المؤثرات الفنية للبناء الدرامي


 

يتطلب البناء الدرامي، حتى يكون مؤثراً من الوجهة الفنية، أن تتوافر فيه بعض المؤثرات الفنية التي تضمن له التدفق والحيوية. ويمكن التعرف على أهم هذه المؤشرات من خلال دراسة ثلاثة مؤثرات رئيسية هي: “الحركة أو التطور، والتشويق، والتنوع أو التباين” ونوضحها في الأتي:
أ – الحركة أو التطور:
إن عناصر الحركة في البناء الدرامي تعني تغيراً وتطوراً في الأحداث والشخصيات، من موقف إلى آخر، وفقاً لمبدأ الاحتمال والضرورة، أي احتمال أو حتمية حدوث التغير، إلى وضع جديد في شكل الأحداث المعروضة. والحركة بهذا المعنى تمثل ضرورة فنية للسيطرة على انتباه المتفرج، حتى لا يشعر أن الصراع أصبح ساكناً أو جامداً، أي فقد خاصية الحركة.
ويقوم عنصر الحركة في البناء الدرامي على علاقة دياليتكية، بين الشخصيات في مواجهة الأحداث، من ناحية، وبين الشخصيات في مواجهة بعضها بعضاً، من ناحية أخرى. فالحدث يجب أن يتطور إلى شئ جديد، كي يدفع الشخصية إلى التصرف. والشخصية يجب أن تقدم شئ ما إزاء الموقف الجديد، كي تدفع الحدث إلى الأمام، وتوجد خلق موقفاً جديداً آخر.
وعلى هذا فإنّ توقف تطور الحدث، أو جمود الشخصية، أو ترددها الزائد، أمام الموقف الجديد، يعني أن يتعثر عنصر الحركة، ويتسم الموقف بالجمود. وإذا ما امتد ذلك إلى الجزء الأكبر من البناء، فإن الصراع يفقد فاعليته، ويتحول إلى ما يسمى “الصراع الساكن أو الجامد”. ويعني الصراع الساكن أنه على الرغم من توافر القوتين المتضادتين اللازمتين له، فإنهما لا يلتحمان ولا يتصارعان بما يكفي لحدوث الصراع، ويفقد البناء ـ من ثم ـ أهم ما يجب أن يقوم عليه.
ب – التشويق:
يعد عنصر التشويق أحد الدعائم الرئيسية، التي يرتكز عليها البناء الدرامي، للاستحواذ على انتباه المتفرج، واندماجه مع الأحداث والشخصيات، ثم تأثره بها. وهناك فارق كبير بين وضع المشاهد، وهو يعلم أو يتوقع مقدما تطورات الأحداث وتصرفات الشخصيات، وبين أن يكون في وضع المتشوق للمعرفة.
فالتشويق هو فن إيجاد الرغبة المستمرة لدى المشاهد، لمعرفة ما سوف يحدث. ولكي يستمر عنصر التشويق فعالاً، فإنه يرتبط بفكرة المفاجأة، أو الصدمة. فجزئيات الخط الروائي، يجب أن تنقل المشاهد من مفاجأة إلى أخرى،عند نقاط معقولة من السّياق. فالإيحاء للمتفرج بحدوث شئ ما، ثم عدم وقوعه، أو أن هذا الشيء سيحدث بطريقة معينة، ثم يقع بشكل آخر، أو أن يتوقع المشاهد أن نتيجة معينة سوف تترتب على وقوع الحدث، ولكن النتيجة تأتى بشيء مغاير، أو يصبح المشاهد أمام أكثر من احتمال لما سينتهي إليه موقف ما، دون القدرة على القطع بواحد منها، فكل تلك الاستخدامات تزيد من شوق المتفرج للمتابعة، وترفع درجة الترقب والانتظار والقلق لديه، بحيث يظل مشدوداً لمتابعة تطور البناء الدرامي حتى نهايته.
جـ- التنوع أو التباين:
يُعد التنوع مبدأً فنياً مهماً تأخذ به كل الفنون، فهو يمثَّل التباين بين جزئيات العمل الفني ومؤثراته، بحيث لا تنطبع كلها، أو معناها بصورة واحدة أو شكل واحد. فالتنوع ضرورة فنيه يترتب على إغفالها احتمال اختلال البناء ككل، وانصراف المشاهد عنه.
والواقع أن تحقيق مبدأ التنوع، يتحقق في أنواع متعددة في البناء الدرامي، أهمها :
(1) التنوع في تكوين أجزاء السيناريو ومشاهده، فلا تكون معظمها، أو جزء كبير منها، على وتيرة واحدة، حتى لا يفقد البناء الحيوية والفاعلية اللازمين للسيطرة على انتباه المتفرج.
(2) التنوع في الإيقاع: فالطابع العام لإيقاع البناء ككل، بما تحدده طبيعة الصراع، لا يعنى بقاءه خاضعاً لنموذج واحد من البداية للنهاية. فإذا كان الإيقاع البطيء هو السّمة العامة للبناء، فينبغي تدعيمه بلمسات من إيقاع سريع بين الحين والآخر، حتى لا يتسرب الملل إلى سياق البناء، والعكس صحيح. فالإيقاع السريع كطابع عام ينبغي أن يتضمن لحظات من الإيقاع البطيء، بين الحين والآخر، حتى لا يلهث المتفرج في متابعة أحداثه ويشعر بالإرهاق، الذي لا يمكنه من ملاحقة تطورها، فيفقد بالتالي متعة المشاهدة.
(3) التنوع في المزاج النفسي: أي الجو النفسي الذي يمثل الطابع العام للبناء ككل، فالطابع الحزين، أو المأساوي، لا يعنى أن يسود كل العمل، بل نبغي تلطيفه بلحظات مرحة أو خفيفة بين وقت وآخر، للتخفيف عن المشاهد، والعكس صحيح، فإذا كان الطابع العام للمزاج النفسي مرحاً، فإن ذلك لا يعنى أن يظل المشاهد غارقاً في موجة من الضحك، من البداية للنهاية، دون توقف.
(4) التنوع في الشخصيات، أي توازن الشخصيات في مواجهة بعضها من ناحية، وداخل فصيلة النوع الواحد، (كما سبق الإشارة إليه)، من ناحية أخرى.
(5) التباين بين المعاني الدرامية الرئيسية داخل البناء، لتأكيدها وتقوية تأثيرها. فالمبدأ هنا هو أن تأكيد أية قيمة فنية، أو معنى درامي، يكون أكثر فاعلية، وأقوى تأثيراً، عندما تتم موازنته وتباينه مع قيمة، أو معنى مضاد.

لا تعليقات

اترك رد