أزمة المثقف العراقي


 

اظهر الاحتلال الامريكي للعراق والارتدادات اللاحقة له مدى هشاسة الانظمة العربية ، فتفجرت كل التناقضات التي كانت مؤجلة او مكبوتة في ظل دكتاتورية الحزب الواحد او العائلة الواحدة للانظمة العربية . فبرزت الانتفاضات العربية المسماة بالربيع العربي بهدف الخلاص من النماذج الاستبدادية السائدة والانطلاق الى ساحة الحرية الفكرية والعقائدية . ولما لم تكن للجموع الثائرة نظرية بديلة ولا قيادة واعية لتوجيههم نحو اهداف واضحة . برز تيار الاسلام السياسي بشقيه ليملئ الفراغ الحاصل . وبالرغم من عدم وضوح المنهج السيىاسي والاقتصادي لهذا التيار . واكتفائه بلافتة عريضة اسمها الاسلام هو الحل . انتظم بعض الشباب لهذا الفكر العام وغير الواضح . قابله شباب اخرون لديهم توجهات اخرى عديدة ، فاندفع الجميع بصراع حول احقيته بسيادة الشارع العربي . وتدخلت دوائر خارجية ، لتحرف كل الافكار المطروحة وتحولها الى نزاعات طائفية عنيفة باسم الدين . . كما عملت على تغذية هذه الصراعات باتجاه التطرف والتعصب فوقعنا في منطقة القتل حسب التعبير العسكري

هذا ماحصل بالشارع العربي . ولم يكن الشارع العراقي بمعزل عن هذا الصراع بل بالعكس كان في لبه . ونتيجة لذلك قتل من قتل وهجر من هجر باستخدام العنف المفرط الذي لامبرر له اللهم الا النزعة الطائفية المقيته والتي اججها من الداخل احزاب وكتل متخلفة وفاسدة جلبها الاحتلال الامريكي ، واخرى ذات اجندات اقليمية مسبقة . وقد انعكس هذا العنف بشكل رئيس على كاهل الطبقة المثقفة . فتعرض المثقف العراقي الى صدمة حقيقية وهو يعتقد ان من واجبه التصدي لهذا العنف والصراع بموقف واضح وصريح . وبدلا من ان يقف بوجه هذا الصراع ويدينه لكونه يعتمد على مفاهيم واسس رجعية متخلفة لاعلاقة لها بالدين . نراه قد انحاز الى هذا الطرف او ذاك ، وانتقل الاضطراب الامني في الشارع العراقي الى اضطراب فكري وسلوكي للمثقف العراقي واصبح يخوض مع الخائضين في تفاهات طائفية عقيمة متهافتة . وتحولت المحنة السياسية الى محنة ذاتية وثقافية
فزادت من اغتراب المثقف العراقي داخل البلد وخارجه . انها محنة وطن . . ولكن
لماذا انغمس المثقف بالخطاب الديني والطائفي بطريقة مباشرة او غير مباشرة ودخل في نفق مظلم افقده البوصلة الثقافية والحضارية ، فاخذ يلبس لباس الدين والتعصب تارة ولباس التقدم والحضارة تارة اخرى ، متذبذب لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء . ونتيجة لازمة الاصطفاف الطائفي وقع في ازمة اخرى وهي صراعه الداخلي بين الحداثة والتمدن من جهة والتمسك بالعادات والطقوس الدينية من جهة اخرى ، ولم يتعب نفسه في التوفيق بين التمدن والحضارة وبين القيم الاسلامية العليا البعيدة عن الطقوس والعادات . . بعدها يتسائل لماذ انهار الصرح الثقافي والفني في بلد الحضارات ولماذ خبت شعلة الادب ومات الفن واطفأت اضواء المسرح واندرست بيوت العلم والادب والفن

اين الشعر الراقي والنص الهادف . اين اللوحات الفنية والمعارض . اين دور السينما والمسرح ومراكز الفنون . هل فقدنا روح الابداع واصبحنا ترسا في عجلة الضياع

وفوق هذا كله يريد المثقف مجتمعا متحضرا وهو لايؤمن بالحداثة . يريد حكومة مدنية ولايتخلى عن تقاليده البالية . يريد حزبا قادرا على قيادة الجماهير وليس له اساس لمنهج واضح . يريد ايديولوجية لاتشبه الغرب ولا يتعب نفسه بايجاد عقيدة فكرية مستقلة . يريد منظمات مجتمع مدني وهو لايملك الحد الادنى من التوافق مع الغير . يريد ازدهار الفنون ، ويضع محددات لاحصر لها من التقاليد العشائرية . يريد تطوير المدارس والجامعات وينتقد مناهج التعليم المعمول
بها في العالم المتقدم . يريد خدمات عامة اسوة بالغرب المتقدم ولايقوم باي عمل تطوعي او خيري في خدمة الناس

اننا لانريد ان نثبط العزائم ولكننا نطالب المثقفين بان ينحازوا الى شعبهم في تحقيق التقدم والحياة الحرة الكريمة اسوة بالعالم المتقدم . اي ان يكون المثقف العراقي مثقفا عضويا على مقولة غرامشي ، ليشارك في تشكيل مجتمع متحضر يؤمن بان الانسان قيمة عليا مقدسة غير القيم البالية التي يقدسها
كما نطالب المثقفين بان ينقدوا انفسهم وسلوكهم وان ينفضوا عنهم غبار الزمن البائد ويشرعوا بالتقدم والنهوض . وان يكونوا رواد حضارة فاعلة ومتفاعلة ، دون الالتفات الى اصوات الناعقين المتخلفين . وان يقدموا اجابات عن المشاكل المحيرة التي تواجه مجتمعنا للارتقاء به الى مصاف المجتمعات المتقدمة . واعادة النظر بالقيم الاجتماعية السائدة ومدى تماهيها مع المنظور الحضاري العالمي . وان ينظر بعين الشك الى المعتقدات الاجتماعية والاخلاقية والعرف والتراث . لان الشك اساس اليقين . ولان الثقافة عماد البناء الحضاري وان الصعود في سلم المعرفة والعلم هو الاساس في تطوير المجتمعات . فاذا كان المثقف مكبلا بمفاهيم عفى عنها الزمن فكيف سيكون قائدا لجموع الشعب التي تتطلع اليه للنهوض والتقدم

لا تعليقات

اترك رد