الرماد أدهى من النار لو حركته الأصابع


 

يخرجون إلى البر ليستنشقوا الهواء العليل في الفضاء الطلق، ويضرمون النار فتهب ألسنة اللهب وكلما تثاءبت النار اضرموها من جديد. يتسامرون ويتهامسون ويعبثون بالبر ويحركون الغبار الساكن. وحين يهمون بالرحيل على عجل يردمون النار بالتراب ولا يدرون بأن النار التي خلفوها ستصير إلى رماد؛ والرماد لو حركته الأصابع من تحت الثرى أدهى من النار الملتهبة.

كثير من البلدان العربية إن لم يكن أغلبها تعيش مثل هذا المشهد الذي أوردته؛ كبار الساسة أو الطغاة يحسبون بأن النار التي هبت في زمن ما قد انطفأت.

لقمة العيش هي الشعرة الرفيعة التي قد تنقطع في أية لحظة ما بين المواطن والدولة وهي الشرارة الأولى التي إذا اندلعت لن تخمد نارها.

معظم البلدان العربية تعيش في وضع مزرٍ، وبعضها يعيش تحت خط الفقر بأمتار؛ والشعوب العربية لا تحلُم بأكثر من لقمة العيش ورغيف خبز حتى وإن كان ملطخاً بالسواد؛ فحين يصبح النزاع حول هذا الرغيف حينها لن يتردد الشعب مهما كانت نسبة الخوف لديه مرتفعة أن يحرق الأخضر واليابس فلا يخاف مما يخسره بعد أن خسر آخر ما يملك.

لقمة العيش البائسة هي التي تجعل الشعوب النامية والنائية عن الحضارة والحياة أن تصبر على ظلم حكامها الطغاة وهي التي تجبرهم أن يغضوا النظر عن سلب الدولة لحقوقها والأيادي التي تندس في جيوبها لتسرقها؛ وهي التي تجعلها تتغاضى عن فساد الوزرات والقائمين عليها لكيلا تدخل في صراع مع الدولة وتكون المواجهة من أجل لقمة العيش.

قد يضطر الشعب المقهور على أن يجامل ويرائي وينافق الحكومة والحاكم، وربما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فيمجد الطاغية ويسجد لصورته ويعلق له التماثيل ويرقص طرباً ويبكي دجلاً حين يمر موكبه ولا تترد بعض الشعوب في أن تجعل من الحاكم إلهاً تعبده وتقدسه وتمجده ويبنون له صرح كصرح فرعون؛ لكن حين يصل الأمر إلى رغيف الخبز وتحاول الحكومة أن تجوع الشعب حينها يتحول الشعب إلى ذئب مجروح لا يمنعه أي خوف من أن يفترس اليد التي تمتد إلى رغيف خبزه.

الشعوب العربية لا تثور من أجل نيل الحرية، ولا من أجل الديمقراطية المزعومة فهما آخر ما يعنيها ويهمها، وهي لا تقوم بمظاهرات من أجل التوصل مع حكوماتها لتسوية حول الترف والرفاهية لأنها اعتادت على سلب حقها في التعبير، وتأقلمت وتآخت مع الظلم والتنكيل؛ إنما تثور وبحرارة وبصدق مشاعرها من أجل لقمة العيش، ومن أجل أمور بسيطة جداً قد تجاوزتها الأمم الأخرى منذ عقود طويلة. فكما أن الحكومات العربية ومخابراتها تملك الذكاء والدهاء في تقفي آثار هواجس مواطنيها وتعرف أدق التفاصيل عنهم وتعرف كيف تتعامل مع المواطن؛ كذلك فإن الشعوب العربية منذ الأزل هي تملك هذا الذكاء وتدرك بأن صراخها وعويلها واعتصامها واحتجاجها كله سيذهب أدراج الريح ولا يحرك ساكناً.

من خلال المشهد السوري استطاعوا أن يجعلوا من الأزمة السورية نصاً وسيناريو تم ارساله على شكل رسالة جماعية لكل البلدان العربية وجعلوا من مأساة الشعب السوري عبرة لمن لا

يعتبر، وقدموا لهم المشهد الحي والمباشر والمصير الذي سيؤول إليه كل بلد يفكر في أن يرفع رأسه وصوته بوجه حكومته وقد نجحوا في ذلك وببراعة شديدة واليوم لم تعد فكرة المظاهرات والعصيان ضد الدولة تراود أي بلد بعد أن رأت البلدان الأخرى بأن نصف الشعب السوري أصبح مهجّر، ولاجئ، ومشرد، وجائع، ومُهان من قبل بعض البلدان التي اضطرت إلى فتح حدودها له.

وكذلك هو حال الشعب العراقي وإن كان الامر أخف وطأة في ظاهر الأمر لكن باطن الأمر يوحي إلى أن الشعب العراقي ما يزال يعيش في صراع مرير وشتات كبير والعراق في حقيقة الأمر ليس أحسن حالاً من سورية.

انتقالاً إلى المشهد اليمني والجوع والأمراض والفقر والفوضى التي عمت أراضيه كلها كفيلة بأن تكون عبرة لباقي البلاد.

ما يحدث اليوم في المملكة الأردنية قد يبدو في ظاهره حالة عابرة وسوف تزول وتعود الحياة إلى ما كانت عليه وكأن شيئاً لم يكن.

* لكن ماذا لو أصرت الحكومة على عدم الاستجابة لمطالب الشعب في إلغاء الضرائب وعدم رفع الأسعار؟

* ماذا لو أن الشعب الذي يعاني من اختناق اقتصادي وظروف معيشيه صعبة أعجبته فكرة الاصطدام مع الدرك؟

* ماذا لو أن الأيادي العابثة قد امتدت إلى ذاك الرماد المدفون تحت الثرى وحركته لتشعل النار في الهشيم؟

حين لا يبقى لدى الإنسان ما يخسره لن يتردد في أن يفعل كل شيء ويتمرد على كل شيء، إن لم تدرك الحكومات العربية والقائمين والفاسدين في قطاعاتها بأن لقمة العيش لشعب لا يملك في بلده إلا لقمة العيش هي الشرارة التي ستحرق البلد وتدخله في متاهات هو في غنى عنها.

الأزمة السورية بدأت بمظاهرات سلمية وأناس اندفعوا بعاطفة ليطالبوا النظام بالإصلاح ووضع حد للمتهورين والفاسدين ومن ثم انتهت إلى دمار شامل لبلد كان يعيش في سلام وأمان وأصبحت سوريا مأوى لكل الشياطين والمنحرفين. وكل هذا كان من مجرد حادثة كان من الممكن للحكومة لأن تتداركها وتخمد النار قبل أن تشتعل.

لكن الحقيقة بأن ثمة أصابع خارجية هي من حركت الرماد في الداخل؛ وهناك أصابع سوف تظهر في المملكة لتحرك الرماد إن لم تسارع الحكومة إلى قطع دابرها بحكمة وروية قبل أن تصل إلى داخل المملكة الأردنية وقبل أن تنطلق الشرارة الحارقة التي إن اشتعلت لن تنطفئ وسوف تدخل المنطقة في أزمة معقدة فالأردن بات ه هو المرفأ الأخير وآخر الموانئ التي ترسوا فيها سفن اللاجئين والمتضررين من حروب بلادهم.

من يشرب من كأس مذاقه علقم، ويتذوق المرارة، لن يتمنى لغيره أن يشرب من كأس العلقم؛ وبالمقابل على الحكومة أن تتفهم غضب المواطن المقهور وتأخذ شكواه بعين الاعتبار ولا تتركه يصرخ ولا آذان تصغي لصراخه فلو تعاملت الحكومة مع المواطن ببرود وازدراء كبير لن يتردد في أن يعود إلى إنسان بربري متوحش. في كل بلد عربي هناك رماد مدفون تحت التراب والحكومة التي لا تدرك حقيقة رماد الشعب المقهور هي لا تعرف أي شيء عن شعبها.

أيها الحكام والقادة العرب، أدركوا مأساة شعوبكم قبل فوات الأوان؛ فلم يعد في جسد الأمة متسع لجرح جديد.

المقال السابقالنفط، تحليل للسوق – ج4
المقال التالىقراءة حقيقة ما جرى مما اسموه انتخابات وما ينتظر من بديل
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد