حوار مع الشاعر اليمني عبدالغني المخلافي ..


 

الشاعر اليمني عبدالغني المخلافي:
غريبٌ ومبعد لا وطن لي وفيسبوك بيتي الأخير!

لم تكن شهادة الابتدائي، سبباً في أن يبتعد عن عوالم الابداع، لكن اصراراً عنيداً، أفضى إلى كتابة قصيدة نثر مشرقة في زمن الحرب: “أيها المساء الصديق/ ضمني إلى صدرك/ يتيمًا/ خذني إليك نجماً مسافراً/ وسحابة ممطرة بالحزن/ أنا الغريب المبعد/ لا وطن لي ولا حضن/ أنهكني الغياب/ وانتظار القصيدة/ والشوق إلى الحبيبة/ والأولاد الذين تركتهم خلفي/ وماذا سأكتب اليوم وفي الغد وبعد غد؟”.
بنبرة عاشق قست عليه ظروف البدايات والنهايات، يتحدث إلى “الصدى نت” شاعرٌ “للوجعِ مكانٌ في عينيه”، عن 18 عاماً من البُعد والوحدة ودوام يومي، مكثف، لا فكاك منه إلا إلى فيس بوك؛ حيث للروح أن تعيد ترتيب وجعها الجميل، غير أن الشعر هو الملاذ في ليل الغيابات. وإن تراءى لكائنٍ مسكون بالحب الأول والوجع اللامتناهي، أن أبواباً هنا أو هناك تبدو مفتوحة انما هي عصية على الاغلاق، ذلك أن أبواباً “ليس له إغلاقها”: “هذا المساء/ لم أذهب إلى العمل/ أنا طريحُ التعبِ/ حاجتي شديدةٌ إلى الحبيبةِ/ لا إلى الطبيبِ والدواء”.
هي محاولة للاقتراب من الشاعر عبدالغني المخلافي “المُبعد” خلف مجرات الشوق واشتعالة القصيدة، الذي قست عليه الغربة لأن: “في الوطن تم تقويض كل شيء”.

*تباشير الابداع.. محاولات الكتابة الأولى؟
-كانت ثمة مؤشرات مبكرة في مرحلتي الأولى من التعليم، تكشف عن ميولي الأدبية، كتفضيلي لمادة القراءة عن باقي المواد، وحفظي للأناشيد المدرسية والتغني بها على مسامع الأهل، بعد استعارة لحن أي أغنية وطنية مناسب لكلماتها، وشغفي الشديد إلى سماع القصص عند كل مساء.
أذكر أنني حَاولتُ كتابة بعض الخواطر والقصص في الخامسة عشرة من عمري، وكنتُ كلما عرضتها على بعض المدرسين من الأقارب، ينكرون عليّ ذلك، لمعرفتهم أنني تركت التعليم في المرحلة الابتدائية، وكان يعطيني إنكارهم ثقة كبيرة، ويشعرني بأنني كتبتُ شيئاً فاق سني وثقافتي.
وعندما أرسلتُ واحدة من تلك المحاولات إلى النشر، ولاقت طريقها دون وسيط. طرتُ من الفرح بين الأقران، متفاخراً بنفسي. وعندما اتهمتُ بسرقتها، تعززتْ ثقتي بموهبتي أكثر. مع قلة اطلاعي في ذاك الحين، كنت أحس بأن ما أكتبه فوق وعيي.. وكأنَّ ثمة كائنًا خفيًا يلقنني.
وحينما أخذتْ تجربتي العاطفية منعرج الفراق.. كتبتُ أكثر من محاولة شعرية عن تلك التجربة، التي حولتني إلى قيس آخر. تُنشر أشعاره في الصحف. وتُردد وسط المجالس. وثمة من أصبح يتابع قصائدي. ولم أكن أتوقع لها تلك المتابعة والإعجاب.. ربما لاقت ذلك لما كان فيها من عاطفة وصدق.. وكثيراً ما كنت أجد من يشير إليّ بإصبعه بعد أن صارتْ ملامح صوري المنشورة في الصحف محفوظة، وكان يعطيني ذلك إحساسًا بأنني غدوتُ نجمًا من خلال ما أنشر.
كنتُ وقتها أكتبُ لأعبر عن مشاعري المقهورة، لا من أجل الشعر. وعند توقفي عن الكتابة والنشر، لفترة طويلة، وجدتُ من يقول لي: لماذا توقفتَ وأنت ذو موهبة.. كنت لا أتصور بأن ما أكتبه في ذلك الحين شعراً، لنظرتي الكبيرة للشعر، واعتقادي بأن لا يكتبه إلا ذوي الشهادات العليا، والشعراء هم أناس استثنائيون، أصحاب خوارق أسطورية، وكيف أكون شاعرا، وأنا لم أتعلم إلا القليل من القراءة والكتابة، ولم أحصل من التعليم إلا على الابتدائية.. وأستعين على تصحيح ما أكتب بأصدقاء مدرسين. ينبهرون بقدرتي المعدومة لديهم، وهم أصحاب شهادات عليا. البعض منهم يدفع بي للاستمرار. وثمة من يغار ويغمط حقي من الموهبة والتميز.
وأذكر عندما عرضتُ على أبي قصيدة نُشرتْ لي في صحيفة الجمهورية، وهو الذي كان يتمنى إكمال دراستي، وكان لا يزال متحسراً على تركها، وكيف لم يصدق بأن المنشور هو من إبداعي، إلا بعد إدراك المعنى، الذي لا يمكن لغيري التعبير عنه، وكيف غمرته السعادة، وراح يعرض على أصدقائه بفخر وغبطة ما نُشر لابنه بالصحيفة، وكنتُ قد نشرتُ قصائد عديدة، ومن بين تلك القصائد، قصيدة حَظيتْ بالانتشار والشهرة لما احتوته من تلخيص عميق لتجربتي العاطفية. أشاد بها محرر الصفحة الأدبية، واصفًا لي بالواعد. وزاد من تعزيز ثقتي أيضًا، عرض أبي تلك القصيدة، على أحد الشعراء الكبار، وأنا برفقته، وكيف قيمها من جانبه التقييم الجيد، وعاد يسألني إن كنت قد درست علم العروض. وكنت لم أسمع به ولا بالخليل بن أحمد الفراهيدي، فقال لي: إنك تكتب بالسليقة، فهززت رأسي، وأنا لا أعرف ما هي السليقة..
كنت أستلقي على فراشي في الظلمة عندما أحس أن ثمة شيء يعتمل داخلي، وأجد الكلمات تنهمرُ وكأنني لستُ الذي يكتبها. بل هي التي تكتبني..
كانت القصيدة بالنسبة لي حالة شعورية مصحوبة بالإلهام، على شكل دفقات متتالية، إذا انقطع الإلهام والدفق، توقفتُ ولم أستطع إضافة حرف واحد كوني حينها لا أعرف صناعة الكلمات، وتركيبها.. وقصائدي تفعيلة تجدها عند قراءتها موزونة، على بحر من بحور الشعر، حسب ما قاله صديق والدي الشاعر: السليقة هي من تقوم بالوزن وربط المعاني، لكن عليك معرفة علم العروض، أنت صاحب موهبة فطرية، اعمل على صقلها بالقراءة والاطلاع على تجارب الغير، ناصحاً أبي بتشجيعي.

*كيف تستقبل رمضان وأنت خارج الوطن؟
-منذ سنوات وأنا لم أشهد رمضان تحت سماء الوطن وكلما حل وأنا بعيد عن الأهل استرجعت ذكرياته وخاصة في زمن الطفولة.. وكيف كنا نستقبله في ابتهاج مرددين الأناشيد الرمضانية. كثيرا ما كان يتزامن حلوله مع فصل الصيف، الذي يكثر فيه نزول الأمطار. فلكم سبق وقت الإفطار، نزول المطر، وتعذرت علينا العودة إلى المنازل، ونحن من نسكن الأماكن المرتفعة.. لسنوات طويلة والوطن يعيش رخاء في العيش ووفرة في الأرزاق.. لا أحد يشتهي ذهاب رمضان.. وكنت أسمع الكثير ممن يتمنون لو أن رمضان يمتد إلى شهرين، خلافا عن اليوم، برغم الوسائل الحديثة التي دخلت على الحياة، إلا أن ثمة أشياء أصيلة، اضمحلت، كتكافل الناس وتقارب القلوب.. وما لحق الوطن من أوضاع صعبة، أفسد على الناس عيشهم.

*لم تتجاوز في دراستك أولى عتبات الإعدادية وما بعدها.. اكتفيت بتحصيل الابتدائية فقط، لماذا.. ما هي الأسباب؟ ثم: خرّيج الابتدائي، كيف تمكن من أدوات الكتابة، وليست أي كتابة، انما قصيدة حديثة مميزة؟
-قد يكون سبب تركي للدراسة هو كوني حرِمْتُ من أحضان أبي وأمي المنفصلين، وأنا في الخامسة من عمري، وتكفل جدي وجدتي لأمي بتربيتي وادخالي المدرسة والمواصلة فيها إلى الصف السادس. لم أنجح في ذاك العام ورفضتُ إعادة السنة ممتنعًا عن الدراسة، رغم إغراءات جدي، ومحاولات إجباري من أبي. ذَهبتْ سدى كلْ محاولات إعادتي إلى المدرسة.. وصرتُ بعد ذلك أحفظ القرآن من جدي الذي يُعلّمهُ لأبناء القرية والقرى المجاورة، ووجدت نفسي مغرماً بقراءة القصص، من ضمنها سلسلة المكتبة الخضراء للأطفال. أذكر أنني اشتريتها كاملة، من مصروف جدي ومصروف أبي الشهري.. ثم بعدها قراءتي للسير الشعبية: (الزير سالم ـ عنتر بن شداد ـ سيرة بني هلال ـ المياسة والمقداد ـ وألف ليلة وليلة) وعشقي أيضا للعبة كرة القدم، التي أخذتْ من اهتمامي الكثير، ومتابعة أخبارها في الصحف والمجلات الرياضية.. ومسابقاتها على كل المستويات.
ظلتْ نوازع التمرد والنفور هي السمة الغالبة على طباعي. رغم الرعاية التي لقيتها من جدي وجدتي، والحب والتّدليل والمناخ الذي شكل وجداني، والنواة التي ربطتني بالكتابة والقراءة، وتجارب أخرى جعلتني أتجه للتعبير عنها بأداة ما قرأته واختزلته في سنين نشأتي على قراءة القصص، وكتب أخرى توفرتْ في مكتبة جدي، وحفظي على يده خمسة عشر جزءاً من القرآن. أكسبتني ثراءً لغويًا وفصاحة..
ينتابني الغبن الشديد كلما تذكرتُ تمردي المبكر عن الدراسة، رغم ما وصلتُ إليه اليوم، من المعرفة.. لا أدري كيف كان وعيي سيكون، لولا أنني تداركتُ تعليمي، واستطعتُ بالقراءة المستمرة الإمساك بحروف الكتابة، مع علمي القليل بقواعد النحو والصرف. وشعوري بأنني أقل الآخرين في التعليم، دفع بي لأكون صاحب ثقافة، وتجربتي المبكرة في الحب، جعلتني أعبرُ عن ما يختلجني من مشاعر وانفعالات على الورق. منغمسًا في قراءة قصص الحب وحفظ شعر (قيس بن الملوح ـ وابن ذريح ــ وعروة ــ وجميل ـ وعنترة). ولم أترك أي رواية غرامية إلا وقرأتها، سواء في أعمال المنفلوطي، أو فيما كتبه نجيب محفوظ، أو في أدب إحسان عبد القدوس، مع ميولي إلى الرواية الرومانسية في ذلك الوقت.
وأنت تسأل عن كيفية استطاعتي الكتابة بهذا الأسلوب الذي تراه أنت رائعاً، رغم شعوري بأنني مازلت أحبو وتساورني الكثير من الشكوك حول مستوى ما كتبت.. كوني لم أكمل دراستي ولم أتعدى الابتدائية واستطعت تعويض هذا الجانب بالقراءة والاطلاع. فهذا يحسب لي. ولست أنا الوحيد فهناك الكثير من الأعلام في الأدب والفكر والشعر لم يكن لهم مؤهلات دراسية عالية، استطاعوا أن يتركوا لنا إرثا عظيما في فنون عديدة
وهذا ماجعلهم في نظر الآخرين عباقرة ومبدعين استثنائين.

*تكتب الشعر، القصة القصيرة، المقالة.. لكنك تهتم بالشعر، في صدارة اهتمامك: منشوراتك الفيسبوكية، ومجموعتين صدرتا لك حتى الآن. هل يمكن الاستغناء عنالشعر؟
-أحمد الله كثيراً، على ما وصلت إليه من المعرفة و ما أنتجته من أعمال رغم طموحي الكبير، وإيماني بموهبتي التي لو أعطيت الوقت الكافي من الصقل والاهتمام لربما وصلت إلى أبعد مما وصلت إليه اليوم.
أعشق الفن بألوانه. لو أتيحت لي فرصة التفرغ له، لأعطيته جُلّ اجتهادي ووقتي، لما تجد فيه نفسي من الكينونة والاكتمال، و الابتعاد عنه يفقدني التوازن ويشعرني بالتجزؤ. بالنسبة للشعر لا أستطيع الاستغناء عنه. هو وسيلتي السريعة، التي أعبر من خلالها، في أي مكان وزمان عما يختلجني، خلافا عن القصة والمقالة التي تحتاج للكثير من الوقت والتفرغ.
يقول الشاعر لويس أَراغون “لولا الشعر لأُصبنا جميعًا بالسكتة القلبية.” أَليس العالم بدون شعر خراب وخواء؟”.

*مواقع التواصل الاجتماعي، كيف أفادتك؟
-من خلال هذه المواقع استطعت التواصل مع مبدعين من مختلف الأقطار العربية، وصرنا قريبين إلى بعض وكأننا أسرة تسكن بيتا واحدا نتبادل الأفكار والآراء ونطلع أولاً بأول على نتاجنا الإبداعي. لولاها لما وصلت إلى المتلقي العربي ولم تختارني مجلة نصوص من خارج اللغة ضمن خمسة وخمسين شاعر يمني نشرت نصوصهم في ملف لقصيدة النثر.

*في مجموعتك الأولى “للوجع مكان في عينيه”، الصادرة في 2015، حضر ما يمكن أن نطلق عليه قصيدة الاغتراب بشكل لافت في تلافيف نصوص المجموعة، غير أن ذات القصيدة ممهورة بحزن ومنفى وشيء من قصيدة الحرب، تداعت في “أبواب ليس لي إغلاقها” الصادرة 2017: ماذا عن ظروف كتابة نصوص كل من المجموعتين؟ على انك في الثانية عمدت إلى تغيير ملمح الكتابة: نصوص المقاطع الصغيرة المتداعية. أين هو عبدالغني المخلافي، متماهياً مع كل هذا الهمّ الانساني، شعراً؟
-مجموعتي الأولى كانت تجربة متنوعة في قصيدة النثر، هي نصوص كتبت من عام 2007 حتى عام 2015، حضرت فيها الحبيبة والغربة والوطن. وإذا نظرت في نصوص المجموعة الأخيرة ستجدها مختلفة من حيث التكنيك والتقنية اعتمدت فيها على المقاطع. أي التيمات. وهي حالات انفعالية و تداعيات أكتبها وأنشرها في لحظتها على صفحتي في الفيس وأرجع إليها من حين إلى آخر لإعادة صياغتها وتنقيحها. في كل نصوص المجموعتين
تماهيت وامتزجت. هي عصارة معاناة وأحاسيس ولكل نص حالته الشعرية. فالكتابة عندي هي حالة شعورية تأخذ بقلمي عنوة نحو المساحة البيضاء دون تكلف أو اصطناع.

*لك مجموعة ثالثة قيد الطبع.. ماذا عنها؟
-مجموعتي الثالثة جاهزة للطباعة لكنني هذه المرة سأتمهل ولن أزج بها إلى الناشر.. هي تجربة ثالثة في نفس اللون الذي انتهجت الكتابة فيه والتجريب والمحاولة، والجنس الأدبي الذي وجدت أنه أقرب إليّ، حيث وأنا أميل كثيرا إلى السرد والتجديد، ولا أحب التقيد بأي نمط من أنماط الكتابة.
قصيدة النثر بالنسبة لي أراها من أصعب الأجناس الشعرية والقليل من نجح في كتابتها.. البعض وقع في فخ الخاطرة وثمة من وقع في النثر السردي واعتقد بأنه قد كتب قصيدة نثر. وسنظل نحاول ولن تنتهي المحاولة. الكتابة في مفهوم الإبداع هي محاولة دائمة لا تنتهي عند حد، والإبداع الجيد سيبقى جيدا في أي جنس أدبي كان.

*الماغوط وبودلير وآخرين تقرأ لهم.. كيف هو برنامجك اليومي مع القراءة.. هل يمكن أن لا نقرأ؟
-الماغوط ورياض الصالح وعدنان الصائغ من الشعراء الذين قرأت لهم في قصيدة النثر وتأثرت بتجاربهم.. وأيضا في الشعر العالمي المترجم.. بداية من شعر بودلير وبابلو نيرودا ولوركا ورامبو والكثير من شعراء العالم.. ليس لي أي ارتباط مع أي مؤسسة ثقافية أو إبداعية أو أي حراك أدبي واسع، عدا بعض الأصدقاء الشعراء والمثقفين السعوديين، ألتقي بهم أحيانا، و كنشاطي المحدود على صفحات “الفيس” و”التويتر” وقراءاتي وكتاباتي المسروق وقتها من نومي وساعات عملي الطويل.
على المبدع ألا يتوقف عن القراءة. فهي زاد الكاتب وبمثابة الشهيق والزفير له. وعليه الاستفادة من كل جديد يثري تجربته وأدواته ولا ينقطع عن مزاولة الكتابة. فالكتابة عملية مراس ودربة، مثل أي مهنة إذا انقطعتَ عنها افتقدتَ اللياقة والأداة.. كالرياضي قد يفقد مستواه إذا انصرفَ عن التمرين، وإن كان صاحب موهبة كبيرة..

مسيرتي مع الكتابة متقطعة. كنت قد بدأت في بداية التسعينيات بنشر عدة محاولات في قصيدة التفعيلة وبعض القصص القصيرة والمقالات في صحيفة الجمهورية والثورة وصحف حزبية وبعد أن غادرت الوطن إلى المملكة العربية السعودية للعمل انقطعت تماما عن الكتابة حتى عام 2007 وكل ما وصلت إليه هو بمجهودي الفردي دون أي توجيه من أحد.
قدمت لي هنا أكثر من دعوة لإقامة أمسيات شعرية لكني أعتذر وذلك بسبب ارتباطي بالعمل الذي يمتد من الصباح حتى منتصف الليل.

*أنا مجهد/ في نهاري أجتر الذكريات الحميمة/ وفي ليلي أبكي أيامي المهدورة بعيدًا/ أتلمس الدفء المفقود والجراح النازفة/ أرفع رأسي إلى السماء/ ماذا تبقى لي من العمر لأعيشه/ في الأحلام/ وتهجي قصائد بودلير والماغوط/ القريبة إلى قلبي/ وقراءة رواية زوربا أكثر من مرة/ واشتهاء صدر أي امرأة عابرة/ مكتنز بالشهوة/ ولا أستغفر الله كثيراً من هذه النزوات. (من نص المُبعد أحد نصوص مجموعتك الأولى).. 18 عاماً من الاغتراب؛ حيث تعمل في السعودية بينما الأهل والأحبة في اليمن.. حدثنا عن هذه المكابدات الجميلة التي تنتج شعراً بديعاًً، كهذا؟
-إذا سألتني أي النصوص أقرب إلى قلبي لأجبتك سريعا دون تفكير في الانتقاء هو نص (المبعد). لا أدري من كتب الآخر، أنا أم هو؟. تصور أن ولادة هذا النص، لم تستغرق أكثر من ربع ساعة.. ولد كما هو، لم يحتاج مني إلا ما يحتاجه المولود بعد ولادته.
لا شك أن الغربة لها جوانب مضيئة وجوانب معتمة. ولكن كيف تستطيع أن تستغلها الاستغلال الخلاق؟
ربما ابتلائي بهواية القراءة والكتابة كانت لعنة حميدة بالنسبة لي، لولاها لا أدري كيف كانت ستكون حياتي؟
كنتُ قد ذهبتُ إلى الغربة في عام 2000، وفي جعبتي الكثير من الطموحات والأحلام، وبعد ابتعادي بخمسة أشهر عن الوطن، اصطدمتُ بقيود، وأنا ذاك الطائر، الذي لا يعهد الأقفاص.. كان عليّ التطبع بمناخ وواقع يختلف عن بيئة لي فيها طقوس وأهواء..في بداية غربتي تخللتها صعوبات كادتْ تعيدني إلى الوطن دون فائدة.. بعدها استقر بي الحال نحو أهداف مهمة. ونجاحات تعاقبتْ مع شعوري بالفقدان والتَجَزُّؤ. أذكر ذلك الجار الشغوف بالأدب. وكيف نمتْ بينه وبيني صداقة متينة ونصحي له بالقراءة، والاطلاع على كتب سبق لي قراءتها، ووصفي لروايات ودواوين جلبها وأودعها عندي، وكنتُ منقطعاً عن القراءة، عدا القليل من المطالعة، ووقوع تلك الكتب في يدي أعادني بهمة عالية بعد انصراف استمر لمدة سبع سنوات، أفقدني الكثير من أدواتي المكتسبة.
كانتْ الكلمة هي قدري المحتوم، وسط امكانية اقتناء الكتب والتصفح عبر الإنترنت. أخبر همتي هكذا في صعود وهبوط. وما أنتجته من كتابات يجعلني أؤمن بموهبتي. ثمة مراحل من عمري كانتْ تختلف، من حيث الحماس والرغبة الجامحة للظهور، وحب التميز وإبراز القدرات، عن ما أعيشه اليوم من عبء المسؤوليات، وثقل هموم الحياة، وانشغالي في تلبية احتياجات العائلة. ومن الصعب العيش للهواية وترك كافة الالتزامات.. ولا يكفي إعطاء الأدب نصف الاهتمام، لنصل إلى ما نشتهي من إبداع. يقول توفيق الحكيم: “لا يكفينا تثقيف العقول، بل علينا تأديب الحواس”.
حبي للكلمة يجعلني أعاود نشاطي كلما وهنتُ، ويفسح لي مجالاً للانطلاق رغم المساحة الضيقة والحيز المحدود.. في نهاري أعمل، وعند فراغي أجلس إلى القراءة أو الكتابة أو التصفح عبر الإنترنت والمشاركة في مواقع التواصل، كالفيس بوك، والتويتر. والبعض ممن هم هنا من الأقارب يعتبرون ما أنا فيه جنوناً ذهب بي إلى العزلة، وإهدار الوقت.. وأنا بدوري أتساءل عن لعنة لحقتْ بي ولا أريد الفكاك منها. أقضي ليلي مع القراءة، ومحاولة الكتابة، والبحث عن الجديد في مواقع الأدب.. أوجدتْ لي معرفتي مكانة أعتز بها بين المثقفين هنا.. ويسألني البعض كيف وصلت إلى هذا القدر من المعرفة والإبداع، وأنت لم تكمل التعليم ولم تدخل الجامعة؟ وتكون إجابتي دائماً كإجابة العقاد: لأنني لم أكمل دراستي ولم أدخل الجامعة.
اعتمدتُ مبلغاً شهرياً لشراء ما احتاج من الكتب، مكوناً مكتبة تضم بين رفوفها عناوين متنوعة وقمت بطباعة أعمالي على حسابي الخاص رغم ظروفي غير المهيأة، وحركة نشاطي المحدودة، إلا أنني لا أنكر ما منحتني إياه الغربة، والذي كان من الصعب علي الحصول عليه أو تحقيقه داخل الوطن.

*المشهد الثقافي اليمني، في أتون حرب منذ أكثر من ثلاث سنوات.. ما هي أحواله؟
في الوطن تم تقويض كل شيء. لم يتبق إلا حرف وصوت المثقف والمبدع يصرخ في وجه الموت والدمار رغم تعطيل نشاط وعمل كل المؤسسات الإبداعية والثقافية. بقت الحرب مادة خصبة للمبدعين.. وإذا كان كل شيء قد تقوض إلا أن الإبداعات بمختلف الفنون ازدهرت وخاصة الشعر وهذا واضح فيما نقرأه على صفحات الفيس وباقي المواقع الإلكترونية.

*حين أبلغتك انني شارفت على انهاء حزمة أسئلة، في خضم حياة هي أشبه بحطام منافٍ لا آخر لها، طلبت أن أرسلها ساعة العصر في الغد، لكي تنام قرير العين.. أتفق معك، ولو كنت مكانك، لفعلت ما فعلته. السؤال: هل يدرك العالم كل هذا القلق وهذي الطقوس لدى الشعراء؟
-لا يمكن لهذا العالم أن يتفطن لماهية قلقنا وأننا بآليته الواقية ندرأ عنا رتابته. فالمبدعُ دائمُ القلقِ الإِيجابي.

*حياة بلا فيسبوك.. كيف ستكون؟
قد تكون للبعض جميلة ومريحة ومثرية، ولكن لمثلي لا اعتقد أبدا. وإن كانت تستنزف من وقتي الكثير والكثير الذي يمكنني أن استفيد منه في قراءة كتاب من الكتب المؤجلة لدي إلى أوقات الفراغ. حاولت مرارا الهروب من هذا الفضاء ولو لبعض الوقت لكن سرعان ما ينتابني شعور وكأنني خارج الزمن أو في وسط جدارن دون نوافذ.

المقال السابقالكليجة
المقال التالىالنقد الكرافيكي الرقمي – ج-1
صدام الزيدي شاعر وإعلامي يمني، عضو نقابة الصحفيين اليمنيين، عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، عضو هيئة تحرير مجلة نصوص من خارج اللغة الصادرة من العاصمة المغربية الرباط، محرر بموقع فضاءات الدهشة الأدبي العربي.. فائز بجائزة رئيس الجمهورية في الشعر بمحافظة المحويت، صدر له في 2010 "صوب نخّالة المطر"، ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد