ملامح التجديد قي الشعر العربي الحديث – ج 6 والاخير


 

وقد كثرت في اول هذا العصر النكبات على الوطن العربي وتوالت عليه المحن في ظل ظروف قاسية قد مثلها الشعراء اعظم تمثيل وادق وصف في قصائدهم وجل هذه النكبات نكبات قام بها الاستعمار ضد الامة العربية منها نكبة ضياع فلسطين ومنها اعدام افضل رجال العرب مثل عمر المختار في ليبيا وزهاينه الجزائري وشهداء ثورة مايس \ 1941 في العراق وتكاد تكون هذه النكبات في كل اقطار الامة العربية. فهذا احمد شوقي امير الشعراء يبكي دمشق فيقول :

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ            وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي            جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي            جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ
وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ             بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ
وَقَفتُمْ بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ             فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْقَوا
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ            يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا          إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا
وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا          وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ
فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ             وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ              بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ       وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ
رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا         أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ
إِذاما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ يَقولُ        عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا
دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا             وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ
بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا              وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا
وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها       فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ
رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها        أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ؟
إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ       عَلى جَنَباتِهِ وَاسوَدَّ أُفقُ
سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ      أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا ر        قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ

اما الغزل فشعر الغزل وجد منذ وجد الانسان بعاطفته وحبه اتجاه قرينته وحبيبته وفي الشعر العربي وجد في كل العصور الشعرية فهو تسجيل لعواطف الشاعر المحب اتجاه من يحب وما يكنه في قلبه الملتاع وفؤاده المكتوي بنار الحب والعشق ونفسه الحرى وروحه الحيرى وفكره المشغول وعقله المسلوب ولها ً وحبا وشوقا .

شعر الغزل في هذا العصر اتسم بتمثيل طبيعة النفس العربية النبيلة العفيفة فهو بعيد عن الابتذال والتفسخ الخلقي الذي كان موجودا في شعر العصور العباسية وخاصة الاخير منها نتيجة للاختلاط مع الاعاجم شرقا وغربا وشمالا وفساد الاخلاق العربية تبعا لعادات وتقاليد رعاع الناس وشواذهم الاجتماعية التي انتقلت الى العرب ما يتميز ببعده عن المادية الا بعض قصائد لشاعر او اكثر ومن شعر الغزل اقول :

وفاتنة تغازلني بضفر جديلة
                       مثل الاقاحة سحرها يتألق
حتى كأن الزهر ينثر عطرها
                       فتعانقت انداؤها تتموسق
تتمنى النفس تمسك بعضه
                       فأ ناملي في بعضه تترفق
فمجازف كمراهق متعطش
                       يهوى اليك بشوقه يتعلق

وفي فن الوصف وهو من الاغراض القديمة في الشعر العربي ايضا فقد وصف الشعراء كل ما وقعت عليه اعينهم ودخل في نفوسهم واخيلتهم من مشاهد طبيعية خلابة ومخترعات حديثة وقد تعمق بعض الشعراء في الوصف . يقول عمر ابو ريشة الشاعرالسوري في وصف اطلال مر بها :-

قفي قدمي ان هذا المكان
                       يغيب به المرء عن حسه
رمال وانقاض صرح هوت
                       اعاليه تبحث عن اسه
اقلب طرفي به ذاهلا
                       واسأ ل يومي عن امسه
اكانت تسيل عليه الحياة
                       وتغفو الجفون على انسه
وتنشد البلابل في سعد ه
                       وتجري المقادير في نحسه

وفي مطلع هذ العصر اي في بدايات القرن العشرين كثر شعر الحنين الى الوطن اذ ان كثيرا من الشعراء نفتهم حكومات بلدانهم الى خارجها بسبب ميولهم الوطنية وثورتهم على الاستبداد والظلم تخلصا منهم .ومنهم من هاجر من نفسه وراء لقمة العيش . ويظهرهذا جليا في شعر شعراء المهجرالذين ما زالوا يحنون الى الوطن العزيز- وهل هناك اعز من الوطن ؟- فانشدوا قصائد تقطرحنينا ودمعا بعاطفة فياضة وحسرة غامرة لرؤية الوطن اوالرغبة في تحريره من ايدي حاكميه المستبدين .

*
وشكى بعض الشعراء صروف الدهر من نكبة اصابتهم او من خطر احدق بهم او ببلدهم ومن قصيدة في الحنين الى الوطن للشاعر المهجري جبران خليل جبران هذه الابيا ت يقول:-

يابلادا حجبت منذ الازل
                       كيف نرجوك ومن أي سبيل
أي قفر دونها أي جبل
                      سورها العالي من منا الدليل
اسراب انت ام انت الامل
                      في نفوس تتمنى المستحيل

اطلع بعض الشعراء على مجريات العلم والادب والفلسفة فنظموا قصائد في تعلم الطب والفلك والعلوم وفي امور اخرى مثلما نظم الشعراء قبلهم مطولات في قواعد النحو والصرف مثل الفية ابن مالك التي حوت تفاصيل قواعد اللغة العربية في قصيدة مكونة من الف بيت شعري شرحها العلامة ابن عقيل في مجلدين كبيرين على سبيل المثال . والشعر التعليمي نظم في هيئة الشعر وشكله بل هو جسد شعري لا روح فيه. لذلك اطلق عليه بلغاء اللغة وشعراؤها نظما وقد نظم فيه كثيرون في العصور المظلمة الا انه في هذا العصر اصابه الضعف والوهن . ومن قصيدة للشاعرالزهاوي في العلم يقول :

لماذا تحركت الانجم                   كانك مثلي لا تعلم
وما هو كنه الاثير الذي               فسيح الفضاء به مفعم
بين الجواهر جذب فما                دواعيه اني مستعلم
هل الدفع اوضح من ذاته             من الجذب ام هل هما تؤام
هما قوتان تخالفتا                     فذالك يبني وذا يهد م

والشعر الاجتماعي هو شعر الاخوانيات وكل ما في المجتمع من امور وقد دعى الشعراء فيه الى ا لثورة على العادات البالية و القديمة التي سادت المجتمع العربي وعلقت به خلال فترات الحكم المتلاحقة عليه قبل النهضة الحديثة وتعتبر من مخلفات الفترة المظلمة فدعى الشعراء الى تحرير المرأة والى فتح المدارس وتمجيدها والدعوة الى دخولها بنين وبنا ت وذم التعصب القبلي والطائفي والاقطاع الذي جثم فوق صدورالناس والفساد المستشري . ومن قصيدة للشاعر العراقي معروف الرصافي في تشجيع بناء المدارس وفتحها هذه الابيات :-

ابنوا المدارس واستقصوا بها الاملا
                      حتى تطاول في بنيانها زحلا
هذي مدارسكم شروى مزارعكم
                      فانبتوا في ثراها ماعلا وغلا
يلق بها النشىء للاعمال مختبرا
                      وللطباع من الادران مغتسلا
ربوا البنين مع التعليم تربية
                      يمسي بها ناقص الاخلاق مكتملا
انا لمن امة في عهد نهضتها
                     العلم والسيف قبلا انشأت دولا

والفنون الشعرية في بدايات عصرالنهضة العربية كثيرة منها قديمة ومنها ما ظهرت حديثا حسب متطلبات هذا العصر ودواعيه الا انه تبقى السمة الوطنية هي السمة الغالبة لشعر هذا العصر والمحرك الاقوى للشبا ب العربي المؤمن برسالة امته ومن اجل الحرية والتحرر و اعادتها الى سالف عهدها التليد .

فالشعر العربي يمتميز في هذا الوقت بان جله ثوري وطني يدعو الى استنهاض الهمم والتخلص من الاستعمار والثورة على كل ما هو- قديم وبال لا خير فيه لأمتنا العربية – فهو في اغلبه شعر هادف قاد البلاد الى حركة وطنية قومية فكان الشعراء والمفكرون والادباء هم قا دة الثورات التحررية وزعماؤها في الوطن العربي .

لا تعليقات

اترك رد