في الميزان . جناح بعوضة و حياة إنسان


 

عدا أن يُقبل ترشيحه لعضوية مجلس النواب العراقي ، بماذا تساعد شهادة الثالث المتوسط إنساناً فاشلاً يعجز عن اجتياز هذه المرحلة بمجهوده الشخصي ( المتوسطة 9 سنوات بعد الروضة في أحسن تقدير ) و هل يستحق الامر أن يهرق دم إنسان بريء و نزيه رفض تسريب أسئلة إمتحانها ؟

أكرم ناجي الشمري الموظف بقسم الامتحانات بتربية بغداد الرصافة الثالثة عثر على جثته في أحد شوارع منطقة الطالبية شرقي بغداد و هو أب لأربعة أطفال ، اختطفوه و قتلوه لأنه رفض تسريب أسئلة الإمتحان النهائي للمرحلة المتوسطة ، رفض الأمر بالترغيب و رفضه بالترهيب فقتلوه .

و على قدر وجود شرفاء من صنف أكرم و هو أكرم منا جميعاً لأنه ضحى بنفسه من أجل قضية من أشرف ما يمكن أن يضحي من أجلها إنسان فيما ما زلنا نحن ننتظر دورنا فإن هناك من يحمل من الخسة و الدناءة ما لا يتصوره عقل ، و هذا على مستوى المخططين لمثل هذه الجريمة و المنفذين و البائعين و المشترين و المتغاضين

العصابة التي تسرق و تبيع الأسئلة و تتاجر بها تنتفع بمال قذر لقاء بيعها ، إذا لم تكن السرقة لصالح أبناء المتنفذين المدللين و بأدواتهم و رجالهم و أسلحتهم لكن بماذا تنفع شهادة الثالث المتوسط غبياً يعجزعن عبور هذه المرحلة البدائية بنفسه و كيف سيواصل دراسته في الأعوام المقبلة ، هل سيقتلون كل عام شريفاً من طراز أكرم و يرمون جثته قرب قناة الجيش من أجل الحصول على الأسئلة ؟

الجريمة الأكبر منها و التي تنافس الخطف و القتل خسة هي مساواتها بأية جريمة قتل أخرى و إهمال الجانب الخاص بمواطن شريف أراد الدفاع عن قضية عامة لا تخصه هو بل تخص مصلحة وطنية ، دافع عنها مكشوف الظهر أمام عصابة متمرسة بالخطف و الإغتيال فمثل هذه الجرائم لا يقوم بها هواة ، دافع عنها أعزلاً مجرداً من كل شيء إلا من شرفه .

وسط الموت الجماعي الذي يهددنا به السياسيون و رجال الدين و زعماء الميليشيات كلما أتيح لهم ميكروفون شاغر صارت قضية القتل الفردية لا تلقى اهتماما لا من وسائل الإعلام و لا من ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني التي لا نعول عليها بكل الأحوال لا كثيرا و لا قليلا و لا المنظمات الانسانية الساكتة سكوت الشياطين . بل لا نستغرب لو لامنا أحد على إثارة مثل هذا الموضوع بحجة أن الناس تموت بالعشرات في تفجير واحد فما معنى أن نكتب عن شخص واحد لقي حتفه في جريمة قتل ؟ الفرق كبير طبعاً ، لا تقاس الأمور بهذا المقياس أبداً ، المدنيون الذين قضوا في تفجير هم أبرياء سعى الموت إليهم من حيث لا يعلمون و أكرم صاحب قضية سعى برجليه إلى حتفه رافضاً مغريات المال و مضحياً بحقه في البقاء على قيد الحياة منصاعاً لنداء ضميره و مبادئه . أليس الفرق واضحاً ؟

أكرم يستحق وساماً على أعلى المستويات ، و أن يخصص له وزير التربية بيان نعي ينشر و يقرأ في الإصطفاف الصباحي في كل المدارس و تستحق عائلته رعاية خاصة و يستحق أبناؤه أن يميزوا في مدارسهم ، ذلك بأنهم أبناء بطل يستحق التكريم لأنه رفض أن يجعل للمجتهدين المثابرين أنداداً من الفشلة من أبناء السراق و الفاسدين ، و قبل هذا وذاك أن يمثل المجرم الحقيقي ، لا الدوبلير الذي ينتقونه من بين سجناء سابقين لإرغامه على الإعتراف بجريمة لم يرتكبها ، أن يمثل أمام قضاء عادل و نزيه على قدر وجوده و يلقى أقصى ما ينص عليه القانون من عقوبات .

نعرف أن ميزان الحق مائل و أن حياة الإنسان في العراق اليوم لو وزنت بجناح بعوضة ما وزنته و نعرف أن العدالة التي ننشدها لن تتحقق الآن لأننا نعيش حقبة من التاريخ فيها ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) لكنها ستتحقق ذات يوم و بانتظارها سيبقى ملف قضية أكرم مفتوحاً مع ملفات آلاف الشهداء الذين سبقوه .

المقال السابقحقيقة العنف ولا عنف الحقيقة
المقال التالىذَاكِرة السَمَك
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. الاخ المحترم الاستاذ عماد عباس

    حيّاك الله
    مأساتنا يا أخي هو أن الدولة فاسدة من القمة الى القاع لذلك ترى الانسان النزيه والعفيف
    إمّا مقتول وإمذا معزول وإنا لله وإنّا اليه راجعون
    رحم الله شهداء العفة والضمير

    تحياتي لك مع التقدير

    الحاج عطا

اترك رد