أحلام مؤجلة


 

كان صدري يعلو و يهبط كموج البحر بينما كانت عيناي غارقتين في الدموع، شيء غريب يشدني يحاورني، يجادلني، و لكن رغم براعتي ، إلا أنني أتوه في مرمى السؤال لا أعرف أين المرسى.
وكعادتي كل يوم أطل من غرفتي الوردية و أجلس على كرسي خشبي لطالما هو الآخر كان يشاركني روعة المشهد و حضور الأحاسيس. و أنا أراقب القمر و النجوم تنشطت ذاكرتي من جديد، الذاكرة التي اختمرت بالحيرة القاتلة ما زالت ترنو إلى شمسها التي نبت عليها الشوق.
كانت صورته العالقة على جدران الذاكرة تشدني و أتوه في زحمة التفكير و الرد على الأسئلة، أغرق في عفوية المشهد و تأخذني الدهشة طويلا، ما زالت الكلمات العالقة تتردد على مسامعي وهن يتحدثن عنه،… شاب وسيم الوجه شديد الحياء طويل القامة، وأما ضحكته فكانت تملأ المكان.
جميل …نعم جميل أفقت من حلمي و أنا أردد ،…نعم جميل ..، وكلامه جميل كانت النافذة التي جمعتنا تعلن غرابتها لوحشة المشهد.
فتحت جهاز الحاسوب لعله يطفئ مشاعر الوهم و الحيرة ، كانت دقات فلبي تتسارع ولهفتي كمجداف بحر ، وأنا أستكشف الرسائل لأطمئن عليه ، وإذ بنافذة جديدة تظهر
* صباح الخير للغالين
* كيف حالك يا حلوة
يدي المرتجفة لم تسطع أن ترد و أفكاري المشوشة يكتنفها الذهول ، سادت برهة من الصمت ، أفقت من خلالها على اشارة تنبيه أرسلتها ياسمين.
* ما بك يا نرجس
* لا شيء ولكن …؟؟
* ولكن ماذا .. أفزعتني .. تكلمي
* ما الذي حصل ؟؟؟
* لا شيء لا شيء
* نرجس أنا صديقتك و أعلم الناس بك ، أفهمك دون كلام و أقرأك دون حروف .
* أخبريني يا عزيزتي
و بتنهيدة عالية كانت تسابقني الحروف و أنا أكتب لها :
* إني حائرة كالمركب الذي يعوم وسط البحر و لا يعرف طريق النجاة.
* لا عليك يا صديقتي ، فالحياة كأمواج البحر ، بين مد و جذر فتمسكي بقارب الصبر
و بعفويتي البسيطة كانت دموعي تنهمر كالسيل فهي لا تعرف إلا مرارة الأسى، برهة من الصمت و إشارة تنبيه، جعلتني أفيق من غفوتي و أمسح دموعي بمحرمة بيضاء كانت على طاولة الحاسوب..
فأجبت بإشارة تنبيه دلالة على وجودي، ثم تابعت حديثي على النافذة معها:
* ياسمين يا أعز الأصحاب ، إنني أبحث عن نفسي التائهة في لجة البحر، علني أعثر على مركب يوصلني إلى شاطئ الأمان. و لأنك صديقتي الغالية التي أستودعها أسراري فلم يعد صبري يحتمل الفراق و الجلوس مثل تمثال أصم، فالبحر الكبير يحمل الموج الهادر الذي يبعث الاستمرارية، أفتش عن قلب في صدف البحر يحمل اتساع المسافة و عمق المحبة و لهفة القلوب التي تشتاق لرؤيته.
وفجأة رن جرس الهاتف، كان صوت ياسمين يبدد وحشتي و يشرح صدري و هي تقول : ما بك يا غالية …نرجس، اسمك يعبق بالمحبة و روحك تفيض بالمشاعر، ومهما تلبدت أحاسيسك فالغيوم ستزول وسيزهر الفرح يا نرجس…
ضحكت من كل قلبي و قلت بصوت متهدج:
* نعم يا عزيزتي ياسمين بين الحيرة و الألم مشوار القلوب، و بين الفرح و السعادة ترتسم خيوط الأمل…
وعلى الفور أجابت ياسمين:
* اخبريني بكل صراحة بماذا تفسرين ذلك ؟؟؟؟
* قلت: إن أسلاك القلب المتشابكة تعيش وسط جوقة من الأحاسيس التي تذوب ببراءة القرنفل و صفاء الياسمين و لكن أين نجدها يا عزيزتي…
* تنهدت هي الأخرى وقالت: السعادة في النفوس يكللها الحب و يغمرها الصدق و أما نبعها فهو المشاعر.
* عندها علت وجهي ابتسامة خفيفة و قلت: ليرى الآخرون و ليدركوا أن الغربال لا يخفي الشمس عن عيوننا و أن من يرقص على جمر العذاب ليس كمن يطبع ابتسامه هنا و أخرى هناك ليكون سراب الوهم في النهاية..
كانت ياسمين تصغي إلى كلماتي و هي تقول: يا الهي كلامك اليوم عذب و يشدني كثيرا، أتعرفين للوهلة الأولى و كأني أتعرف على كاتبة كبيرة ،ضحكت من كل قلبي بينما كانت ضحكتها هي الأخرى تلامس أصداء الروح .
* وهي تقول : نرجس.. أحلامنا الوردية.. براعم بيضاء و صفحة نقية كالياسمين وكلما فتحنا أبوابها الموصدة، أدمانا العشق أكثر و يبقى البوح خلف الأسئلة و تلهث وراءه علامات الاستفهام … زمرد يحبك يا نرجس .. تصبحين على خير
عندها حررت أحاسيسي من قيد السؤال و إذ بصوت ينادي نرجس…. نرجس، أين أنت ؟ التفت إلى الوراء وكان صوت أمي يسدل ستاره على الحديث الذي طالما أحببت أن يطول.
و كعادتها ربتت على كتفي وبصوتها الدافئ قالت : أما زلت جالسة أمام الحاسوب يا ابنتي … لقد مضى وقت طويل و حان وقت النوم….عليك أن تعطي الجسم حقه من الراحة… تصبحين على خير
و أنت من أهل الخير يا أمي الغالية … لن أتأخر بضع دقائق و سأغلق الحاسوب – حسنا يا ابنتي .. سأذهب للنوم لأني تعبت اليوم كثيراً
وفي الصباح الباكر نهضت كعادتي إلى فسحة البيت بينما كانت تهب نسمات عليلة تعبق برائحة المحبة كنت أدندن بموشح يلامس خلجات قلبي و أحبه كثيرا :
يا مليح اللمى وحلو التثني
وجميلاً جماله قد فتنّي
أي ذَنْـبٍ جرى فديتك مني!
ما الذى أوجب انقطاعك عني؟
أدلالاً هجرتني أم مَلالاً؟
أم صدوداً أم قسوة أم تجنّي؟
لا تبلغ أعدايَ فيّ مُناهم
أنت قصدي وأنت كل التمني
فما زال الحلم ينام في جفوني وكم تمنيت أن تبحر بي ساعات الليل، لكي لا أصحو من غفوة الحلم الوردي، توقفت عند السور و التفت إلى الوراء مددت يدي إلى شجرة الياسمين ضممتها إلى صدري نظرت إلى الساعة فكانت عقارب الوقت تسرقنا بجمالها الأخاذ… يا الهي لقد حان وقت التحاقي بالجامعة….و أثناء سيري وعند عتبة الباب وجدت رسالة و بداخلها وردة حمراء قلت بداخلي لعلها منه ، وأكملت طريقي إلى الجامعة و التقيت صديقتي ياسمين وبحت لها عن المشهد الصباحي استغربت ياسمين هي الأخرى وارتسمت علامات الاستغراب على وجهها إلا أنها سرعان ما ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: سخافات مراهق !!!
* أجبتها على الفور : أتعتقدين أنها من زمرد
* أجابت و علامات الاستهجان على وجهها : زمرد ..
* لا أدري منذ فترة طويلة لم أره ، رغم أننا جيران .
و في اليوم التالي كان حدسي يشدني نحو الباب و خرجت مسرعة لربما وجدت رسالة ثانية تفسر الرسالة الأولى، ولسوء حظي لم أجد شيئا، فهمست في قرارة نفسي : الإمتحانات على الأبواب و يجب أن أشد همتي ، فهناك بحثين لم أنجزهم بعد وسرعان ما عدت إلى سريري بعد أن تذكرت أن اليوم هو يوم عطلة فغلبني النعاس ولكن صوت الهاتف المحمول كان مزعجا ً بين الحلم و الحقيقة كانت تتدفق الكلمات ….
* ألو : نرجس اليوم رأيت زمرد
* وعلى الفور قاطعتها : أين رأيته ؟؟
* على مهلك بالك .. المفاجأة كبيرة
* أية مفاجأة .. تكلمي .. أعصابي تحترق .. تكلمي
* رأيته يخرج من بيته بصحبة فتاة
* هههه … لربما أخته … أرعبتني
* يا هبله .. ليست أخته ، فأنا أعرفهم جيدا … أنسيت أنني جارتهم و أخته جواهر هي زميلتي …
كانت كلماتها كالصاعقة ، لا أدري ماذا أفعل ، و قلبي ينكر كل ذلك ، إلا أن عقلي يقول : معقول .. معقول زمرد يفعلها ، ( بدأ الفأر يلعب بعبي )
و كانت الصدمة الكبرى عندما رأيتهما في حديقة الجامعة يجلسان على ذات الكرسي الذي طالما جلسنا عليه نحلم بيوم يجمع القلوب على المحبة لم أتمالك نفسي و لم أصدق عيناي من ذهول المشهد ، لم أفق إلا و أنا أرقب سقف الغرفة وهو يتمايل ، توقعت أنني أحلم فبدأت أتحسس شراشف السرير ..
يا إلهي ما الذي أتى بي إلى هنا و على الفور وجدت صديقي أسعد يقول : لا عليك .. المهم أنك بخير .. الحمدلله كل شيء على ما يرام .. و الحمدلله على سلامتك
* لم تجبني … !!! ماذا حصل ؟ ولماذا أنا هنا
* ارتاحي لا عليك ، المهم انك بخير
* أزمة عابرة ، يبدو أنه إرهاق و تعبى فأصابك دوار ، نتيجة السهر الطويل و لا سيما أننا على أبواب الامتحانات .. لو سمحت أريد رقم والدتك
* والدتي .. وماذا تريد منها
* أريد أن أطمئنها
* لا عليك ، فالحمدلله أنا بخير
* ولكن الدكتور قال يجب أن تبقي تحت المراقبة و يجب أن يكون لديك مرافق
* حسنا لا أريد أن أقلق أمي فوضعها لا يحتمل و لا سيما أنها مريضة لا عليك سأتدبر أمري.
* ودعني و عيناه ترقبني و كأنه يشاهدني للوهلة الأولى .
* وفي صباح اليوم التالي خرجت من المشفى بعد أن أخبرني الطبيب بأن أبتعد عن كل شيء يستفز مشاعري و أحاسيسي ، فما زالت كلماته تتردد على مسامعي : الإنسان كتلة من المشاعر و الأحاسيس ، ومن منا لا يتأثر ، و لكن الصدمة قاتلة أحيانا و قد تودي بصاحبها .. انتبهي لنفسك يا ابنتي وتدور عجلة الزمن و تمضي الأيام و ما زال القارب يتمسك بالصبر ، و أمي المسكينة يشغلها همي في كل كبيرة و صغيرة ، كان صمتها هذه المره على غير عادته فهي تستمع لي و أنا أبوح لها بأسراري ، قاطعتني بنبرة يعلوها الحزن :
* ابنتي الوحيدة .. نرجس أعرف مدى حبك لزمرد و لكن يا ابنتي من يبيعك لا تسومه .. ومن يقفي لا تناديه .. حتى لو كان قلبك يعشقه
* الله يا أمي كلامك درر
* بنتي أم أسعد اليوم زارتنا و تريدك لابنها أسعد فماذا تقولين
* كانت أمي ترقبني بفارغ الصبرو لا أدري ماذا أقول ، فما زالت تحت وقع الصدمة التي لم أشفى منها بعد ، ولكن صوت أمي بدد ذهولي و هي تقول :
* فكري يا ابنتي ، إنه مستقبلك و أسعد رجل شهم و يحمل كل الصفات الطيبة التي تجعلني أرشحه لحبيبة عمري و ابنتي الغالية نرجس ، و العمر يمضي يا ابنتي بلحظة عين و أريد أن أرى أولادك .. أحفادي .. قرة عيني
* لم يهدا بالي بعد و الأمور تختلط بذاكرتي التي تريد ان تنسى كل شيء ، و يا سمين على غير عادتها لم تتصل هذه المره ، فبادرتها بالاتصال علني أجد لديها ما يشفي جروحي ، تحدثنا طويلا و بحت لها بكل ما يدور بخلدي وكان رأيها مطابقا لرأي والدتي و شجعت الفكرة ، وعندما عدت في المساء ، دخلت غرفتي و جلست على سريري و كانت دموعي تبلل خدي ، دخلت والدتي و مسحت بمحرمتها دموعي
* و قالت : لا تبكي على رخيص ، بل اجعليها دموع فرح لغالي . ما رايك ؟؟؟
* لم استطع ان أنطق ولو بحرف واحد
* قالت أمي : السكوت علامة الرضا يا ابنتي … على بركة الله
و أقيمت الأفراح و الليالي الملاح ابتهاجا بالخطوبة و بعد مرور شهرين أقيمت مراسم الزواج و فرح أهلي و كانت مناسبة جميلة لتجدد المحبة و الالفة بين الاهالي والاحباب الذين تم دعوتهم للحفل ، و تمضي الأيام و يكبر ولدي أديب و تعود الحكاية إلى البداية فهو لا يخفي عني أسراره عني و لطالما صارحني بفتاة أحلامه التي حدثني عنها طويلا ، أحلام كانت تعني له كل شيء ، وككل أم تريد لابنها السعادة ، فتشت عنها وكان وقع الصدمة كبير ، لم يتحمله قلبي عندما اتضح الأمر بأنها ابنة زمرد وأنه توفي منذ عامين بمرض عضال ، كان وجهي الشاحب يثير التساؤل في نفسه عندما سألني : أخبريني يا امي الحبيبة ، هل سالت عنها ، هي من عائلة راقية ، و أبوها متوفي و حالتهم المادية ممتازة و هي وحيدة لوالدتها ..أنا متأكد أن أخلاقها الحميدة و سمعتها الطيبة ستعجبك .
سادت برهة من الصمت ، لم أستطع أن أجيبه ، رمقني بنظراته الحزينة واتجه إلى غرفته وتبعته على الفور و وقع نظري على ذات الظرف و الوردة بداخله ، يالله مضى ربع قرن على ذلك ولكن ما الذي أعاد الظرف و الوردة ، و بلهفة و شوق يعلوه علامة الاستفهام قلت : ظرف وورد
* نعم يا أمي ظرف وورد
* أبي يعرف كل شيء عن علاقتي بأحلام وهو من اشترى لي الورد و الظرف ، كلماته أوقدت ذاكرتي من جديد و أجابت على أسئلة حيرتني طويلا و أنا أبحث عنها ، و سرعان ما قطع سلسلة افكاري بقوله : أمي هل هذا عيب
* لا يا يني سأفتح الموضوع مع والدتها ..
كانت الدنيا تعيد أفراحها في قلبي و انا ارى لهفته و شوقه لذلك اليوم الذي يتحقق فيه الحلم وفي مساء اليوم التالي ذهبت برفقة جارتنا أم احمد التي كانت تربطها علاقة وطيدة مع ام احلام وبفضل من الله كان كل شيء يسير على ما يرام و حددنا موعد الخطوبة التي انارت سماء المدينة بأفراحها وذات مساء بينما كان يجلس مع خطيبته و الضحكات تتعالى بادرني بالسؤال من جديد :
* أمي .. ياغاليتي .. أتذكرين عندما دخلت إلى غرفتي ووجدت الورد قرات في عينيك أشياء لم أستطع تفسيرها …
* فأجابت خطيبته : أديب الورد للورد .. وخالتي أجمل وردة في عيوني
* عندها ضحكت من كل قلبي وقلت : تسلم عيونك حبيبتي الدنيا دولاب و أحلامنا المؤجلة هي بارق الأمل يا ابنتي و الحمدلله عندما يتحقق جزء يعني الكثير ..حكاية سأرويها لأحفادي فيما بعد .

المقال السابقالرؤيا البصرية والصراع الفني
المقال التالىحوار مع الشاعر الليبي عبد الباسط أبوبكر محمد
مريم كريم قاصة مغربية من مواليد الرباط ، المغرب- حائزة على شهادة في المعلوميات و شهادة من الهلال الأحمر - شهادة جامعية في الدراسات العامة تخصص القانون العام . - وشهادة الماجستير تخصص التدبير الاداري والمالي بجامعة محمد الخامس الرباط-اكدال. ومشروع دكتوراه شعبة القانون العام والعلوم السياسية. قاصة ....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. نص جميل ، وحبكة متقنة
    و أحلام تغفو في العيون
    توقد من صبرها أملا بأن القادم أجمل
    دمت ودام يراعك

اترك رد