ضوضاء الأقلام المأجورة


 

بعد عام ٢٠٠٣ دخل التاريخ دورته الجديدة ليس في العراق فحسب ، بل في العالم اجمع . فلم تعد هناك حرب باردة ، او دافئة ، كل الساعات ارتفعت حراتها ، وتبدلت التوقيتات بصراعات تفنن بها صانعوها .
لم تبقَ ورقة واحدة من سيناريو صدام حسين ، وافلام الكاوبوي التي تحلو بطولتها له ، وبعد ان كان يُسمّى عزّ العرب تحول الى دمار العرب ، ومن ايقن بنصره في قادسيته الجوفاء فقد غرّر بنفسه وغيره ؛ وللوهم وخداع نفسه اصبح اقرب ، لان بطل التحرير القومي أسس اقوى مشروع لنسف القومية العربية – نغمته التي طالما غرّد بها قبل ان تُعرف تغريدات
( تويتر ) .
امّا من قدّس صدام واناخ كرامته تحت وطأته وكِبره لانه حامي البوابة الشرقية ضد اعتى هجمة مجوسية حسب وصفهم، نسيَ أن صدام بعد نهاية حربه عاد مهزوماً مستعيناً بعدو الأمس بعد حصار مقيت ليس عليه ، بل على شعبه ، ولكي يمرر هو وزبانيته غنائمهم من خيرات العراق ، تحالف مع عدوه وصدّر من خلاله البترول واشياء اخرى بثمن بخس ، وإاتمنه على طائراته اثناء الهجوم الأمريكي الكاسح لاحتلال العراق بحجة تحريره. وأملاً بعودة الأيام من جديد الى سابق عهدها ، والتلويح بالبندقية والسيگار الكوبي ذلك الشعار الذي ميّزه ، وحاول استخفاف الآخرين ببهرجته الفارغة ، لكن أخيراً تم اصطياد الفأر من جحره وطويت صفحته التي مازال البعض يحاول تجميلها بكل ما أوتي من سعة تزويق بكلمات أوْهى من بيت العنكبوت .
ضوضاء هؤلاء المارقين من ماسحي اكتاف الظالمين لم تعُد تُغني فراغاً بائساً بخيبة الامل . وليس هناك آذان صاغية بعد لكلماتهم المهزوزة الاّ ممن هم على شاكلتهم في طائفيتهم و شوفينيتهم وضجيجهم الخالي من كل معاني الولاء و النصيحة واطايب الكلم ، سوى سفسطة مريضة تتعكز على صرح خاوٍ بعيداً خلف الحدود . يتصورونها ابراجاً من نعيم بينما هي منحدرات الرذيلة القاحلة ، فمن لم يذق مرارة حرارة صيف العراق ، ومذلة كهربائه ، وما اصاب ماءه من فاقة ، وما تعفرت به العيون من غبار وتراب ، تارة أحمر وأخرى اصفر، ومرة يقترب من السواد ؛ الأحسن لأولئك السكوت وعدم التهريج ليل نهار على أشياء الى الآن هم أنفسهم لايعرفون ما هي ، ولعل الأمر لا يعدو عن أوراق خضراء مقبوضة تفوح منها – مع رائحة الحبر – رائحة الخديعة والتضليل ودعايات لا تريد اي خير للعراق وأهله ، وإلا مافرقهم عن آخرين مهاجرين مازالوا يبكون دماً بدل الدموع ويتحسرون ألماً على وطنهم الذي اُبعدوا عنه قسراً وجوراً وظلماً ؛ لا لشيء ، الا لانهم ابناءه الاصلاء الشرفاء .
تلك الاقلام تراها تعزف على وتر الطائفية بلا ملل أو كلل ، وتتهم غيرها بطائفية مقيتة . تتحدث عن دول شتى وهي تتغذى من مزابل موائدها وتعزف بريشة متسخة على اوتارِ المكر والدهاء بحجة انها أسماء مرموقة في ساحة العلم والمعرفة وقبل اسمائها حرف الدال دائماً نجد ، وهذا هو عين الدهاء الصهيوني في أدارة الازمات قبلاً وبعداً ، واثناء كل المراحل التي يروج لها هؤلاء بانها النور الذي يصنع الحياة ، وهم من يقود ويحمل مشعل هذا النور التدميري .
هل يمكن ان نضع تلك الاقلام المأجورة في خانة العمالة الصهيونية ؟ ومثالها ليس بعيداً ، فحين تحركت القوات العسكرية وجهاز مكافحة الارهاب وكل الفصائل العسكرية لتحرير الموصل من داعش والارهابيين انبرى احد الشعراء المحسوبين على تيار الديمقراطية التقدمية – الثورية وهجى مِن شقته في أوربا القادة العسكريين والجنود الابطال ووصفهم بالطائفيين اللصوص ؛ ورغم هذا فلم يحصل الاّ على أعنف الردود من اقرب اصدقائه وزملائه الادباء والشعراء ، وبعضهم كان متيقنا بان صاحبة غرق في رشوة خذلته وقلمه الذي نحرَ الوطنية وابدلها بعمالة مقبوضة الثمن .
ومن ذلك الكثير ممن نراهم يكتبون بكلمات رنانة تزينها ادهى مفرادت اللغة ، والمصطلحات الغربية ، واحيانا بكل اللغات إيحاءً بانهم على غاية من الفقه اللغوي والعمق السياسي ، والبلاغة الرصينة في رصّ البديع ، والقاء الحجج ، ودحر الآخر الذي طالما عبروا عنه بالغوغائي ، او الطائفي ، أو الذي يعمل باجندة التوسع المذهبي بالتعاون مع دول الجوار ، او قل ما شئت من صفات يحلو لهم اطلاقها ، ولم نسمع منهم الى اليوم بانهم أعانوا بلدهم بخطط استراتيجية ، أو دراسات فنية هندسية ، او رؤى فلسفية تحدد ملامح المسيرة واهدافها ، لم نسمع منهم غير التسقيط ، أو بالاحرى إسقاط عدوانهم على غيرهم مع أنهم متواجدين في محافل عالمية من خلالها يستطيعون خدمة بلدهم إن كانوا صادقين ، وأين الصدق معهم وهم يتمنون هلاك نصف ابناء العراق لانهم غير متوافقين مع افكارهم وطالما وسموهم بمياسم باطلة ، ووصفوا غيرهم بالمظلومين المهمشين من اجل اذكاء الحرب والفتنة بين الاخوة واهل البلد الواحد !
منهم من قال انه سني متمسك بسنيته ، ومنهم من قال انه شيعيّ متمسك بشيعيته ، ومنهم من تمسّك بكورديته ؛ ولم نجد بينهم من قال اني متمسك بعراقيتي وتربتي ومائي وسمائي . البلد ليس حكومة ووزراء ، إنما بشر وارض وماء وسماء . كل الحكومات زائلة ، ومعها طواقمها من اخيار او أشرار ، لكن التاريخ يسجل وإن تخلله بعض السوء ويكتب ، ومعه يبقى الانسان هو الانسان اذا انتمى للارض او خانها ، ولكلٍ وزنه ودرجته ، يكشفه ضوء الحقيقة بصدقه أو مخاتلته و تباكيه على اطلال مهما رمّمها فلن ينفع معها تجميل طالما هو في الوادي الآخر من هوى الغش باسم الوطن ، والضلال والظن بحسن الصنيعة التي تكابر وهو معها يكابر ؛ كي يصنع باطلاً منذ آلاف السنين لم ينتصر على الحق وارادة الاحرار .
عرّفَنا التاريخ ضمن مسيرته اليومية أنّ خدام الكراسي صورهم بشعة بكل الالوان، وإن طالت ايام اسيادهم فهم دائماً متكسرة ارواحهم ، كما هي اقلامهم المأجورة الزائفة ، وكما هو الضمير المريض الذي لم يستفد من اي علاج ، وأية فرصة لصلاح العاقبة ..
من كان اليوم أعمى ولا يرغب ان يفارقه العمى ؛ فمن الافضل أن لا يمجّد ضلالته وضلالة أسياده فلن يرى أي خير يُرجى لانه أعمى بصر وبصيرة ، وهو كمن ينفخ في قربة مثقوبة ، او يجمع الهواء في شبك ، والماء في غربال !!

المقال السابققول آخر في الدولة المدنبة
المقال التالىالكليجة
سعد الساعدي شاعر وناقد .صحفي وكاتب عراقي عضو نقابة الصحفيين العراقيين .مدير تحرير . نائب مدير اذاعة الفيحاء في بابل .سكرتير تحرير مجلة الطبيب العراقية .معد ومقدم برامج اذاعية .كاتب عمود اسبوعي في جريدة الاعلام .حاليا كاتب في مجلات الكترونية منها الادب والفنون العراقية النبراس الجزائرية والزمان المصر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد