بوح ربيع خمسيني

 

ثقافة البوح تكثر في الملاحم الأدبية والقصائد الشعرية والأدب الصوفي ولكنها تقل أو تكاد تنعدم في الحياة اليومية وخاصة بين أشقاء الروح ، ويجتهد المجتهدون في تبرير البرودة العاطفية بين الأحبة بأقنعة وأشكال شتى يأتي في مقدمتها كبرنا على هذا الكلام وفي حقيقة الأمر ما كبرنا ، وعلينا دائما أن نعود للبدء والعود أحمد . هي الحياة بقواعدها واستدامتها إن أحسنا القراءة والاستخلاص من بين السطور .

وضع الشاعر التركي ناظم حكمت الأمور في نصابها في أجمل أبيات من الشعر الجميل حيث تفوح رائحة السوسنة وعطر الزهور حين قال:

منذ أن وطأت قدماك أرض غرفتي
أورق البيتون وصار أخضرا
بعد أربعين عاما ، أورق البيتون وصار أخضرا .

عندما قرأت هذه السطور في ديوان ناظم حكمت شعرت وكأنه يتحدث بلساني وكينونتي إلى الأبد ، لو لم يكتب ناظم حكمت هذه الأبيات لكنت بادرت بكتابتها رغم أن الفارق في السن بيني وبين حكمت يقارب السبعين عاما .

عندما دخلت السوسنة في حياتي أورق البيتون المسلح وصار أخضرا وبدأت الحياة تدب في عروقي فهي الصديقة والحبيبة وهي شريكتي

في كل المحن . الحياة سجن كبير لا يمكن الانعتاق منه إلا بحب الحياة والاستدامة في الحب والانسياب الطوعي في لجج المحبة . الأنثى في حياتي نسغ حياة وعصير من روح الإله تدخل ردهات عقلي وتفاصيله وترفعه في لمحات استغراقية طويلة لا أستفيق منها . الاستغراق بعدٌ فلسفي رابع ، ومن يمتلك ثقافة الاستغراق يحول المستحيل إلى ممكن.

عندما دخلت السوسنة في حياتي برعم الزهر واخضرت الأرض فهي تؤمن أن الذهب الخالص يكون في العقل وليس في اليد وأن الحلي الحقيقية هي ما يمتلكه الإنسان من خير ومحبة وعرفان بجميل . عندما أعود للبيت مساء أبوح لها بتجربتي خلال النهار فتلملم كلماتي بأبعادها في مسافة تناظرية قلما يمتلكها شريك في الحياة .

عندما دخلت السوسنة في حياتي تعلمت احتساء الأحلام وتعلمت الاستغراق وصار المونولوج الدرامي جزءا من هواجسي اليومية . كنت أصيغ الأحلام قصصا ورؤى مستقبلية وكنت أنزف الكلمات فتتولد المعرفة كغصن ريحان وجزع سنديان . قلت لها ذات مرة : “أنت جذري في الأرض ” فأجابتني : ” وأنت أغصاني الممتدة عاليا في السماء ” . صرت أرى فيها السنديانة التي أستريح بظلها ، أغفو كطفل ينام في حضن أمه تداعب النسمات شعره فيهفو ويغفو ويحلم في طقوس عبادة لا تنتهي ولا يريد لها أن تنتهي .

عندما دخلت السوسنة في حياتي صارت الألوان أكثر زهوا فهي تتمنطق بالحب وسكينة الروح والأمل وتستنطقني كل مساء فلا أنام على همّ قديم وزرعت في رأسي أن كل صباح بداية جديدة وأنني يجب أن أكون ابن اللحظة فلا أنام على همِّ قديم .

عندما دخلت السوسنة في حياتي بدأ الكون يتغير في عيني وصرت أطمح للتغيير والتحسين وصرنا نتجه صوب قريتنا مسقط رأسنا لنعيش اللحظة فأنجزنا بالتصميم بيتنا الريفي وحديقتنا التي لا ننساها

وتلفت نظر من يمر بجوارها فيسرق لحظة جميلة يخلدها بصورة وصارت محجتنا ومركز استجمامنا فالبيت الريفي في نظر السوسنة قيمة فكرية لا تباع ولا تشترى فيه نمارس جنوننا والتصاقنا بأمنا الأولى الأرض ، نقلب حياتنا ، نبتعد عن المجتمع والتقنية والتكنولوجيا لنستمتع ببوح الزهور ونستخلص دروس الحياة وعبقها فالحياة في المدينة وبسبب البيتون تجعلك قصير النظر أما في الريف وبسبب الانعتاق الروحي والبعد الشاسع تتعلم بعد النظر. تنظر للكون الفسيح وتتشارك مع الناس حب الحياة .

برعمت حياتي مرتين وتجدد خضارها تماما كما يتجدد الربيع في بلادي . الأولى عندما دخلت السوسنة في حياتي ، والثانية عندما صار توأمنا شبابا . نور تشبه أمها في كثير من الأمور وهي أشد منها في مراقبتي وتدقيق تفاصيل حياتي أما كرم فيشبهني كثيرا في الكثير من الأشياء . يتحدث الأولون عن شجرة العائلة وأنا شجرتي لا زالت صغيرة تبرعم في الربيع وتهفو نحو الغد .

أسأل السوسنة دائما : أنعيش حتى نصير جدا وجدة ؟ فتبتسم وتقول : “من يدري . كل شيء ممكن. ” أروي لها الحكايات المستقبلية وأقرأ لها الكثير من ترجماتي ومقالاتي وكتبي وهي أول من يقرأ وآخر من يعلق وتصدقني دائما فيتحول الحلم إلى واقع وتتحول الأحرف إلى أفكار أصوغها بلهفة العاشق، فتنتشر على الصفحات في كل دول العالم وبثلاث لغات هي العربية والانكليزية والفرنسية . السوسنة آخر من يدقق صياغة الكلمات وأول من يقرأها على الصفحات البيضاء والصفحات الالكترونية .

هي المعافاة ورجعة الروح وعودة الوعي . هي استقراء سليم غير ارتجالي للمكونات النبيلة في هذا الوطن الجميل – السوسنة – والمعافاة إنما تكون بالاستنطاق الحي للكلمة . الكلمة تدمي مرتين عند اختزانها في قلوبنا وعند البوح بها . ألستم معي في ذلك ؟

لا تعليقات

اترك رد