رواية النسيجة ” لإلهام بوصفارة ” استدعاء المثيولوجيا لتفسير الواقع السياسي


 

بين استهلال وخاتمة إثر زيارة وفد من العميان لمتحف برادو الشهير بإسبانيا تشكلت رواية ” النسيجة ” من خلال قراءة لسطوح لوحات ،خيالا ورؤية . انطفأ نور البصر ونشطت حاسّة اللمس فجنح الخيال بالأعمى لينسج “نسيجة ” هي نص روائيّ يتصل بوشائج المسرح الإغريقي وبمستوى الوعي الديني . تعود في منشئها إلى الميثيولوجيا اليونانية التي هي في جوهرها مجموعة من الأساطير والخرافات التي آمن بها اليونانيون القدامي ، المهتمة بآلهتهم وشخصياتهم الأسطورية وطبيعة فهمهم للعالم آنذاك ، محيلة حينا إلى واقع تونسي ( فقد القدرة على الإبصار في أحداث الرش بسليانة ) ص 152 وعربي حينا آخر ( يثور البشر اليوم على الظلم ويطالبون بحقوقهم المهدورة بحناجر قويّة ) ص 28 انطلاقا ممّا سمي في 2011 بالثورات العربية . ملتقطة ما هو خاص عابرةإلى ما هو عام ، في ما يتعلق بالسلطة وطرائق ممارستها وما قد يتصل بها غالبا من صراع و قهر و ما قد تواجهه من ثورة و تمرد وانقلاب وما ينتج عنها من نجاح أو ما تنتهي إليه من فشل . إنها رواية تحفر في حاضر لحظتنا لتقول إنه قديم مرتبط بطبيعة البشر حكاما ورعايا ، على أي أرض من العالم كانت ، مستدعية عالم الميثيولوجيا بعناصره المختلفة آلهة كمّلا وأنصاف آلهة وأبطالا أسطوريين وبشرا وخوارق حتى تفسر فعل السلطة الأسطوري وأثرها في العالم العربي.

وهو لا شك اختيار فني من الكاتبة أخذت به عن دراية ووعي لتعالج موضوعات حارقة بأدوات أسطورية، مبتعدة عن التعبير العاري وماتقدمة اللغة في هذا المستوى من معنى أولي لصيق بالأشياء والأحداث لا يقبل تأويلا ، يفسر فعل السلطة وينقله ويصف ردّة فعل الناس نحوها . وهو رأي نابع من وعي باللحظة واستعانة بالمثيولبوجيا لقراءة اللحظة ذاتها . والمثيولوجيا دين وسلطة وفكر وفن متصل بالحضارة اليونانية القديمة كان تشكل على مدى ما يساوي ألف سنة . أحذت به إلهام بوصفارة كاختيار فني لتحيك لنا نسيجتها أو تعبيرتها من حقل دلالي يشير في الغالب إلى المسرحوالفلسفة والفن . بهكذا رؤية تشكلت رواية النسيجة ، لوحة ونصاركحيا يجسد صراع آلهة وأبطال ، من أجل تضارب القيم والمواقف والرؤى . فكانت الثورة والتمرد ،وكان نجاح و انكسار .ومن يدرس هذا النص قد يجد يقع تحت تأثير أحد هذه الاتجاهات التي تلحّعلى الباحث أن يأخذ بها.

أوّلا : هل نقرأ الرواية آخذين بعين الاعتبار الوشائج التي تربطها بالمسرح الإغريقي موضوعا وشخصيات ودراما وفنا؟.

أم هل نعتبرها نصّا نثريّا هو أقرب إلى نصّ مسرحي بموضوعاته وشخصياته؟ . أم هو نص ناشئ فقط من رحمها ليكون روا مسرحية؟ .

أم هل نعتبرها رواية ، احتراما للعقد الممضى بيننا وبين الكاتبة.ذلك أن الاستلهام من الميثيولوجيا لا يقصيها من عالم الرواية إذ هو معين استقت منه كل الأجناس الفنية المعروفة .

وقد نعتبرها نصّا يبحث في كبرى هذه المعاني ويفلسفها :الأسطورة والسلطة والدين والفن.

ولئن اهتمّ الباحثون بدراسة الأساطير والإغريقية خاصة لتعرف بدايات تشكّل المعرفة والوعي عند البشر في تلك الأزمنة البعيدة فقد كان لهم الفضل أيضا على الأدباء الذين استلهموا من مادتها أعمالا فنّية خالدة فحققوا متعة الفن إلا أن المستلهمين منها أعمالا روائية أو قصصية أو حكايات في مشهدنا الثقافي التونسي قلة . ويمكن أن نذكر هنا على سبيل المثال الكاتب الناصر التومي ومسرحياته المستلهمة من الأساطير القرطاجنية كالخسوف و قرطاجيات و عليسا أنياس .ورائعة الطاهر قيقة ، ” تسع ليال مع كاليبسوا “.

غير أن جمع هذا الكمّ من الآلهة في نصّ واحد لم يظهر إلا عند إلهام بوصفارة .

لا شك أن الكاتبة أخذت وقتا طويلا في دراستها للميثيولوجياالإغريقية حتى تختار من الآلهة ما يمكن توظيفه ضمن رؤية دلالية للفن والسّياسة . أكاد أتصورها وهي تبحث لأيام في أسماء الآلهة ووظائفها وصفاتها ومقاماتها وسلطاتها وأقسامها حتى تصل بنسيجتها أو تعبيرتها أو حائكها إلى ما تبتغي أن تقدمه إلى القارئ، مما يعني أن كل هذه الشخصيات لم تقدم صدفة ولن تجد من بينها من لا دلالة له ، مما يعني أيضا أن الرواية في جانب منها هي عمل لا يخلو من بحث، وتوثيق . فتكون النسيجة مرّت بمستويات معينة من الإعداد والتفكير لتصل إلى مرحلة الإنجاز . فهنالك فكرة نابعة من الميثيولوجيا وهنالك شخصيات جسدت هذه الفكرة وهناك رؤية تتشكل من خلال تحرير الخيال وإطلاقه ثم ربطه بأداء الشخصية حتى تصل النسيجة إلى المعنى الخاص التي تنشده كتابة الرواية .

الآلهة كثّر في هذه الرواية ويمكن تقسيمها وظيفيا إلى .

• آلهة تحكم حكما مطلقا ثمثل ربّ الأرباب . وهي المسيطرة
• آلهة هي نصف إلاه ونصف بشر . لعلّها مازالت في طور السّمو ببشريتها نحو المقدس وهي تعيش صراعا داخليا بين ذاتها وما ترغب في أن تكونه .
• بشر يطمح أن يكتسب صفة الإلاه القوي ، العارف ، الخالد .
ولا شكّ أن هذه الرواية وإن عالجت مشكلة الحكم في أثينا في عالم ميثيولوجي أسطوري فإنها لا تقصد إلى الإخبار عن تلك الفترة وأولئك الحكام الآلهة وعلاقتهم بالبشر في تلك البقعة من الأرض وصراعهم من أجل السيطرة على الأولمب أو على أبناء نسلهم واستعبادهم وكتابة أقدارهم ليكونوا تبّعا لا يمتلكون قرارا ولا يأتون فعلا حرّا ويسعون إلى المحافظة على ذلك النظام في الحكم والتسيير وتقسيم العمل وتقاسم الوظائف ترتيبا لحركة الكون الطبيعية وتسييرا للمدينة . فالقوة ، والخداع ، والولاءات ، والخيانات ، والسياسات ، والانقلابات شيء متاح حتى يستمر إنتاج الواقع المتوارث في المدينة ويصبح قدرا لا يمكن تغييره أو التصرّف فيه . فالحكم و الإعدام والعقاب والنفي والسجن فشيمة الآلهة ولا شأن للبشر به .هم سلطة مطلقة تفعل ما تريد. ولعل المعرفة أيضا لا يجب أن تكون مشاعا بين البشر. فقصة ـ سارق النار ـ في الرواية دليل على ذلك . حتى لا ينقلب نظام الأولمب وترتج دعائمه وتتغير المقامات وينسخ القانون الذي صاغ نظام حياةالمدينة .

فالبشر يسعون إلى اكتساب مقام الألوهيّة رغبة منهم في البعث والتجدد والخلود . ويصارعون أقدارهم التي رسمتها الآلهة بحثا عن الحرية والخلق ورغبة في صدّ الظلم .

وأدوات السلطة متمثلة في آلهة مسخ ، أدوات تشرى بالمال والمناصب وتحظى بالقرب حتى تقوم بدورها في خداع الشعب وإسكات ثورة المتمردين ولكنها تفشل إذ تجعل زيوس ربّ الأرباب يختفي ويتنحى عن الحكم ولكن المتسلم الجديد للحكم أو الجالس على عرش الأولمب بدوره يفشل في أن يتخلّص من ميراث الحكم السابق . فيصوغ مجتمعا تقليديا تربّى على العنف والذّل والعبوديّة .

والبشر في تخلصهم من الخوف وثورتهم على زيوس يؤمنون أن لا أحد يمكنه أن يستحوذ على المقدس أو يتحدث باسمه وإنما هو صفة عند الآلهة اكتسبت بالدم والخداع والحيلة والقوة والصراع . والقيادة لا بدّ أن تتصرف وفق نظرية العدل واحترام رأي الآخر. والصراع أزلي بين ما هو بشري وما هو مقدس من خلال الفكر المثيولوجي اليوناني إلى يومنا هذا . مقدس يحاول أن يسود ويتحكممن خلال تفسير القائمين عليه والعاملين به وبشري يسعى أن يتخلّص من هذا المقدس الذي لا يرغب إلا أن يستمرّ وإن أضرّ بالبشر وعطلهم عن الفعل والتفكير .

وكانت النسيجة، الرواية أو اللوحة، الخيال الذي انبثق من لوحة فنية أوله ضرير ، بانيا أحداثا مصوّرا حكاية ،القا معنى مولّدا مشاعر، ملهما أفكارا، محييا فكرا ميثولوجيا غايته تفسير الواقع أو الطارئ والبشري بناء على رؤية الفكر الميثيولوجي . حتّى كأن البشر همالبشر والدين هو الدين والسلطة هي السلطة تجبر وشمولية . انقلابات و مصالح .حروب .تقاتل .هدم وبناء .وكأن الشعوب هي نفسها كما حاصرت زيوس في جبل الأولمب تحاصر وتحاكم سلطةحديثة متجبرة، قسرية . متمثلة في الثورة على الحكام لتفكيك قيمها السلطوية، ولتولّد من رحمها البشري العقلاني الحر وتصوغ مجتمعا جديدا لا تتصادم آلهته مع البشر .فهل يفهم البشر المقدس ويعدلونه بناء على الأوضاع ومستوى العقل . ورغم هذا ستظل فكرةالسلطة كما عالجتها إلهام بوصفارة عصية على التجسيد بكيفية ترتضيها كل الشعوب وستظل أي السلطة حلما قابلا للتجسد شيئا فشيئا .ببعض إيجابيات وكثير من سلبيات ، لأن البشر على الأرض ليسوا بآلهة وهم غير كمّل يخطؤون إلى هذه الساعة . تلك هي فلسفة الرواية فكرا. وما شكلها هذا إلا رغبة من الكاتبة في الهروب من طرق فكرة عارية بلغة أدبية تسعى أن تحاكي الطبيعة لا أن تفلسفها.

المقال السابقاقبلها
المقال التالىفيلم “مجنونة”/ أو “غير عاقلة”(أنسين)/2018
عمر السعيدي / كاتب تونسي قاص وناقد .ومنتج برامج بإذاعة تونس الثقافية نشر المجموعات القصصية التالية . الصوت المفقود / المشي بعين واحدة / الأسوار العالية / صبايا / الشرفة / وعاد البحر إلينا أخيرا / رجل لا تحبه النساء / آدم يتوق إلى الأرض . في الرواية : رواية ماريا في النقد الأدبي :....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد