العراق : حكومة العجز الوطني القادمة !


 

رغم صدور قرار من مجلس النواب العراقي بإلغاء نتائج انتخابات الخارج ومخيمات اللاجئين واعادة الفرز اليدوي الجزئي لعدد من المراكز الانتخابية الا انه من غير المتوقع ان يطرأ تغيير جوهري على خارطة النتائج المعلنة سابقاً باستثناء حجب العضوية عن بعض الأسماء وتعويضهم بأسماء اخرى اذا ماتم تنفيذ القرار الذي يواجه عقبات ورفض من جهات عدة .. القضية ليست هنا بل في جوهر العملية الانتخابية في ظل الدستور الحالي ومعايير العمل السياسي السائدة ؛ هذا قدر تعلق الامر بالموقف المبدئي العام ، كما تكمن المشكلة من جهة اخرى في عدم واقعية وعدم عملية مايتم طرحه من تصورات بشأن الحكومة المقبلة .. اما نتيجة جهل بمعنى ومضمون العناوين التي تعلن لهذه الحكومة او عن قصد للترويج لبضاعة سياسية فاسدة ليست سوى نتاج نبت فاسد من الاساس .

ليس جديداً ان نقول ان العملية السياسية وبموجب الدستور النافذ ليست سوى عملية تفتيت للشعب الواحد واعتباره مجموعة مكونات وليس مجموعة افراد من المواطنين ذوي العضوية المباشرة في وطن الجميع على أسس متساوية . في بلدان اخرى مثل لبنان جرى الأخذ بهذه الصيغة الطائفية لاعتبارات تتعلق بمصالح دولية سبقت سقوط الدولة العثمانية التي ضمت جميع هذه الاقاليم في نظام اداري واحد . كان لبنان يضم اكبر تجمع للمسيحيين في المشرق وبذلك توفرت للدول الكولونيالية القديمة فرصة التدخل في شؤون الدولة العثمانية وفرض الحماية على مسيحيي لبنان ، وقد شكلت دعوى الحماية هذه وما ترتب عنه من تبلور شخصية مسيحية خاصة ارتبطت معنوياً كما ارتبطت بعض مصالحها بشكل او بأخر بهذه القوى الكولونيالية ، ومن ذلك تشكيل كيان خاص تم سلخه من إطاره الأشمل ، واعني هنا لبنان وبلاد الشام او سوريا الكبرى . تم فرض هذه التركيبة بعد الحرب العالمية الاولى بفعل قوة الدول الكبرى التس شكلت أركان النظام الدولي انذاك .

لم تكن هنالك تجمعات مسيحية كبرى في منطقة المشرق العربي لتفرض صيغة المكونات في تعريف شعبها ، ولذلك تفرد لبنان بهذه الصفة وأقيم نظامه السياسي وفق توصيف وتصنيف طائفي بالصيغة المعروفة للجميع وهي صيغة صمدت لبعض الوقت ، لكنها صيغة قابلة للتغيير واصبحت اليوم عرضة للشك والتساؤل بسبب التغييرات الديموغرافية الطبيعية في تعداد طوائف السكان مما يضع علامات استفهام حول مدى شرعية الاستمرار في اعتبار مسيحيي لبنان مساوين في الثقل السياسي لبقية الطوائف المسلمة مجتمعة ، وهذا يمثل احد أسباب العجز عن بناء دولة مستقرة فاعلة في لبنان ، وهي صعوبة تزداد بمرور الوقت .

في العراق لم يكن التاريخ قد قطع ذات الشوط ، ورغم المزاعم المتعلقة بنسبة النظام الذي تم تأسيسه منذ بداية عشرينيات القرن العشرين وحتى الاحتلال الامريكي الى السنّة ، وتوصيفه بانه نظام حكم سني ، الا ان الحقيقة تشير الى ان الشعب العراقي كان يسير حثيثاً نحو الاندماج والتكامل بصفة كونه شعب من المواطنين المتساوين في المواطنة الفردية المباشرة في دولة العراق . كانت العملية تسير قدماً وبوتيرة متصاعدة , وقد شهدت تداولاً للسلطة بين احزاب يقودها افراد من العامة ارتقوا في سلم المناصب والمسؤولية من أسفل السلم بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والإثنية . نوري السعيد وصالح جبر وفاضل الجمالي وجميل المدفعي والهاشميين ومحمد الصدر اسماء لامعة في سماء الوطنية العراقية قاموا ببناء وطن من ركام ثمانية قرون من الحكم الأجنبي ولم تتيسر لهم من الموارد الا القليل من موارد الضرائب والكمرك وبعض عائدات النفط ( ١٦٪‏ من إجمال الموارد المالية العامة حتى اتفاقيات المناصفة لعام ١٩٥٢) ، وقد كأنو عرباً واكراداً وشيعة وسنّة لايعرّفون انفسهم بغير عراقيتهم حتى قيام الانقلابات العسكرية بدءاً بعام ١٩٥٨ التي أبطأت من تسارع العملية ولكنها لم توقفها . هنالك أسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية فعلت فعلها ولكنها لم تصل بالبلد الى حد الانقسام على نفسه وفق خطوط طائفية ، وقد امتزجت المناطق والعوائل بالتحاور وبالتزاوج ؛ كما ان تاريخ التشيع في العراق الحديث أخذ مجرى معين له طبيعة خاصة ، فنرى ان العشائر ذاتها قد احتوت على المذهبين كما ان بعض العشائر الكبرى تشيعت فيما ظلت بيوت الرئاسة فيها على المذهب السني .. لم يكن المذهب يرتب آية استحقاقات او مزايا ولذلك ظل عاملاً مهملاً باستثناء عدد محدود من ابناء الطائفة الشيعية ذوي الاصول الايرانية التي عاشت لبعض الوقت في ظل نظام امتيازات الجاليات الأجنبية الذي الغي مع اعلان الاستقلال ؛ ورغم ان نسبة كبيرة منهم قد قدمت عراقيتها واندمجت بشكل تام بعد قبولها التجنس بالجنسية العراقية ولو في وقت متأخر بعد الاستقلال . بقيت مجموعة محدودة من هؤلاء وبفعل صلات قربى حيّة مع اسر إيرانية وبقاء باب العراق مفتوحاً امام الزوار والمقيمين الايرانيين شكلت ومازالت مصدراً للنزعات الطائفية . هذه الشريحة الاجتماعية ومناصريها من بعض العراقيين العرب تباينت فعاليتها وفق طبيعة وقوة النظام الحاكم في بغداد ، ولكن ترجمتها السياسية الممثلة بأحزاب التشيع المسيّس ظلت محدودة الانتشار مثلما ظلت نظيرتها احزاب التسنن المسيّس مثل الاخوان المسلمين او الحزب الاسلامي المنشق عنها والمموّل سعودياً ، ولذلك لم تتمكن من تشكيل المشهد السياسي في العراق مقارنة بالأحزاب القومية او اليسارية ، كما ظلت القضية القومية والتمييز الطبقي هي محركات السياسة في العراق وعناوينها الرئيسية ، ولم تكن صدفة ان يشكل الوسط الشيعي الرافد الرئيسي للحراك القومي والحراك اليساري اللذان امتزجا في احيان كثيرة ، ولم تظهر النزعات الشعوبية في اوساط اليسار وخاصة الشيوعي الا في وقت متأخر نسبياً وعلى يد قيادات ليست بعيدة عن شبهة العمالة لمخابرات غربية .

الطائفية السياسية ليست ظاهرة أصيلة في العراق بل ثوباً أُلبسناه ، رغم ان الانحياز المذهبي ظاهرة موجودة ومتأصلة على المستوى الاجتماعي ؛ لقد سلكت البلاد منذ خط الشروع درب العلمانية السياسية وفق مبدأ المواطنة المتساوية ، وهذا واضح في دستور التأسيس لعام ١٩٢٥ . الطائفية السياسية الحالية في العراق هي ثمرة ظروف استثنائية فضلاً عن كونها طائفية مُمَوّلة ، وقد استخدمت المليشيات الطائفية كآلية لفرض ذلك كواقع في البلاد وفي الحياة السياسية .

اذا أردنا الغوص عميقاً في طبيعة النظام السياسي الحالي فانه ليس نظاماً طائفياً في جوهره بل هو نظام اتحاد الفاسدين من جميع الطوائف ، والدليل البسيط والمباشر انه لم يشكل آية امتيازات لطائفة دون غيرها بل ربما أضر بطائفة الأغلبية الشيعية وحملها أوزاراً معنوية ليست مسؤولة عنها ، ودفعها للذهاب نحو الخيارات الانتخابية التي ذهبت اليها والتي ماكانت قد ذهبت اليها خلال عقود التاسيس الاولى ، وما كانت ستذهب اليها في ظروف مختلفة ووفق اطر قانونية ودستورية مختلفة .

الاقتتال الطائفي الذي حصل في العراق عام ٢٠٠٥ وبعده لم يكن سوى ثمرة عدد من العوامل البست ثوباً وتفسيراً طائفياً مقصوداً . في بلد عاش في حالة حرب لمدة تقرب من ثلاثين عاماً وفقدت في نفوس ابنائه ، خاصة ممن ادوا الخدمة العسكرية وغيرها من الخدمة المسلحة في البلاد ، قيمة وقدسية وحرمة الحياة الانسانية وفقدت قدسية تحريم القتل ؛ وهي ظاهرة طبيعية في اي بلد يعيش ذات الظروف ، تزامن ذلك مع انتشار غير مسبوق للسلاح ، ويقدر البعض ان هنالك مايزيد عن عشرين مليون قطعة سلاح في حوزة السكان من بينها عدد غير قليل من الاسلحة الحربية الثقيلة والمتوسطة مع كميات مهولة من الأعتدة وخاصة بعد الاحتلال وسقوط الدولة وانتشار ظاهرة ترك الجنود مواقعهم وترك أسلحتهم وأعتدتهم في مكانها ، وصارت متاحة للعامة وللأحزاب ولافراد العصابات والمليشيات . ثم جاء الاحتلال ليفرض صيغة المحاصصة الطائفية وجاءت تدخلات دول الجوار ذات المصالح مستغلة فراغ السلطة فنشرت العناصر الموالية لها وتوفرت موارد مالية من اكثر من مصدر .. هذه ظروف وعوامل من شانها ان تحدث حرباً أهلية في بلدان مثل سويسرا والسويد لو توفرت فيهما . الطائفية السياسية ثوبا. لم يكن مناسباً لنا ، وقد تم تأسيس الدولة العراقية الحديثة وفق أسس مغايرة لاعلاقة لها بكل ذلك . من هنا جاء فشل الحكومات في اداء مهامها وانتشرت ظاهرة الفساد بحكم انتشار الحماية الحزبية وروح الزبائنية في العمل السياسي .. هذه المعطيات لم تتغير وهنالك اطر دستورية وقانونية تكرسها ، فضلاً عن المصالح التي نشأت على مدى خمس عشرة سنة من هذا التشويه المتعمد في البنية الاجتماعية – السياسية للبلاد ، فما الذي يجعل حظ الحكومة القادمة أفضل من حظوظ سابقاتها والمعطيات هي ذاتها . يشير احد التقارير الامريكية الذي نشر مؤخراً بان القوائم الانتخابية كانت الى حد ما عابرة للطائفية ولكن ذلك في تقديري قراءة خاطئة للموقف وربما قراءة مشوبة بالتمني ، بل اكاد اجزم ان تطعيم القوائم السنية ببعض العناصر الشيعية وتطعيم الأقوام الشيعية ببعض العناصر السنية وكذلك بالنسبة للقوائم الكردية بالنسبة للعرب ، كل ذلك يؤكد روح الانقسام والمحاصصة لان هذا التطعيم في القوائم لم يأتِ في سياق التنوع الطبيعي بل لاغراض سياسية انتخابية انتهازية وهو يعكس فساد النخبة السياسية التي تحتال على المواطن الذي ينزع الى رفض وكسر القيد الطائفي الذي أذاه بشكل مباشر . اذن نحن نفرض قالباً سياسياً مشوهاً لايتناسب مع حاجات البلاد وواقعها ، بل هو قالب صنّع لاغراض معروفة وهو يخدم أغراض لاصلة لها بحاجات المواطن العراقي .

ان النظام الحالي يمر في حالة تفسخ وانحلال ولكنه يعيد انتاج نفسه من عناصر فاسدة منحلة أنتجتها عملية فاسدة من الاساس . لقد انعكس ذلك في جملة من الظواهر ولعل أهمها هي ظاهرة العزوف عن المشاركة والتي بلغت نسبة كبيرة تراوحت بين ٦٠ الى ٧٠ بالمائة وهي نسبة يفترض بها ان تثير قلق النخبة السياسية ، وهي تعني ايضاً ان من ذهب للتصويت هم في الغالب من العقائديين المنحازين وفق عوامل ومعايير طائفية وعرقية الى حد كبير وهم الذين يشكلون الكتلة الصلبة للأحزاب ، لكنهم أصبحوا اليوم أقلية . هذا ينعكس بدوره على ظاهرة صعوبة تشكيل ائتلاف حكومي خاصة وان الاحزاب الطائفية والعرقية التي تشكل ظاهرة الحياة السياسية المفروضة على البلاد قد شهدت بدورها انقساماً وتشظياً حاداً . لدينا الان المزيد من زاعمي التمثيل للكتل الطائفية والعرقية في البلاد ؛ لقد تعدد ممثلوا الشيعة ، ومثله حصل مع السنة وكذلك مع الاكراد ؛ وهذا يعكس حقيقة ان العملية السياسية بنيت على مأسسة المنافع والمزايا والزبائنية خلال الفترة الماضية ومن شأن ذلك ان يعيق امكانية تشكيل حكومة فاعلة في المرحلة القادمة تحت اي مسمى ؛ نحن نسمع اليوم حديثاً يدور حول حكومة تكنوقراط وأحياناً يضاف لها توصيفات اكثر مثل دعوة الصدر لتشكيل حكومة تكنوقراط أبوية ، والحكيم يدعو الى تشكيل حكومة تكنوقراط تمثل جميع الكتل السياسية !! فيما يدعو المالكي الى تشكيل حكومة أغلبية سياسية ، ولا نعرف ماذا يقصد المالكي بذلك وهو يعرف ان جميع الكتل ، مع استثناءات لاقيمة لها ، هي كتل طائفية وانها ان ضمت بعض التنوع فهو تنوع لاغراض انتخابية ولاعلاقة له بتمثيل المصالح الشعبية العامة . هنالك اطراف خارجية مثل الطرف الامريكي والبريطاني يدعون الى تشكيل حكومة تمثيل شامل ، اي بعبارة اخرى اعادة انتاج ذات النمط من الفشل السياسي الذي شهدته المرحلة السابقة . جميع هذه الأنواع المقترحة لن تكون ممكنة من الناحية العملية ولاسباب واضحة وبديهية .

لنإخذ قضية حكومة التكنوقراط . هذا النوع من الحكومات في ظل نظام ديمقراطي يعني شيئاً واحداً وهو ان البلاد تمر في ظروف استثنائية تستدعي من الحكومة اتخاذ قرارات صعبة وغير شعبية ، ولذلك تتم الاستعانة بطاقم وزاري من المتخصصين لاطموحات سياسية لديه ولايعتزم دخول عالم السياسة ، ولذلك فهو قادر على اتخاذ القرارات الصعبة . في الأنظمة الدكتاتورية تكون الحكومات التكنوقراطية هي النمط ، ولكن في ظل نظام ديمقراطي كما هو المفترض في العراق فانها تشكل لتجاوز أزمة والعراق يمر في أزمة بل أزمات وفي مختلف نواحي الحياة العامة وعلى مستويات متعددة .

وزراء حكومة التكنوقراط لايدخلون وزاراتهم وتحت إبط كل منهم عصا سحرية او حزمة قرارات جاهزة فهذا ليس متاحاً لاحد ، وكل مايذهب اليه الطموح هو ان يكون الوزير رجلاً على قدر كبير من المعرفة الفنية في تخصص وزارته ، وان عليه ان يستعين بجهاز وزارته من اجل اعداد الدراسات المناسبة واتخاذ القرارات في ضوئها بعيداً عن الانتماءات الحزبية او تأثيراتها ؛ اذا افترضنا اننا نستطيع تأمين وزراء على هذا المستوى من الكفاءة فهل ان ذلك متاح على مستوى الكادر العامل .. هل ابقت خمس عشرة سنة من المحاصصة الطائفية وتوزيع وظائف الدولة بمختلف مستوياتها وفق حصص حزبية وطائفية من الكفاءات الفنية ما يؤمن للوزراء التكنوقراط مايعينهم على اتخاذ القرارات المناسبة .. انا اجزم ان البلاد تخلو من هذا النوع من الكادر المتخصص ، وان هذه النوعية من المتخصصين قد اصبحت اما في المنافي او في أماكن غير مناسبة ، ونسمع اليوم روايات كارثية بهذا الشأن . بكل بساطة فان حكومة تكنوقراط ليست سوى لعبة لتمرير دورة انتخابية وحصد المنافع الحزبية والجهوية من خلال وزراء نزعم انهم تكنوقراط ونكتشف في النهاية انهم ” نهبوقراط Kleptocracy ” ، وهو نوع من الحكومات مصنف في علم السياسة وليس بدعة من عندنا . سيكونوا وزراء خبراء في كيفية الاستحواذ على المال العام وبموجب فتاوى فنية يصعب على المواطن العادي محاججتهم فيها ، وسيكونوا بالتالي اكثر خطراً من الفاسدين ” الغشمة ” الذين عرفناهم وشخصناهم بسهولة في السابق .

اما حكومة الأغلبية السياسية فهي نوع من الحكومات الشرعية بل انها من اكثر انواع الحكومات ديمقراطية والعملية الديمقراطية تفرز عادة أغلبية سياسية حاكمة ومعارضة تشكلها الأقلية . هذا النمط يفلح ويكون فاعلاً في اطار نظام ديمقراطي مستقر نسبياً ، ويفترض ان حكومة الأغلبية هي حكومة من اجل جميع المواطنين وبالتالي فانه يتعين تكريس ظاهرة المواطنة المتساوية دستورياً وقانونياً وعملياً . دستورياً يتم ذلك من خلال اعتماد مبدأ ان الشعب هو مجموعة مواطنين متساوين في المواطنة المباشرة في الحقوق والواجبات ، ولكن الامر ليس كذلك في العراق والدستور النافذ يؤكد في اكثر من عشرة مواضع في الدستور ان الشعب العراقي عبارة عن مجموع مكونات طائفية وإثنية ولايذكر المواطنة الا في فقرة يتيمة واحدة غير تنفيذية . سنكون اذن ازاء حكومة طغيان طائفة او اثنية على ماعداها ، خاصة وان الدستور هو دستور پرلماني يمنح الأغلبية في الپرلمان سلطة مطلقة على الحكومة ، ولاتوجد ضمانات دستورية لمنع الطغيان . هنالك اليات لإعاقة طغيان طائفة او اثنية في الدساتير الديمقراطية مثل تنائية مجالس التشريع بما يحقق التوازن مع ضمان حق الأغلبية في القيادة . هنالك في العادة مجلس للنواب وآخر للشيوخ او للأقاليم ، يقوم الاول على نسبية التمثيل ويقوم الثاني على المساواة في التمثيل بين الطوائف او الاقاليم او المحافظات . هنالك نص ميت في الدستور العراقي حول انشاء مجلس للأقاليم لكنه نص ناقص معيب لانه يشكل بموجب قانون يسنه مجلس النواب ويحدد بموجبه صلاحياته . اي ان سيكون ذيلاً مرهوناً بارادة مجلس النواب ان تم تشكيله وهو مالم يتم ، مما يعكس نية مبيتة على انتاج عملية سياسية غير متوازنة من شانها خلق الأزمات في كل مفصل من مراحل عملها ، وهو ماجرى بالفعل خلال السنوات التي انقضت بين الاحتلال وحتى الان .

لست بحاجة للحديث عن حكومات التمثيل الجامع فهي التجربة المرة التي عشناها وهي مأوى كل انواع الفساد والهدر والعطالة ، انها حكومة اغرب ديمقراطية في العالم واعني بها ديمقراطية بدون معارضة .

المتاح الوحيد هو حكومة لملوم وطني لاتزيد عن كونها جمع أشتات ثم يعمل كل على هواه . هذه الحكومة هي حكومة عجز وطني بامتياز بفعل نضوب موارد البلاد وتزايد حجم التحديات التي تواجهها . مازال العراق بعيداً عن حالة الفقر الاجتماعي – المادي الذي يقود الى ثورات الجياع ، ولكنه يسير حثيثاً نحو المزيد من الانقسام والتشظي على مستويات عدة . التراجع النسبي عن بلدان مجاورة موازية ، او كانت خلفه بمراحل في وقت مازلنا نذكره ، سيزيد من فرص عدم الاستقرار نتيجة الشعور العام بالاحباط ويعزز ذلك تزايد الهوة بين شرائح المجتمع ، وسيكتشف العراقيون في وقت متأخر انهم فوتوا من فرص المستقبل مالايقبل التعويض ،

شارك
المقال السابقلماذا استثنت إيران اليمن ؟
المقال التالىمحض هراء
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد