رسائل المسرح ومستوى قراءتها .. ثقافة الركح وثقافة الصالة… ؟

 

نافذة 2: المسرح والحياة

ليست هذه المعالجة إشكالية عابرة أو هامشية ولكنها ذات جدلية عميقة تتناول المسرح ومنجزه وجودياً؛ أي حيث يكون ويشتغل وينهض بدوره جمالياً فكرياً.. كما أنّ هذه المعالجة ليست بمتوقفة عند تخوم المعايير الرياضية المحضة، حيث تساوي أرقام المنجز الإبداعي المسرحي وتناظرها مع المستوى العام السائد من قدرات تفكّر وتدبر… إنها معالجة تريد أن تقرأ المسرح وكينونته في وسط بيئته الإنسانية..

إن تناول البنية الفكرية ومستواها، لا تقصد منه هذه المعالجة التوقف عند موضوع الاشتغال المسرحي ولا مضمونه ومستهدفه والقيمة النفعية من وراء التناول الإبداعي، بالإشارة إلى الممارسة الوعظية وخطابها المباشر أو معالجة مادتها بمستويات فكرية متدنية بمرجعية التجربة الفردية المحدودة والسطحية.. ولكن تناول تلك البنية (الفكرية) هو تناول يرتبط بتشخيص الفارق بين المنجز المسرحي الذي يبني عبر تأثيره وظهوره بشخصية معنوية هي شخصية الإبداع ورسالته النابعة من كينونته الوجودية وذاك الذي يقف عند حدود انفعالية ساذجة حسنة النية ولكنها غير ذات قدرة على الفعل حتى في اتخاذ المنجز الإبداعي شكلا تعبيريا..

إن البنية الفكرية تعود حتما إلى مستوى وعي المشكلة والقدرات التعبيرية المستندة إلى المعارف والعلوم والخبرات التي تستكنه قوانين النوع وآليات اشتغاله ولكن بالتأكيد من دون الوقوع في حالات الإغراق والغموض في التناول حيث تخرج عن واقعية التجسيد ليس بمعنى الواقعية المذهبي ولكن بمعنى كينونة المنجز وانتمائه لمنطق صنع حياة متخيلة بقصد جمالي فكري ملموس…

إنّ الجمالي في كينونة المسرح والمسرحية هو الآخر ناجم عن عملية تفكير والأمر لا يقف عند حدود المضمون ومعالجة موضوع أو إشكالية فكريا فلسفيا.. وعليه فإنّ ظهور المعالجة الفكرية بمستوى مطابق لمستوى السطحية السائدة يجعل من العمل المسرحي مجرد عمل وعظي ساذج بخطاب مباشر ومن ثم تتكسر هنا القيمة الجمالية من جهة ويقع بحال قتل و\أو هدم للكينونة الإبداعية الجمالية..

إننا بمجابهة واضحة ومعلنة مع حال تفكيك وتخريب للبنية؛ فلا بنية بلا عمق فلسفي فكري يتبنى ما وصلت إليه قوانين التعبير المسرحي من تحولات المجتمع الإنساني ومستويات التمدن فيه.. وعليه لا يمكن للسطحي أن يقدم بنية أو كينونة وجودية ذات أثر يتحرك بالبيئة خطوة أو بعض خطوة إلى أمام وبالمفابل لا يمكن للمغرق غموضا أن يقدم منجزاً إذ الغموض يقطع صلاته بمحددات التفاعل بين المتلقي والمبدع ورسالته.. وهنا تكون كلتا الحالتين مخربة هادمة للكينونة وبنيتها ومن ثم لاندفاع أبعد في إفشال ولادة المسرحية إبداعا وتعطيل دورها اشتغالا فكرية جماليا..

إن رسالة المسرح والمسرحية تتجسد في مستوى الوحدة بين البنيتين الجمالية الفكرية وفي تحقق ولادتها بإطار ولادة المسرحية بوصفها منتج العمق الفكري وبعده النوعي ومقاربة التناظر بين ثقافة الركح وثقافة الصالة، أي بين وجهي المنجز المسرحي، بين الجمالي الفكري على الركح وفي ذهنية التلقي لحظة يشتغل التفكر بمعادلة التفاعل بين الطرفين…

هنا نستمد قراءة المسرحية فكريا من تحريك محورين هما اشتغال منطق العقل واشتغال منطق الإبداع والتخيل.. وهذا ما ينتمي إلى دور الفلسفة (والمستوى الفكري وعمقه) في بناء أسئلة الجمال.. حيث تغتني الجماليات مع اغتناء طرفي العملية الإبداعية فلسفيا فكريا..

إنّ علاقة القارئ بالفلسفة ومن ثم بأسئلة الإبداع تتحدد بما يمتلكه منها وما يرتقي به وضعه إليها؛ ولا يمكن لحال استدرار العاطفة والسمة الانفعالية للصورة الفوتوغرافية للحدث أن تكون ذات قيمة نوعية في التعبير الإبداعي أو في تركيب كينونة ووضع وجودي بمسمى المسرحية. ذلك أنّ سطحية العرض الانفعالي تكتفي بحدود ذاك الاستدرار السلبي لبكائيات للاستهلاك المحلي ولتفريغ شحنات الفضب والتوتر سلبياً..

وفي أبعد الأحوال سنجد سجلا ساذجا لشكل تعبيري يقود على الروح الوعظي وخطاب اللغة المباشرة في العلاقة بموضوع السؤال فيما يسمى عمل مسرحي مما قد يتبدى كذلك ولكنه ليس سوى شكل ينحدر بالحوار بين طرفي الرسالة الجمالية فينحط بمجمل النتائج المنتظرة…

إن تقديم معالجة الصورة بعين المجتمع أو بمستوى ثقافة بيئة يعكسها ويجسدها المبدع بقلة تجريته؛ هو تكرار لسطحية الثقافة واجترار لانحدار يتراجع بالوضع العام وبناتج التفاعل فظهور الثقافة السائدة بما تتسم به من خلل لا يمثل قانونا يُحتذى ولكنه يمثل تدميرا للكينونة من دون وعي بالمجريات.. إنها حال من لا يدري كيف يكون اشتغاله فعل انتحار وهدم وتخريب بدل أن يكون منجزا ولو بوضع كمي يولد التراكم إنه عبث يتركب من أدوات ساذجة تتناقض وقوانين التمدن التي منحتنا المسرحية فنا يجسد التقدم… إن ذاك الخلل في القراءة وفي قصورها أكد بالتجربة، وبمنطق العقل ويؤكد لنا فرص الانتحار على حساب فرص البناء واستيلاد الجديد القادر على إحداث التقدم…

وربما بوقت آخر سأضرب أمثلة على تدني العمق الفكري وبنيته الفارغة الهادمة بخاصة من بوابة تقع بين التعميم الصائب المفترض وبين التعميم السلبي الحاصل المتحقق.. وبتعبير آخر في المرور على التعميم بمعنى المعالجة الفكرية العميقة الشاملة غير المتوافرة هنا، مقابل السطحية التي تستعرض جمعاً للكمي المفرَّغ بلا قيمة فلسفية جمالية ذات قيمة…

وفي المسرح العراقي حيث وجدنا الالتزام بقضايا الناس وحقوقهم وحرياتهم يتحول لصرخات غضب انفعالية ساذجة بكثير من الأحيان، بخاصة في بواكير ظهور المسرح والمسرحية ثم دور السلطة السياسية وقوانين الحكم السياسي وسيادة آليات عيش في ظروف الحرب وصعود الطبقة الطفيلية التي دفعت بالمسرح التجاري بكل ألاعيب تسطيحه وغايات توظيفه؛ فكان الاتجار بالتهريج، وايضا وجدنا ظاهرتي الأدلجة و التدين، أو التسييس والحزبنة مما ابتعد بالمنجز المسرحي عن الإنسان والأنسنة وأغرق في تقاطعات ألغت العمق الفكري للجمالي وبنيته ووجوده كينونة فاعلة مؤثرة..

وبالمجمل والمحصلة من هذه الومضة نؤكد أنه ينبغي للمسرح أن يتعامل بموضوعية ودقة مع مستوى الوعي ومعدله العام وبخلافه تنتفي فرص الاستفادة من رسائله جمالياً مضمونيا وسرعان ما تُرمى أعماله بسلة المهملات لانقطاع الصلة بين طرفي المراسلة أما لسطحية أو لتعمق يغادر كلاهما أرض الواقع وطابع ما يحمل وينتظر من حوار وجدلية حراكه…

فالقضية بين مستوى معالجة الركح ومستوى تفاعل الصالة ليست متحددة باللغة التي يستخدمانها لإقامة الصلة وجسور الحوار ولكنها قضية بنيوية تعني ولادة كينونة وبنى وجودية من نوع إبداعي أو عدم ولادته بمعنى إظهار نماذج سكلية للتخريب والتدمير والهدم ومن ثم لقطع فرص الحوار الذي يمكنه أن يساهم بالتغيير الحوار الذي يرتقي بمنجز التفاعل والصلة بين ما فوق الركح وما في الصالة…

وعلى هامش هذه الومضة أشير إلى أحد أعراض التفريغ الهادم المدمر للمنجز الجمالي الفكري، ألا وهو خلو الميدان من وجود نقدي تطبيقي وتنظيري يعد ضرورة وحتمية لوجود المنجز الجمالي وعمق دلالات الفكرية ليس في المواعظ والقيمة النفعية ولكن في دلالات البنى وإشاراتها إلى المستوى الحضاري..

وبالمناسبة العرض الآخر في التعبير هو ما مرّ هنا بإشارة إلى استدعاء التراث وبطولاته بتضخم ومبالغة فجة لا علاقة لها باستنطاقه والاستفادة الجمالية الفكرية ولكن بتعزيز سطوة القدسية التي يسقطونها على اك التراث وتقاليده التي تكلست وتحولت لنموذج مرضي لتناقضها وما وصل إليه العصر..

إن بعض مضمون هذه الومضة يتكلف بمهمة تنويرية تشير إلى أنه بوقت توجد الظواهر السلبية توجد بذات الوقت الفرص الإبداعية التي صنعت جدلية فاعلة ذات اثر وإنجاز وهو ما يمكننا افشارة فيه إلى أعمال عديدة بين النمطين والمسارين. لكن ينبغي التوقف عند قراءة الظاهرة بتأن وشمول أوسع..

شكرا لاستكمال هدف التناول برؤى للتنضيج ولتقديم الأنجع

لا تعليقات

اترك رد