ذَاكِرَةٌ تَرْحَلُ فِيكَ … إِلَيْكَ


 

” كان يقول: الحياة في الحركة ومن خانته الحركة مات”. والحركة هذا الزّمانُ الّذي يوقّت أفعالنا وينتظم تجربتنا في الوجود ماضيا وحاضرا ومستقبلا. والحركة كرّ أيّام العمر: طفولتنا الّتي تكبر فينا، وشبابنا الّذي يشيخ، والموت الرّاصد. والحركة الآنَ الّذي نحيا يتغلغل فيه الأمس القريب أو البعيد، والآنُ الّذي يحول ويتغيّر وينمو ويتدفّق حتّى لا تكاد تدركه الشّفتان تُخبران عنه، والآنَ الّذي يرنو وينزع ويُشرع إلى غد آت. والحركة تجربة الإنسان وخبرته” في خضمّها إمكاناته وحرّيته وتقرير مصيره” (1). والحركة ذاكرة تختزن الماضي أخاديدَ ومياسمَ ووشوما تبعثه في الحاضر شعورا دافقا يلوّن تفاصيل الحياة ويردّ الزّمان الفيزيّائيّ في مواقيته الثّابتة الخارجيّة إلى زمان نفسيّ وحال باطنة تتكثّف فيها اللّحظة ويجتمع فيها الزّمان إذ تمتلئ النّفس بأوجاع الحياة ” فعليه في شركها ضريبة لا بدّ أن يدفعها ألما وعرقا وعناء”، ذاكرة تنثال صورُها -وقد شفّت الرّوح-؛ صورُ ” ماض ظلّ يلازم حاضره فخرا وأسى، رحلة وأصحابا، حبّا وحربا ودسائس”.

لا مكان خارج هذا الجسد الّذي رسمت تجاعيدَه وعذاباتِه سنونه الخمسون ولا زمان خارج روحه المترعة كقلم حبر ” يحمل بين جوانحه ما لا ينقضي عنه حتّى لا مناص له منه” وها هو ذا ” ينثر ما به…أضبّت بعينيه السّطور” ولعلّها أضبّت بعين قارئها.

في اتّجاه محطّة القطار يقطع الطريق المزدحمة بالسّيّارات والمارّة يبلغها بحقيبته الصّغيرة ومحفظته المتبالية ورأسه الملتهبة فيندسّ في الزّحام “وجها برنزيّا وبقايا شعر أسود يتماسك على لون البياض وهيأة أستاذ متأنّق ومشاعر كئيبة” فيتّخذ من” عربة تكاد تخلو قرب النّافذة المطلّة على الفضاء الخارجيّ” مجلسا…ويتحرّك القطار في رحلة هي مسافةُ طريق ونفاثةُ بوْح وخطٌّ من كَلام وكِلام مُيمّما شطر منزله بالوطن القبليّ، رحلة تصطرع فيها أحوال وتتناوب أزمان وتنساح قوارير سمن وعسل، رحلة في الذّاكرة يصوغها الأديب الحبيب المالكي” يربّي في نفسه النّبت والحجر يرتّبه مسالك وطرقا من عاج وهّاج تعرج به إليها”.

وحيدا في هواجسه منقطعا عن الجالسين معه بالمقهى، لم يبالوا به، في هذه المدينة الّتي بكّر يودّعها، مدينةٍ جاءها ينشد راحة وأنسا فأذكت فيه حنينا إلى مجد أثيل يسفّهه “حاضر مشؤوم ومستقبل غامض” وهو الّذي اسودّ في عينيه كلّ شيء في هذا اليوم الّذي ضجّت فيه أخبارٌ أوجعت رأسه وأورثته حزنا شديدا: الغزاة على أبواب بغداد والغمّ والهمّ ملء النّفوس والقلوب.

صامتا لا أحد من روّاد المقهى حادثه فباح وشكا، ولا أحد في زحام المسافرين سأله سرّ انهماكه ووجومه، ممتلئا في صمته حزنا تضيق به نفسه وينعقد عليه لسانه يحدّث نفسه فيسلمه تيّار وعيه إلى أحاسيس ومشاعر وانفعالات وذكريات تتداعى تداعيا حرّا وتنساب داخل رأسه الملتهبة في رحلة يتشظّى فيها الزّمان لوحات ويتراكب فيها المكان صورا: تتسّع الرّؤيا وتغيم الحدود ويجتمع في الحاضر طرفا الزّمان ماض

يُسترجع ومستقبل يُستبصر وتعيد الذّات تشكيل أبعاد الزّمان والمكان بوحا ومناجاة وحوارا داخليّا وتردّدا بين عالمها الباطنيّ والعالم الخارجيّ الّذي تنوء به.

هو أستاذ حضارة وأدب يملك محفظة بها كلّ ماء وجهه وكلّ مشروعه يتأبّطها مزهوّا. غدا يقدّم محاضرة بنادي المربّي في التّربية والتّعليم وهو الآن في الطّريق إلى الطّريق إلى منزله بمدينة سياحيّة بالوطن القبليّ الّذي استأجره قريبا من المعهد حيث يدرّس منذ انتدابه.

“توقّف … في نفس طويل يستكمل به مسافة أسف مشوب بألم حزين. نظر طويلا بعيدا، ثمّ أفاق يستعيد الطّريق”. تختزل هذه الجملة بناء الرّواية ” رحلة في الذّاكرة” رحلة في ذات البطل وأفكاره الباطنة يستعيد تاريخا ” كلّما كشف عنه وعن الحياة الّتي أودعها اللّه فيه …أشفق على نفسه فيه وعلى أيّامه الآتية”.

مسافة ثلاثين سنة تنشرها ذاكرته ومضات من حنين وتباريح وجع وقد انتحى مجلسا له يمين عربة القطار وإلى يمينه محفظته يربت أو يضغط بقوّة عليها وإلى جانبه رجل يشهد تقلّب وجهه ويده تجوس بالمحفظة ويسمع صرخة أعماقه وصيحة صمته الهادر:” اللّيلة الشّرّ والشّيطان، اللّيلة هولاكو، جالوت وجنوده ولا أبو حرب” …للّيلة هذه أدب آخر وفنون أخرى تبهر لكنّها تقتل…أدب لم يُرَبّ على صوته”.

وبين أدب جميل جليل أنفق فيه عمره دأب على التّطهّر به وحرب بشعة أتت على الخيال والجمال في نفسه، بين ” رسوم الرّغبة جدولا للحياة والبناء ورسوم الرّهبة أحفور الهدم والموت” يسأل هذا الأستاذ سؤاله: “ما الّذي يبقى من صقل العقول وسياسة الصّبيان؟ كيف يصبح جهاد السّنين بلا معنى؟ كيف ينهار العمران والتّاريخ وتتهاوى القيم؟””

ونتوقّف توقّفه نستعيد الطّريق إلى أنفسنا.

يحدّثنا البطل رحلتَه إلى الأصقاع البعيدة ولمّا يتجاوز السّابعة عشرة من عمره مغامرا أعزل إلّا من إيمانه بالعلم والمعرفة فقد كان كلٌّ ينادي به: اقرأ، يطلب الشّهادة العليا من بغداد ” شهادة للدّرس للعشق للتّاريخ”.

كبرت فيه طفولته وهو يلتقط الورقة بالطّريق يفحصها، وهو يقرأ الكتاب يلتقط منه محفوظا يسجّله، وهو يتلقّى بالكتّاب أولى دروسه، وهو يخطّ بمداد الصّوف المحروق على اللّوح المطليّ بحجر الطّفل أولى معارفه، وهو يقطع عشرات الأميال بين المبيت والمطعم والمدرسة الثّانويّة لا يشكو أو يتذمّر، وهو في طرّة الشّباب يتفرّس أهِلّة تطلّ من وراء حُجُب السّفساري يسعى في إثرها، وهو يستظلّ بالمقهى من هجير القيروان يحمل معه كتبه فيدرس ويطالع ويكتب الشّعر، وهو يرث عن طفولته الأولى كتبا وصحفا ومتونا وخرافات في خزانة لم يتغيّر لونها البنّيّ. وكانت “بغداد ” عالما بديعا عرفه في قراءاته وتعليمه وشيّد له في خياله ونفسه وفكره صروحا شامخة تتلألأ بالسّحر”. انصرف إليها بكلّ أمله ذات صيف عبر طرابلس وتركيا، بغداد مَحجّ الطّلبة العرب سبعينيّات القرن الماضي يكملون دراستهم الجامعيّة.

سبع عشرة سنة قضّاها البطل، الّذي لا يسمّيه السّارد متواطئا مع الكاتب، في ألعاب طفولته وفي كتّاب قريته يبلّغه المدرسة العصريّة المستحدثة أوّل الاستقلال ” حافظا قارئا يفكّ الخطّ”، وفي المدرسة الثّانويّة بالقيروان. التّعليم سبب إلى الرّقيّ الحضاريّ تطمح إليه الدّولة التّونسيّة النّاشئة في إصلاحها التّربويّ الأوّل سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف قرّرت إجباريّته ومجانيته وتونسته، وإلى الرّقيّ الاجتماعيّ تعضّ الأسر على تعليم أبنائها بالنّواجذ ليرحل رحلته إلى بغداد يطلب العلم وما كان لأمّه العجوز الأرملة أن تمنعه.

فإذا بلغ بغداد خطر له ما خطر لابن القارح في جنّته واستحالت نصوصٌ جالسها وقائعَ بين ناظريه: الرّبيع الطّلق يختال ضاحكا، شارع النّهر؛ شارع البنات “النّاعِماتُ القاتِلاتُ المُحْيِيَاتُ المُبْدِياتُ مِنَ الدّلالِ غَرائِبَا”، أبو نواس يحتفي ” بالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة” وقد ” أمكن الجهر” و”عيون المها بين الرّصافة والجسر”…

وتراءت له أطياف من غَبَرَ: السّواديّ وأهل مرو ومخارق بن يحيى المغنّي… وكان طرفةُ فاتحة درسه ومبعث فخره. مطالعات كان يأنس لها بين أصحابه وخلّانه.

ذكرى أدب ودرس مزاجها شاي بالحليب في مشربة الكليّة وهبَاب ما يُلعق من قارورتي السّمن والعسل حتّى يأتي على الأمانة ضيقُ ذات اليد.

يذكر جميع هذا في مجلسه بعربة القطار وقد أهمّه خبر الحرب، صور الطّائرات والصّواريخ ولفيف الجيوش على أبواب بغداد بيضة الخدر وها قد باد الكلام الّذي أنفق فيه عمره، وذاك خياله سفّهته الحادثات، وها نحن القرّاءَ نتحرّك داخل وعي البطل وقد دفعه الحدث الرّاهن إلى الاستغراق في حوار مع ذاته تتوقّف له حركة الزّمن الخارجيّ، ذات المتشظّية تهرب من الحاضر المأزوم إلى الماضي الجميل، لكنّها ما تلبت أن تفيق على أوجاع اللّحظة فإذا الرّأس مثقلة تتنازعها الأسئلة تتضارب أجوبتها ويرهقها فوضى الوجود” كيف يندثر التّاريخ أمام عينيه؟ من ذا الّذي ينشر الكراهية؟ من يقوّض هذا الصّرح وينفي الإمكان؟” صدق نعيمة في زاد معاده إذ قال:” الحرب لو يعلمون لا تستعر نيرانها في أجواف المدافع بل في قلوب الناس وأفكارهم أيضا”. وهذا الرّاوي العليم يتوسّط بين الشّخصيّة وبيننا نحنُ القرّاءَ فينقل لنا عبر المونولوج غير المباشر عالمها الجوّانيّ ووعيها المنهمر في بنية سرديّة دراميّة فكّكت أوصال الزّمان مِزَقا صُورا لُحمتها الذّات يصطرع فيها الإباء والعجز، الحنين والأنين.

رأسُه المثقلة اليوم بهموم الحاضر رأسُه المحشوّة أمسِ في كيس وهو يُحمل كَرْها آخر أيّام امتحان العام الدّراسيّ بالكليّة من شهر ماي ولا ذنب له غير أنّه” يكره الضّيق والحشر والانتماء… ويحبّ أن يكون متعدّدا في واحد واحدا في متعدّ … يحبّ أن يحيا حرّا له نور الشّمس ولون السّماء” وكم أُغرِيَ ولكنّه استعصم.

وما أغلى مطلبه هذا! وما أشقاه بأدبه وعقله!

وهو ينظر أيّام اعتقاله في ” كيمياء الماء الأجاج المغليّ ومعنى الأحماض واختلاط الدّم بالجلد والعظم وفيزياء الحركة تحت ضرب العصا” نجمت في رأسه أخبار الحضارة العربيّة ومحنة العقلاء فيها: الفارابي

وابن سينا والكنديّ والمعرّي وابن حنبل وابن رشد والحلّاج يتراءى له على صفحة ماء دجلة مصلوبا، واشتكى يومها للحريّة – وهو يسأل المعجم معنى السّياسة- أدبَ التّرويض”.

اللّيلة الهجوم على بغداد، نبيّ العصر بهبوذا ينقذ البلاد ويحرّر العبيد ويسرق الذّهب الأسود، هولاكو يصبغ النّهر بالحبر وبالدّم، الزّيزب يأكل الأطفال ويقطّع الأيدي والأثداء، …

وهيهات الرّشيد ينادي السّحابة أن تمطر أنّى شاءت، ويقول لنقفورَ كلبِ الرّوم ” الجواب ما تراه دون ما تسمعه”.

غضِبَ غضبتَه وربَتَ على محفظته ربْتتَه وصرخ صرختَه وسأل جليسه في القطار ” هل تعرف أبا حرب؟” ويجيبه:” لم أعرفه ولكن سمعت عن صياح النّاس في دهاليزه” كان جليسُه صاحبَه في غربة الدّرس والعذاب منذ ثلاثين سنة وها يعود من التّدريس في “ليبيا الثّورة” وقد شهد وصاحبه فيها – في طريقهما إلى بغداد-أوّل احتفال بالذّكرى الأولى للفاتح من سبتمبر 1970، وغير بعيد عن ذلك التّاريخ حرب الأيّام الستّة ومعركة الكرامة وأيلول الأسود… وحال عربيّة أظلّته وهو يطلب العلم مقيما ومسافرا ” انقلاب يتبعه انقلاب وحركة تصحيح تتلوها حركة تصحيح والظّرف مُوات لعمل الجواسيس والمؤامرات”. وما أشبه اليوم بالبارحة!.

رحلة الحبيب الحميدي في ذاكرته وهو يستتر بضمير الغياب يدلّ عليه زمانُ الوقائع مواقيتَ ومُددا وحوادثَ، هي سيرته نشرها خواطرَ تخطرُ وكوامنَ تظهرُ وطواها على غلاف روايته في تاريخ الولادة وسنة التّخرّج ببغداد سنة خمس وسبعين وها هو الآن أوّلَ الألفيّة الثّانية يستقطر الرّزق من ثمرات تعب السّنين في التّعليم والغربة” وعلى أعتاب بغداد ” تصرخ كلّ الكتب كلّ المعارف كلّ القيم”

صرخة تتردّد في نفسك، ذاكرة تُخبر عن حاضرك القلِق المضطرِب، فتن تعصف بالأمصار والمصائر، وتخطر شياطينَ بين المرء وقلبه، وتندسّ في حِبْر أسفارِك وبين أحجار أركانك وعن أراجيف السّياسة تفسد عليك أمرك… ولكنّها تُخبر عن إيمانك بممكن من الفعل ؛ حرّ أنا ” من طين السّماء إذا ضاق إنائي بنموّي يتحطّم” (2) هذه محفظتي و”لا بدّ من الوصول وإن طال السّفر”.

القهرمانة تصبّ الزيت على رؤوس اللّصوص الأربعين يطلّون من الجرار “يختبؤون منذ ألف سنة في جرار العراق”

كان يتأمّلها وفي نفسه شيء منها. نبوءة أم حلم أم سخرية الأقدار…

تأمّلْها. ففي نفسك شيء منها. كلّ البلاد عراق.

ودَعْنا – أيّها الحبيب – من أفانين نصّك: تيّار وعيك الّذي هشّم قوالب السّرد ومألوف الحبكة وتحرّر من خطيّة الزّمان وحدود المكان فاختلط الماضي بالحاضر وارتبك أفق الانتظار بهذه الانتقالات المفاجئة وبهذه الصور واللّوحات والمشاهد الّتي تتراكب وتتمازح وتتداعى تستفرغ أفكارَ الشّخصيّة وهواجسها تنقلها لغةٌ من وحي خفيّ ورمز شفيف. فإنّي أحبّ العراق حبّك إيّاه وإنّي أذكر كتبا أحملها في محفظتي المدرسيّة وقد خطّ على الغلاف “هذا الكتاب هديّة الشّعب العراقيّ، للشّعب التّونسيّ الشّقيق”، وأحبّ القيروان طيبَها الخاصّ، وإنّي أحببته ” يسرّب أصابعه إلى الأوراق تتملّى الكتاب كلّ ليلة كما لو كان يتطهّر إلى عبادة” وأحببته

“عند اللّيل يُنشأ فيه كلّ شيء إنشاء فكرا ونشاطا وروحا وشعرا”. ولكنّني لا أقوى مثله على ” القراءة في صميم الهرج وتعالي الجلبة”.

هذا رحيل ذاكرتك فيّ إليّ وحيدا وكتبي مزروعة. وهذه محفظتي أربت عليها.

(1) ما ورد بين علامتي تنصيص مأخوذ بنصّه من الرّواية: “رحلة في الذّاكرة” الحبيب الحميدي. ج1. مطبعة التّسفير الفنّي. تونس .2018
(2) عن ” ثورة الطّين” أحمد مطر.

المقال السابقصورة مع الحرب
المقال التالىماذا بعد الانتخابات ؟!
قصي المليّح. 15/07/1964 تطاوين شهادة اختتام الدّروس في اللّغة والآداب العربيّة بدار المعلّمين العليا بسوسة. سنة 1989 أستاذ أوّل منذ سنة 1996 النّجاح في مناظرة انتداب متفقّدي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة 2005 النّجاح في مرحلة تكوين متفقّدي المدارس والمعاهد الثّانويّة 2007 متفقّد أوّل ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد