سد أليسو ـ الناقوس


 

في عام 2012 أجهض الفساد محاولة لإيضاح صورة نهر دجلة ثم الفرات بعد عام 2018… ولذلك حكاية أتمنى أن تطلعوا عليها، خاصة أن شهودها ما زالوا أحياء، وقد بدأت حين استدعاني ذات يوم من أيام عام 2012 الدكتور شفيق المهدي وقد كان آنذاك المدير العام لدائرة السينما والمسرح التي كنت أعمل فيها مخرجا سينمائيا، وكلفني بكتابة ووضع موازنة لفلم تسجيلي عن نهر دجلة، قال بأن المشروع مهم جدا وقد طلبته جهات رئاسية عليا، كي يكون مشروعا وطنيا لفلم يتم عرضه بشكل واسع داخل وخارج العراق بغية ايضاح قيمة هذا النهر للعالم أجمع، وقد انكببت على دراسة جميع ما أتيح لي من وثائق وكتب ودراسات عن نهر دجلة وبعد مئات من الصفحات كتبت السيناريو الذي أطلقت عليه اسم (الناقوس)… قرأه الدكتور شفيق المهدي وأبدى الحماس لانتاجه، وعرضه على اللجنة المختصة التي أجازته.. واقترح السيناريو بداية الفلم بناقوس يطرق بقوة لنعرف بعدها أنه ناقوس الخطر لما سيكون عليه دجلة بعد سنوات قليلة، مجرد قاع دونما مياه، أو ربما سيكون ساقية ذات يجري فيها خيط دقيق من الماء الآسن في أفضل الأحوال… وفعلا قام مدير الإنتاج السيد (س.ا) بوضع ميزانية للفلم يتم صرفها من الأموال المخصصة لمشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية في عام 2013، كنا سنصور في تركيا وفي جميع المدن والمناطق التي يمر منها نهر دجلة كي نصل إلى نتيجة مفادها إن هذا النهر وأخيه الفرات هما الأبوان الحقيقيان للحضارات التي قامت على الأرض العراق، وهما بالتالي أبوان لجميع الحضارات التي نهلت من مناهل الحضارات العراقية.. وقبيل البدء بصرف القسط الأول من قيمة الانتاج أبلغني السيد (س.ا) مدير الإنتاج بأن السائق الشخصي لوكيل الوزير المكلف بالإشراف على مشروع بغداد عاصمة الثقافة (ف.أ) أبلغه بأن صرف القسط الأول من ميزانية الانتاج لن يتم إلا بشرط تسليم مبلغ مائة مليون دينار يقتطع منها لصالح السيد وكيل الوزير شخصيا، أجبته يومذاك بأن موافقتي على أمر كهذا تعني واحدا من أمرين: أما أن أكون أنا أيضا سارقا ولي حصة في قيمة الانتاج وهذا غير حقيقي، أو أن اقتطع المائة مليون دينار هذه من ميزانية الفلم التي تم حسابها بدقة كبيرة وتفاصيلها كثيرة ضمن مجريات تصوير قد يستغرق أشهرا في تركيا وعلى طول نهر دجلة في الأراضي العراقية… واقتطاع مبلغ كهذا سيؤثر على الانتاج بلا أدنى شك، ناهيك عن رفضي القاطع للمساهمة في أي شكل من أشكال الفساد، ما كان مني إلا أن توجهت الى السيد (ن.أ.ر) الذي كان مشرفا على الجهد الاعلامي لمشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية وأبلغته بما دار، فسألني ان كنت مستعدا لكتابة هذه الواقعة كي يقوم بابلاغ السيد الوزير بها، فأبديت استعدادي وكتبت تقريرا بذلك، وبعد أيام تم إقصاء السيد (ف.أ) عن موقعه في المشروع بسبب جملة من الأسباب ربما كان مشروع فلم (الناقوس) واحدا منها، ولم يتم التحدث فيما بعد عن انتاج الفلم الذي التهمه الفساد مثلما التهم الكثير من الجهود الخيرة لإنقاذ العراق من مما يحيق به من سوء وخراب…

لقد أوضح السيناريو اعتمادا على وثائق كثيرة أن مجموعة السدود التركية وأهمها سد أليسو العملاق ستمنع الماء من الوصول إلى الجزء العراقي من نهر دجلة، وهي النتيجة النهائية لمشروع غاب التركي الذي تم بموجبه بناء 22 سدا على نهري دجلة والفرات… من جانبها إيران تقوم بدور لا يقل قذارة حين تضع هي الأخرى سدودا تمنع وصول الماء إلى روافد نهر دجلة القادمة من الأراضي الإيرانية.. بل وتقوم بحفر أنفاق تحرف اتجاه بعض الروافد فلا تصل إلى الأراضي العراقية…

تركيا الرسمية ترى أن القانون الدولي منحها الحق في منع المياه من الوصول إلى الجزء العراقي من نهري دجلة والفرات، يتضح هذا في تصريح لرئيس الوزراء التركي الأسبق سليمان ديميريل قاله حين كان يؤدي مهام منصبه في عام 1990: لتركيا حق السيادة على مواردها الطبيعية، ولا ينبغي أن تخلق السدود التي تبنيها على دجلة والفرات أية مشكلة دولية، ويجب على الجميع أن يعرف أن نهري دجلة والفرات ليسا من الأنهار الدولية بل هما نهران تركيان حتى النقطة التي يغادران فيها الأراضي التركية، فالنهر لا يمكن اعتباره نهرا دوليا إلا إذا كان يشكل الحدود بين دولتين أو أكثر، ولكل دولة حقها الطبيعي في استغلال مواردها المائية كما تشاء، وليس لأية دولة أخرى الحق في الاعتراض على ذلك.. وقال ديميريل في مناسبة أخرى: ليس لسوريا أو العراق أي حق في المياه التي تنبع من تركيا، وأن حكومته غير مستعدة لتقديم أية ضمانات مستقبلية فيما يتعلق بكمية المياه التي ستتركها لسوريا والعراق من نهري دجلة والفرات.. وقال ديميريل في عام 1996 : (ان القانون الدولي لا يفرض على بلاده التوصل إلى أي نوع من الاتفاق على الوثيقة المكتوبة مع الدول الأخرى حول موارد المياه، وأضاف، أنه لا يوجد قانون دولي حول المجاري العابرة للحدود، وكل ما يمكن أن تتوقعه هو الانصاف، أي أن لا تضر بالدول التي يعبرها المجرى المائي)

اعتمدت الستراتيجية التركية في حربها المائية ضد العراق على استثمار المتغيرات التي أضعفت العراق فانهماكه في حرب ضروس مع إيران استغرقت ثمان سنوات تلاها الحصار الدولي ضد العراق في الوقت الذي كانت فيه تركيا تزداد قوة خاصة في المجال الاقتصادي، فبدأت بالإعلان عن خططها المستقبلية المرتبطة بمشروع (غاب) الذي انشأت بموجبه 22 سدا جديدا، يعد سد أليسو أضخمها.. وازدادت وقاحة الجانب التركي في تنفيذ ستراتيجيته المدمرة للعراق وسوريا على حد سواء بعد أن تأكدت بأن الحكومات الفاسدة التي تلقفت الحكم بعد عام 2003 لن تحرك ساكنا فهي منشغلة عنها بطموحاتها السياسية ومغانمها المالية… كما اعتمدت على فرض صيغ للتعامل الدولي مع هذه القضية عبر تحديد صيغ اصطلاحية مختلفة فالأنهار الدولية صارت لدى الأتراك تسمى (المياه العابرة للحدود)، لترسخ وجهة نظرها في أن نهري دجلة والفرات هما نهران تركيان عابران للحدود، لذا لا حق للعراق وسوريا فيه وما تمنحه لهما تركيا سيكون مجرد هبات، بل أن رئيس الوزراء التركي نوه صراحة إلى أن المياه مقابل البترول، وقال حكمت تشتين وزير الخارجية التركية الأسبق خلال زيارته لاسرائيل في عام 1992: من حق تركيا المتاجرة بالمياه مثلما يتاجر الآخرون بالنفط ويحتكرون عائداته..

تعتمد الحكومة التركية كذلك على أن العراقيون لم يمتلكوا الأهلية الكافية لاستخدام المياه بدليل أن كميات كبيرة منها تصب في الخليج العربي دون أن يستفيد منها العراق بشكل جيد.. وترى نفسها غير ملزمة بالموافقة على اتفاقيات ثنائية مع العراق أو سوريا تتعلق بالحصص المائية أو تقسيم المياه، بحجة أن القانون الدولي لا يفرض عليها ذلك..

سيعاني العراق من مشكلة حقيقية تتعلق بوجوده، فعلينا أن نتخيل فقط ما الذي سيكونه العراق حين يغدو جفاف نهري دجلة والفرات واقعا؟…. والأكثر غرابة أن الحكومة العراقية لم تحرك ساكنا وكأن الأمر لا يعنيها…

المقال السابقبوح ربيع خمسيني
المقال التالى“ياطخه ياطلع مخه”!!
أسعد الهلالي تاريخ الميلاد : 11/3/1960 محل الولادة : بغداد محل الإقامة: بلجيكا التحصيل الدراسي : بكالوريوس ـ سينما.. المهنة : كاتب ومخرج تلفزيوني وسينمائي.. عملت معدا ومخرجا تلفزيونيا في: 1. تلفزيون العراق 2. الفضائية اليمنية 3. قناة السومرية الفضائية 4. قناة الاتجاه الفضائية 5. قناة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد