدامه لأنواع وطرز وأشكال شتى من المفردات ، وينبع ذلك من طبيعة المجتمع وفلسفته وعقائده ورؤاه ومفاهيمه التي يتوارثها عبر الأجيال .

وبحدود موضوعة المطارق المعدنية التي زينت ابواب البيوت التراثية العربية والتي لايزال البعض منها باقي ليومنا هذا يحتفظ بعبق التراث والاصالة فقد تميزت بسمات اكدت حضور الجانب الجمالي والرمزي فيها ثم ان هذه المطارق الواسعة الانتشار في معظم العمائر التراثية العربية والتي تتخذ أشكال متعددة تضرب بجذورها في عمق الحضارات العربية . فالمتتبع لأشكال المطارق أو المقارع المعدنية ، يجدها عبارة عن ايقونات لأشكال بصرية ظهرت في معظم الحضارات العربية القديمة ، وهذا يقودنا الى القول أن لهذه الاشكال البصرية أصالة ، كما سنرى لاحقا .

وقبل الدخول الى موضوع الشكل والمضمون في الاشكال البصرية للمطارق المعدنية من المفيد أن نعرف شيئا عن جذورها التاريخية فرحلة المطارق المعدنية تبدأ من العصر العباسي ، إذ أخذ العرب والمسلمين في تزويد الأبواب بالحشوات التي كانت تثبت ببدن الأبواب لتعطي لها جمالاً فنياً وغالباً ما ضمت هذه الحشوات زخارف هندسية ونباتية إلى جانب بعض النصوص الكتابية التي كانت تشير للمنشئ وألقابه وسنة إتمام البناء.

وبدءاً من منتصف القرن الخامس الهجري على أقل تقدير أخذت الأشرطة النحاسية تظهر في تكسية الأجزاء السفلية والعلوية من الأبواب حاملة أسماء وألقاب المعماريين المنفذين لها وما أن انتصف القرن السادس الهجري حتى كانت صفائح النحاس والبرونز تغطي كامل الأبواب من الخارج، بل ومن الداخل أيضاً.

انتشرت الأبواب الخشبية المصفحة بالنحاس المطروق أو البرونز المصبوب انتشارا كبيرا في البلاد العربية بدءاً من القرن السابع الهجري «13 م» وأصبحت من السمات المميزة لفنون النجارة العربية نظراً لما تحققه من فوائد علمية وفنية، فهي من ناحية تكسب الأبواب صلابة أكبر وتدعم وظيفة الحماية فيها ومن ناحية أخرى تعوض رداءة بعض أنواع

الأخشاب السميكة التي كانت تستخدم في صناعة الأبواب، زيادة على أن النحاس المطروق والمفرغ بشتى أنواع الزخارف الهندسية والنباتية والكتابات كان يمنح هذه الأبواب أبعادا جمالية مميزة .


بعد ذلك ظهرت الحاجة الى وجود مقرعة تنبه من هم في داخل البيت ، أن ثمة قادم في الخارج ، فظهرت المطارق أو المقارع المعدنية لتتوكل هي مهمة ذلك ، وفي مدننا ، قام على صناعتها ، حرفيون ماهرون، من مواد وخامات كانت في متناول اليد، لتؤدي دورها المنوط بها ، وككل حاجات الإنسان، بدأ تصميمها بسيطاً، ثم تطور لتطوله التزويقات والزخارف وملحقات أخرى، حوّلته إلى عمل فني يختزل ذاكرة مرحلة ويؤرخ لها ولمعتقدات ومفاهيم وعادات ناسها. إضافة إلى مهمته الرئيسة في تنبيه الساكنين في البيت عن القادم في الخارج .

وأخذ الحرفي العربي بتُزيين هذه المطارق بالحفر البارز، بأشكال هندسيّة وزخرفيّة، لعل أشهرها ما سميّ (الأطباق النجميّة) ووصل به التفنن بها حدا أن بدأ بتطعيمها وتكفيتها ، مما منحها جماليّة وظيفيّة رائعة .

إن من المظاهر التي تمنحنا احساسا بالجمال هي تلك المفردة المعدنية التي ارتبطت بأيام خلت تلك هي (المطرقة) أو (المقرعة) التي تعد من التراث الفني العربي الذي يعكس رقي الذوق، وتطور الفن، وتقدم الحضارة.

والمطرقة عبارة عن أداة صغيرة من المعدن، تثبت على الباب الخشبي من الخارج، بحيث يمكن تحريكها والقرع على قاعدة معدنيّة لإحداث صوت يسمعه من بداخل البيت كي يفتح للطارق .

وتلعب المطرقة دوراً هاماً في آداب دخول البيت، فرضها العرف الاجتماعي للمجتمع العربي ، إذ تمنح المطرقة للطارق الضوء الاخضر في الاستئذان بالدخول، وتلغي الحاجة إلى النداء بصوت عالٍ . ثم أنها أول مفردة تقع عليها عين القادم ويده ، ما يمنحها وظيفة صناعة الانطباع الأول للقادم عن البيت، وربما يكون هذا هو المبرر الذي قاد الحرفي والنحاس الى الاهتمام بهذه المفردة العمارية المهمة مما قاده الى الاهتمام بشكلها ووصل به الحد الى زخرفتها بصورة بارزة أو غائرة وبأشكال نباتية أو حيوانية أو آدمية مكفتا اياها في بعض الاحيان بالاحجار والالوان فحملت بذلك وظيفة رمزية وجمالية في وقت واحد واستطاعت أن تؤدي وظيفتها بشكل مميز .

أخذت مطارق الأبواب، هيئات وأشكال متعددة، لكن أبرزها وأهمها وأكثرها شيوعاً، تلك التي أخذت شكل قبضة يد، مؤلفة من خمسة أصابع، وهي مفردة تراثية تطالعنا كثيرا في المنجز الحضاري العربي ، وربما اتخذت مهمة دريء الحسد عن ساكني البيت ، وهو اسلوب عربي قديم نجده في الكثير من المنجزات الحضارية العربية ، الأمر الذي يحيلنا الى التفكير أن بعض هذه المطارق، يتضمن معاني رمزيّة، لاسيما منها التي اتخذت شكل الدائرة ، هذا الشكل المشبع بالمعاني الرمزية العربية .

وبناءا على ذلك ، فقد شكّلت مطرقة الباب ميداناً مهما ، للحرفيين والمصممين ،للابتكار والإبداع، فقدموا لنا ماجادت به مخيلتهم من أشكال غير منقطعة الجذور ووضعوها ضمن قالب جمالي ينم عن ذوق رفيع .

وثمة ملاحظة مهمة فقد اتخذت المطارق على البيوت التراثية مبدأ التوأمة ، فهنالك مطرقتين ، وضعت على الباب التراثية العربية الاولى صغيرة والثانية كبيرة ،خصصت الاولى للمرأة ، مما يعد ذلك ايذانا بأن هنالك إمرأة على الباب فمن يفتح لها الباب ، هو سيدة البيت ، والثانية الكبيرة والتي تدل على أن الطارق رجلا فيفتح أحد الرجال الموجودين في البيت .

وتساهم المطارق في صياغة التكوين الشكلي للباب فهي جزء من ذلك التصميم ، في الجزء العلوي من الباب الأيسر الذي لا يستخدم عادة إلا في الحالات الضرورية وأحيانا يبرع النجار باستخدام المطرقة على جانبي الباب وتتكون المطرقة من المعدن عادة وتوضع بأشكال مختلفة وتتميز هذه المطارق بتحليتها هي الأخرى مكونة تكاملا زخرفيا لا يبتعد في تكوينه من أجواء الزخارف المحيطة بها ، سواء كانت الزخارف الخشبية أو زخارف المسند المعدني الذي تتمفصل عليه المطرقة وما يحيط بها، إذ تعد مكملات لزخرفة الباب ، وتأخذ أشكالا نباتية أو حيوانية أو على شكل قبضة يد بشرية أو تأخذ شكل حلقة معدنية .

وقد تجلت روعة هذه المفردات بالتشكيلة الجميلة لمطارق الأبواب فمنها ماكان على شكل أسد أو حيوان خرافي أو يد إنسان ، وهي جميعا تنطلق من الجذور الحضارية العربية ، كذلك فأن استعمالها كان ترميزيا فهي لاسيما الكف توضع لمنع الحسد عن ساكني البيت وهذا تقليد عربي قديم .

وتوضع عند المدخل باب رئيسة تختلف في حجمها وشكلها ونوع مادة صنعها وزخرفتها من بيت إلى آخر ويضَمن المعماري زخارف قوس الباب ببعض العبارات المتفائلة ، وهي توحي بالتفاؤل والانشراح والطمأنينة وهي أمور مهمة ينشدها الناس في بيوتهم .

نحن الان ازاء ثنائية الشكل والمضمون في المطارق المعدنية ، فقد شغلت مسالة الشكل والمضمون حيزا كبيرا من تفكير العديد من الدارسين ، بغية التعرف على الحقيقة المؤثرة لأحدهما على الآخر ومن ثم تأثيرهما في التعبير الفني ، لاسيما أن أي عمل فني هو في حقيقته يعد ضربا من ضروب النشاط البشري الذي ينشد تأكيد تجارب

وخبرات معينة ، وعلى الوجه الذي يسمح بصياغتها كتجربة توصف بالإبداع .

أما ماحير الجماليون هو من منهما يأخذ مكانة الصدارة ؟ ومن منهما يحمل لواء الفن ؟

أن المضمون ماهو إلا الفكرة قبل إنشائها ، أي قبل صبها في قالب اسمه الشكل ، ومن هنا فان هذه الثنائية (أي الشكل والمضمون )لايمكن الفصل بينهما .

في أي عمل فني يظهر الشكل والمضمون في حالة تلاحم وائتلاف غير قابل للانفصال وهما في وحدة دائمة تجمعها معا سواء كان هذا العمل فنا تشكيليا أم شعريا أم موسيقيا ، بمعنى أن السامع للموسيقى و المتلقي لعمل تشكيلي ، ليس باستطاعته أثناء تلقي العمل الفني أن يعتبر مايتأمله مضمون فقط أو شكلا بمفرده ، وإلا انتهى العمل الفني وفقد قيمته الجمالية. ومن ذلك فليس من الممكن فصل الشكل عن المضمون إلا في حالة التعبير عن احدهما حين نقول أن المضمون هو المعنى أو المغزى ، أو الصوت الداخلي للصورة الفنية في فن من الفنون.

فالتكلم عن مضمون بلا وعاء مادي يضمه ، لايفضي إلى نتيجة ، ويبقى فاقدا لعنصر الإبداع ، وتأسيسا على ذلك فان مضمون العمل الفني وشكله ملتحمان بطريقة يصعب تصورهما منفصلين ، فإذا كان الشكل هو الجسد فالمضمون هو الروح ، وهذا يكشف عن جدلية العلاقة بين كل منهما ففي الوقت الذي يتخذ المحتوى

وجوده من الوجود المادي والحسي ، يبدو الشكل بمثابة عملية تنظيم له .نحن إزاء الشكل والمحتوى (في أشكال المطارق المعدنية المثبتة على الابواب التراثية ) ولعل أهم مظهر جمالي وفني اهتم به العرب منذ القدم هو الزخرفة وكان مايدفعهم إلى ذلك هو القيم الجمالية التي تحلوا بها ، لذا فقد سما الفنان العربي في عالم الفن الزخرفي إلى مكانة عالية.

ومن المهم ذكره هنا أن اشكال المطارق المعدنية التراثية تنبع من روح وأصالة العرب أنفسهم ، فجذورها من البيئة العربية وهي نابعة منها وليس وافدة عليها .

ومن القيم التي تتحلى بها أشكال المطارق المعدنية هو الاهتمام بالبناء العام للمنظومة البصرية فالأشكال لاتختلف بمقاييسها المقررة عن أي بناء ، إذا لابد أن تكون محكمة وان تكون أجزاءها متناسقة ومنسجمة ، وذلك من خلال توزيع كتل متناظرة اومتقابلة ، متماثلة اوغير متماثلة ، منسجمة أو متضادة ، عبر تشكيل فني متسلسل . ومن الملفت للنظر أن أشكال المطارق التراثية تمتلك أسرار جمالها في ذاتها ، إذ يساعد على ذلك ماتمتاز به طبيعة التجريدات التراثية وأشكالها وعناصرها من الحيوية ، والحركة ، بفضل مافيها من قابلية التشابك والتجاور والتماس والتقاطع والتداخل وغيرها ، إضافة إلى مافيها من اختلاف المد والفصل مما هيأ لها فرص التشكل بطرق متنوعة .

ومن هنا فان شكل المطرقة التراثية هو التركيبة المادية اوالبناء الشكلي الذي يجد المعنى الداخلي داخل إطاره أو محيطه ، في حرص من منجزه ، على المحافظة على المحتوى الفكري للمعنى ، والعلاقة بين المضمون والشكل في الفنون التطبيقية تعادل هيئة الكلمة ومعناها .

فالمضمون في هذه الفنون يحدد ماهية الشكل الذي يخدم الأفكار الكامنة فيه والشكل الذي يقع عليه الاختيار لايصل منفردا ، ولا يظهر من اجل نفسه ، بقدر مايجب أن يكون تجسيدا وتعبيرا وأداة إيصال موظفة توظيفا فنيا مفيدا ، على هذا نستطيع أن نضع أيدينا على الدور المهم الذي يلعبه الشكل في مجال التكوين التراثي فبدونه لايستطيع المضمون أن يحيا ، بمعنى آخر تبقى مجرد فكرة في صفحات الذهن ، وبالتالي يعجز عن إيصال محتوياته العقلية والفكرية والثقافية إلى المتلقي عبر المنجز التراثي .

ولهذا فان الشكل لايعلن عن نفسه ، بقدر مايحمل التعبير الداخلي للمضمون من المعاني ليوصلها إلى المتلقي ، وهنا تلعب الرموز والإشارات والعناصر العلاماتية دورا مهما .

فلكل فن علامات معينة أو رموز خاصة به، تستعمل استعاريا بمعنى التعامل مع الشئ بصورة غير مباشرة ، بل بوساطة أشياء أخر ، لذا يصر فيكو على ((ضرورة وجود لغة ذهنية في طبيعة الأنظمة البشرية المشتركة عند جميع الأمم التي تدرك

جوهر الأشياء الموجودة … على نحو متماثل وتعبر عنها بتكييفات متعددة تعدد الجوانب في هذه الأشياء)).

أن هذه اللغة الذهنية تكشف عن نفسها بصفتها القوة الشمولية القادرة على تركيب البنى وإخضاع طبيعتها لمتطلبات المنظومة البصرية .

نحن الان ازاء احدى نماذج المطارق التراثية العربية :


إن النسق التراثي يمثل مطرقة من معدن النحاس ، وهي على جزئين الجزء العلوي ينبني على وحدة زخرفية مجردة تعتمد مبدأ التناظر ، أما الجزء السفلي فهو يتخذ شكل مروحة نخلية وهي

امتداد للرليفات الرافدينية القديمة في بابل وآشور وتظهر كذلك على جدران وابواب قصور سامراء التاريخية ، ثم تخرج من اسفل التجريد الزخرفي حلقة دائرية تمثل المطرقة ، بنية التصميم العام للمطرقة ينبني على تكرار رتيب ومتعاقب ، فيها بين مكونات مفردات المطرقة ، ويظهر في تنظيم الخطوط المكونة للمطرقة ، التناظر الفردي المتدرج .

وهذا يحقق للمتلقي نوع من التوازن والإيقاع ، وهناك عنصر في تصميم المطرقة تحققه خامة النحاس، من خلال وجود تباين ضوئي ، أما الحركة فمتحققة في عموم القطعة المعدنية .

ومن الجدير بالذكر أن استخدام المروحة النخلية يظهر في العراق القديم ويؤكد مكانة هذه الشجرة المعطاء . فربما يكون وجودها مرتبطا بمضامين رمزية تؤكد سخاء وطيبة ساكني البيت .

المقال السابقلماذا الان … ؟ انفلاتات
المقال التالىمتاعب المرأة المبدعة
البروفيسور الدكتورة : صفا لطفي : بكالوريوس رسم ( الأولى مع مرتبة الشرف ) كلية التربية الفنية ــ جامعة بابل 1994 ماجستير تربية تشكيلية ( تصميم زخرفة وعمارة ) ــ كلية التربية الفنية ــ جامعة بابل 1999 دكتوراه فنون تشكيلية / جماليات التصميم في الفن والعمارة / كلية الفنون الجميلة جامعة بابل / 2006 ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد