النجم العالمي غازي التكريتي


 

بالأمس وقف رجل بعينين ثاقبتين ووجه يقطع السيف وصوت يخترق الجبل وقامة تصارع النخل ,اسمر أو يكاد أن يكون أسمر ,بعينين لونهما اجمل وأبهى من ألاسود ,أجمل وأبهى من الازرق ,أجمل وأبهى من كل الالوان ,رأسه يستدير 360 درجة في كل ثانية فيسرق الانظار والاضواء والقلوب ..رجل بهيبة قلّ مثيلها .حينما يقف لايمتلك مرافقيه الا ان يقفوا خلفه ,وان سار يسير الكثير خلفه ,وان صرخ لاتمتلك الاّان تتمايل طربا لصرخته الشجية ,الفرح عنده محسوم فرح ,الحزن محسوم حزن ,والالم محسوم الم ..ثنائياته قليلة والحالة الوسطى عنده مكروهة .أفعاله قرار ,وقراراته افعال درامية عميقة ..يلبس العقال فيتحول الى اسطورة ال(هيبه) أو ال(الشيخ) أو ( البيه) أو (اللللللمحترم) أو (الارث ) ويكاد ان يكون القلب الشجاع ..

يديه مغرافين وقامته تجوب البحر بلما أو سفينة وموسيقى الحياة ترافقه بنغمات مبتكرة لاهي حزينة ولاهي مفرحة ,نغم خاص لشخصية خاصة جدا . لم اتصوره يوما يجيد كلاما سوى حوارات الشخصيات المختلفة التي مثّلها في المسرح والسينما والتلفزيون . قال عنه النجم العالمي (اوليفر ريد )كذا وكذا وكذا .وقال فلان كذا وكذا ,وقال وقال .ثم ماذا ؟ هل اضاف كلام هؤلاء الى غازي التكريتي مجد ومكانة مخفيّة عن الرائي والسامع ؟ هل اكتشف هؤلاء مالم يعلن عنه التكريتي في تمثيلية (السنطور ) مثلا وهو منكسر ,أو وهو يذوب مع حركات اصابعه العاجزة عن التعبير بما يريد قلبه أو ذهنه أو احساسه ؟ هل اضافوا شيء لابتسامته التي تنطق بمايريد أن يقول ,أو نظرة الحزن التي تتحدث بحوارات لايجيد كتابتها الاّ الشعراء وهو واحد منهم ..

ببساطة هو شاعر يكتب الشعر بيده وقلبه ووجهه ويديه وو.. هو خطيب وصوت ثائر, هو شعلان ابو الجون حينما مثّل شخصية الشيخ ضاري في فيلم (المسألة الكبرى ) اخراج محمد شكري جميل ,ولم يكن الشيخ ضاري كما اطلق عليه كاتب النص والمخرج ووو,هو كل شيخ ثائر من ثوّار ثورة العشرين ,أو انا أراه كذلك لانه استوعب الثورة والثوار رغم ضعف بناء الشخصية المكتوبة لكنه كان قويّا باستيعابه لمديات شخصية الثائر الذي يختلف عن عمر المختار وعن غيره من الثوار العرب لكنه يتطابق مع شعور وحب وعشق شخصية الثائر العراقي لعقاله وهيبته وقوة قراره واصراره على الوقوف أمام القائد الانكليزي (ليجمان ) وبيده السيف الذي سينصره حتما لكن سوء بناء المشهد الذي يعتمد على نصر مزيّف نفّذه ولدي ضاري باصابة لجمان من بعيد, بينما كان على المخرج ان يترك الساحة للشيخ غازي التكريتي وهو يواجه ليجمان سيف بمسدس وحينها سنرى النصر المؤزر الذي الذي سيحققه غازي التكريتي على اوليفر ريد ..

تأريخ مزيّف يسيء لغازي ويسرق منه ذلك الاداء الرائع ,ويسرق نصرا مؤزّرا من الثورة على الطغاة المستعمرين . لنتصور معا هذا الشيخ الهيبة بعقاله المميّز كيف سيكون من غير العقال والذقن واللباس العربي وهو يحاكي الطيور بشخصيّة (المطيّرجي ),أو عاشق السنطور ؟ طبقة صوته على اي وتر ستعزف ؟ والعينان اللامعتان اللتان أخافتا أوليفر ريد اي عدسة ستستعيران ؟وهل سيستدير حول نفسه ويلتفت ويرفع رأسه للاعلى ؟حينما يرفع رأسه ماهو الفرق بين مناجاة الخالق ومناجاة الحمام الزاجل ؟ وحينما يصعد سلّم البيت العتيق ,وحينما يرتقي الفرس ,ورقبته المرفوعة كيف سيطوّعها من فارس قوي ثائر الى منكسر وحيد ليس له رفيق أو حبيب أو مساعد ؟ الجواب عند غازي التكريتي الذي يمتلك افعال مبتكرة اصيلة لكل الصفات ,أدواته حاضرة تماما وبمنتهى البساطة لانه فنانا موهوبا اكتمل نضوجه في المسرح حينما مثّل في مسرحية المتنبي وبقي بطلا في كل اعماله ,وهو من الممثلين القلائل الذي يتفوق في اي وسيط يمثل فيه ,وعنده مفردات جاهزة لكل وسيط اذ لا يمكننا القول ان غازي سينمائيا أو مسرحيا أو تلفزيونيا أو اذاعيا فقط ,بل نقول انه فنان في كل واحد من هذه الوسائط ,ولديه القدرة الكبيرة ان يغوص ويتفوق في كل وسيط وبأسلوب خاص به.

(ياأستاذ غازي انت فنّان كبير ) جملة قالها ممثل ومخرج كبير ,انه يوسف شاهين, كان ذلك بعد مشاهدته لفيلم المسألة الكبرى ,لم يقول فيلم كبير, بل قال ممثل كبير .وقال اوليفر ريد مخاطبا غازي :اشعر بالخوف وانا اقف امامك في مشهد واحد والسبب ان عيونك تمثل ,بل وكل عضلة من وجهك تمثّل ..وقال :هذا العملاق لو اتيحت له فرصة العمل في السينما العالمية لكان له شأن اخر ..وأنا اقول ان غازي التكريتي لم يكتشفه احد ,ولم يدرس الفن ,ولم يجزع من تجاهل أو مرض أو عوز لكنه جزع وتألم كثيرا حينما توفي ولدة البكر (رياض) وبقي يبكي الى ان توفي كمدا وجزعا وألما وتصوّرو معي كيف كان وجه وصوت التكريتي وهو يبكي ؟هذ الرجل الذي ابكى ليجمانوالكاميرا ,الرجل الذي قارع الطغاة القساة كما يقول ابنه زكي (كان يقارع الطغاة من على المسرح العمّالي في منطقة البتاويين وتلاحقه اجهزة الامن بعد العرض ليغيب عنّا اياما وأسابيع في سجون الطغاة ). هذا الرجل تدهورت حالته كثيرا بعد وفاة ولده رياض وليس سبب وفاته العوز وظيم الحصار كما يصرّح البعض ,(هذا ما قالته حفيدته ).غازي عاش ومات عزيزا كريما شاعرا كاتبا ممثلا عملاقا بطلا متميزا في جميل الاعمال التي اشترك فيها .

ولد غازي عبد الرزاق في يونيو عام 1930في فضوة عرب ,عمل في اذاعة صوت الجماهير ثم نقل على ملاك دائرة السينما والمسرح ,عمل في المسرح العمالي ثم انتمى للفرقة القومية للتمثيل في منتصف الستينات,ومثل في مسرحية (المتنبي ) ومسرحية (مجنون ليلى ) ومسرحية (التقرير ) ومسرحية (حفلة سمر ) وأعمال مسرحية اخرى .وفي السينما له اعمال كثيرة منها أفلام (تسواهن ) عام 1958 ,(الجزاء)1970 وهما من اخراج (حسين السامرائي ) ,وفيلم (فتنة وحسن)اخراج حيدر العمر ,وفيلم (الظامئون )اخراج محمد شكري جميل ,وفيلم (التجربة )عام 1977 اخراج فؤاد التهامي ,وفيلم (الاسوار )اخراج محمد شكري جميل ,وفيلم (سحابة صيف) عام 1989 اخراج صبيح عبد الكريم ,وفيلم (الملك غازي ) وفيلم (الفارس والجبل )1987وفيلم (المسألة الكبرى )اخراج محمد شكري جميل .وفي التلفزيون مسلسلات وسهرات عديدة منها (محطات الذاكرة ,حكاية المدن الثلاث ,دار الزمن ,السنطور ) .عاش غازي التكريتي عاشقا محبا للحياة والفن والشعر والغناء ,مثقفا قارئا نهما ,يستقبل ملاحظات المخرجين بكل حب واحترام ,يعتني ويهتم وينصح الشباب .توفي الفنان غازي التكريتي عام 1979 و:يهلال الديره شهلهيبة ,يهلال الديره شهالغيبة)..

المقال السابقاغتيال دجلة
المقال التالىالخـــاتـــــون
سالم شدهان غبن :دكتورا فنون سينمائية التخصص الدقيق :سيناريو واخراج سينمائي مخرج لاكثر من 14 فيلم قصيراهمها فيلم ام سالم حاصل على جائزة مهرجان البصرة ومهرجان بابل الدولي فيلم انت عمري حاصل على جائزة عيد السينما العراقية فيلم الشهيد الطائر حاصل على جائزة السيناريو لمهرجان النهج السينمائي كربلاء ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد