جبران هداية .. العلاقة الزاحفة بين الظلال

 

ليست شجرة المعرفة هي إنما هي شجرة الأحاسيس والمشاعر هي البداية والنهاية

هي الأنثى في كل مكان هي حواء وهي الحنان صوتها موسيقى الطبيعة عيناها بحر شفتاها أغنية وثغرها لؤلؤة وابتسامتها فجر .. هي واحة الفنانين و ملهمة الشعراء هي نزل التائهين ووطن المتعبين والعاشقين ولأن كثيراً من الأشياء تبدو أكثر جمالاً حين تختفي خلف ستار على لوحات جبران كان الخيار ..

غامضة شخوصه كما الظلال عميقة كما العيون شفافة كما الماء منعشة كما الهواء صقيلة وملساء كما مرآة أزيل عنها غبار السنوات فصارت تعكس هدوءاً وسكينة غياباً وحزناً شفافة أجواؤه الرومانسية تذكرك بشخوص (جبران خليل جبران ) ولعل للاسم أثراً في هذا التشابه وفي الإنسان جبران هدايا يعيد رصانة وجدية عصر النهضة ويفتح لها باباً عبر شح لوني من مراحل بيكاسو الزرقاء ثم يمد حبالها إلى زمن صارت الطبيعة فيه نافذةً ومربعاً و صارت الورود تزرع في بيوت من البلاستيك على تخوم الواقع يقف جبران هدايا ليشعله ببطء ودفء وبحس رومانسي يغوص في عمق العلاقة الزاحفة بين الظل والنور ليقدمها عبر أقصى حدود التناغم التي تنقلك بسلاسة إلى أرجاء لوحته فلا خط أو لمسة لونية يمكنها أن تعكر صفو الغياب أو توقف الانبعاث الذاتي للضوء من العمق ومن خلف الظلال سعياً لتأكيد الجمال الروحي وذلك البعد النفسي لشخوصه وخصوصاً حين تنعكس الإضاءة الصفراء لتذكر بضوء الشمعة وأجواء رامبرانت

كما نجد الأنثى في لوحاته تتموضع ضمن تكوينات وحركات أخذت من على مسرح الحياة لتضفي تعبيراً درامياً هادئاً و مؤثراً وتبقى السطوح مساحة للصفاء والنقاء عبر ما تعكسه من صمت وهدوء وعبر نسيجها الأكثر رهافة ونعومة والذي يحقق تلك القيمة الجمالية في أعماله جبران يتماهى مع الخطوط الدقيقة عند حدود الشكل وهو يلخص مختزلاً كل الزيادات التي لا يمكن لها أن تخدم فخير الكلام ما قل ودل وأنجع الطرق تلك التي تحقق الحل ( معادلة الجمال )


أقول هذا رغم تخميني بأن جبران غير مباشر و لوحاته تخضع لدراسات واختبارات عبر رسوم وسكتشات تتناول الخط والتكوين و المساقط الضوئية وقد تبدو للرائي في كثير من الأحيان وكأنها تعتمد تقنيات أخرى بعيداً عن الفرشاة كالبخ والتوشيح و…الخ

وإن سمح لي أن أتمادى فهو عبر كثير من الانتظام والانضباط يوحي ببداية رؤية هندسية وكأنه يسعى لتأكيد جماليات كان قد تم القفز فوقها عند المرحلة الفاصلة والجامعة من كلاسيكية عصر النهضة إلى الأجواء النفسية لرامبرانت وإلى ملامح قبيل انبثاق الفكر التكعيبي واستناداً إلى رسومه أقول : إن الترتيب والأناقة هما صفتان ملازمتان لتلك الشخصية التأملية وإن الجواهر التي تنبعث لا تخرج قبل أن تخضع لاختبار يقيسها ويصقلها ويخرجها بأجمل صورة

وأخيرا أقول جبران لا ينقل عبر رومانسيته الواقعية جملةً معادة أو كلاماً سبق إليه لو أنه قيل بذاك العمق الذي يكفي تطلعاته إليه إنه يعيد إحياء زمن ما ويصوغه على خلفيات ومساحات تشير إلى هذا الزمن

لا تعليقات

اترك رد