أداء أكاديمي مقترن مع ملحمة الرافدين عند الفنان قاسم محسن

 

كما يحصل لدى البعض من الفنانين في مواهبهم المختلفة، أن تقترن مع الخطوات الأولى المبكرة من العمر، تلك المميزات ألتي يكتشفها هو بنفسه من خلال الإنجذاب نحو مرأى النتاجات الجاذبة للنفس، وكذلك مصادر بثها من الطبيعة والمحيط المجسد بالفلكلور المتنوع من مواد عديدة، وأبنية من الشناشيل والأزقة الضيقة وما يتوسطها من أشكال وبشر وأشجار. كل تلك الروافد والمرجعيات ألتي ترفد المنتج لا يمكن أن تدخل الوجدان والإدراك الحسي لدى الناس، ما لم يكون هنالك إستجابة وتلقي بمرحلة تعقبها مراحل متتالية من الإدراك والتنفيذ الأدائي، لعينة من المواهب والرغبة.

وأنا هنا أفصل بين المواهب والرغبة، لأن هنالك الكثير من لديهم مواهب عالية، ولكنها تكنسلت عبر مراحل الوقت، بسبب ضعف الرغبة في تجسيدها العملي واختيارها في التخصص، من خلال إختيار أختصاصات أخرى، لأسباب منفعية أو الخضوع إلى الرأي الجمعي، بدءاً من الأسرة أو الأبوين، وانتهاءا بالرأي العام، والناجم عن سيادة موجة التفكير المصلحي المهني، والعقائدي، وهو ما يحصل الآن من إحباط في تقييم الفنون بفروعها العامة، ومنها التشكيلية. أما ألذي يصر على المسير خلف روافد القيمة العليا للموهبة، ألتي تم منحها له منذ الخلق المبكر، فإنها إلتزام ووفاء لما أمتلكه من القدرات ألتي يتعطش إلى امتلاكها من قبل الكثير وباختصاصات علمية مهمة كالطب والهندسة وغيرها، بإستثناء من أمتلك الإثنان معا، أمثال الطبيب علاء بشير والفنان وائل المرعب، وغيرهم.

وعودة إلى ألفنان – قاسم محسن – فإن مايتعلق بتكامل الإكتشافات التشخيصية للقدرات لاتتم من خلال ألفنان ذاته فحسب وإنما من خلال مايحيطه من المجتمع بشكل عام، ومن التدريسيين بشكل خاص، وهذا ما أشار له الكثير من الفنانين أثناء متابعتي الدقيقة لمسيرتهم ألفنية ومنهم الفنان قاسم محسن، حيث أشار بأنني ـ (اثناء دراستي الابتدائية تم إكتشاف موهبتي من قبل معلم الفنية ” الرسم ” الأستاذ خليل، إذ طلب منا رسم ” بائع متجول ” وكان هذا المعلم ذا أختصاص بالرسم لأول مرة ينسب معلماً لهذه المادة، وحينما أكملت رسمي أمسك بيدي بقوة وعرض عمله ألفني على الأساتذة الآخرين).

 

 

 

هذه الحالة دونتها بإختصار، كي أوضح معنى أهمية المعلم التدريسي ألذي يشجع الطالب في وقته المبكر، عكس ما يحصل لدى البعض من المعلمين وخاصة في المراحل الإبتدائية والمتوسطة لأنها بداية مفتاح الإطلاع والنمو للمواهب، والبعض منهم وخاصة غير المختصين يقومون بالسخرية والإحباط، وأخذ درس الرسم إلى دروس أخرى بديلة. وكما يحصل الآن بشكل عام للفنون ومنها الموسيقية ألتي تدرس مع الدروس الأخرى للطلبة في البلدان الغربية، كما لمستها عند أبنائي هنا في شمال أمريكا، لأن الموسيقى يعد جانب من جوانب منح الذات والفكر، لجميع الطلبة وبكافة ميولهم واختصاصاتهم.

وللفنان قاسم محسن مساهمات إعلامية للوسط ألفني التشكيلي تبث من خلال برنامجه ألمهم (برنامج تشكيل) في قناة المسار، ويعد وسيلة إيصالة إلى المشاهد تعوض ما تفتقر له الوسائل الإعلامية للقنوات، برغم عددها الكبير إلى الأهتمام بالفئة المثقفة بشكل عام والفنون بشكل خاص، حيث يسود القنوات الآن ما يتحاور به السياسيون وأعلامهم سواء في أوقات الترويج لهم في الإنتخابات أوالأوقات الأخرى. لذلك فإن الوسائل الإعلامية لتلك البرامج ألتي توضح مسار ألفنان وطبيعة عمله، هي وسيلة تتوافق مع أهمية دور النقد الفني، لإنعاش وتطوير الحركة التشكيلية العراقية بعد إنغمارها تحت موجة الإهمال وتدني مستويات القيم والتقييم لها.

فضلاً عن المساعي ألتي تم تكليف ألفنان – قاسم محسن – لتنفيذها وتطبيقها لغرض تأسيس ثقافة الإحصاء والتوثيق لكل مبدع ولكل منجز إبداعي في شتى المجاﻻت الثقافية، وهي بذرة لمشروع ابداعي ضخم، شرعت دائرة العلاقات الثقافية العامة في وزارة الثقافة الى وضع الخطوط العريضة لفكرة (الببليوغرافيا). وكما هو معروف إن فكرة (الببليوغرافيا) هي مشروع قائم في مختلف البلدان، وبالرغم من تلك المساعي والقدرات الكبيرة لتوثيق تلك ألمهام.. إلا إنها تعرقلت في الإنجاز لقلة الدعم والجدية في الموضوع. علماً بأنه من المشاريع المهمة ألتي يتم إنجازها للأجيال الاحقة المحلية وللعالم العربي.

– أداء أكاديمي مقترن مع عمق التراث الرافديني –

بشكل عام، تسود أعمال الفنان – قاسم محسن – صيغة الأداء الأكاديمي الواقعي، ألذي يتناول البورتريتات المشخصة، لشخصيات يتم اختيارهم للأداء الواقعي، ولما يحيطه من الواقع المتنوع من الطبيعة و الأبنية ومكملاتها الجمالية من المفردات، كأشخاص وأنواع أخرى تحرك حيوية البنية العامة للتكوينات التجسيدية. أما في مايخص ربط التكوينات الشكلية، في معالم وادي الرافدين، فإن هنالك إحياء لمنجزات مضى عليها عقود من الزمن، بطريقة إسلوبية معاصرة، حيث تعكس وجدانية وفكرية ألفنان – قاسم محسن – ضمن جوانب الأحياء والتفاعل والتبادل ألذي ينطق بزمان متغير ومكان ثابت (العراق).


تلك الأدوار والتفاعلات هي حنين وجداني وإطلاع معرفي لتلك المراحل وربطها بمنجزات تشكيلية حضارية، كما يحصل في الوسائل الأدبية والثقافية الأخرى. ولكن هنا تكون التجسيدات مرئية أكثر صلة وتجسيداً مباشرا للرؤى والتمعن والأبصار والأصغاء والتمتع التذوقي، سواء في مرحلته الحالية أو لما يتبعها من مراحل لاحقة. لقد إتبع الطريقة الأدائية التكنيكية بمواد مختلفة تضاف إلى الألوان الزيتية والأكريليك على قماش الكانفاس، تمنح العمل أبعاداً منظورية بعمقها الثنائي والثلاثي الأبعاد ألذي يماثل النحت البارز (الريليف) وبمفردات دقيقة أشبه بالميناتور الزخرفي المصغر. تحاكي إحدى مفردات أسس ألفن التشكيلي، وهي (الشكل والأرضية). وفي عناصر ألفن (التكوين والفضاء) حيث تسرح تلك التكوينات والأشكال ضمن مسار متحرك بما يحيطها من أرضية وفضاء صافي ومختزل من التعقيدات.. كي يمنح العمل رؤى تأملية مركزة، وإذا تم إستخدام المحيط بمفردات دقيقة فإنها تأخذ عمق منظوري بدرجة لونية تسنح الفرصة لرؤى التكوين الأساسي للعمل الفني، المتجسد بخيول، أو بنايات لتراث حضارة بابل. وفي أعمال أخرى تدخل في فضائها حروف عربية كاجزاء لكلمات ناطقة بدلالات المعنى وايحاءاتها الضمنية.

وهنالك تنوعات أخرى من المصادر التراثية عبارة عن منحوتات لوادي الرافدين تتجسد في اللوحة بطريقة الرسم، ولكنها تبدو وكأنها عمل نحتي مجسم أو مدور بأبعاده الثلاث كتمثال قوانين حمورابي، وتماثيل لمسلة نرام سين ومسلة حمورابي وغيرهما من التماثيل التراثية المتعددة، وفي عمل آخر ألذي أصبح عنوان لكتاب صادر، جلب إنتباهي من حيث البؤرة المركزية وفي أرضية العمل هو البنية التنظيمية الهندسية لمثلث يحتوي في داخله مفردات التراث الرافديني. ذلك المثلث أفسره بوجهة نظري بما يتلائم مع إختياري له في إحدىأعمالي شخصياً، حيث يأخذ أبعاداً ثلاثية لها دلالات متنوعة، في الغايات والمعنى العلمي والشكلي. فالأبعاد الثلاثية تنطبق على حياتنا الإجتماعية وتركيبتها الوجودية، حيث الأسرة ألتي هي النموذج المصغر للمجتمع يتكون من أبعاده الثلاث الأب والأم والنجلاء أو الأبناء، وفي التشكيل يتكون من الألوان الأساسية الثلاث الأحمر والأصفر والأزرق وعندما يتم مد الخطوط من الزاوية نحو منتصف الخط المستقيم المقابل سوف ينتج الألوان المتضادة ثم تجاورها تدرجات الألوان الأخرى. ويمثل المثلث، تكامل أبعاد العمل من خلال المنتج والإنتاج والمتلقي. .

وهكذا تسري الأمور بأهمية هذه البنية الهندسية التشكيلية، في التكوين الإنشائي، للعمل الفني. وفي أعماله الواقعية ومنها البورتريه يستخدم الألوان بشكل هايرموني متدرج، بعيداً عن اصطفافات الألوان المتراصة بشكل متباين، كما هو في التكنيك الآخر لدى البعض، مما يسنح الفرصة لتأمل استرخائي، أما في أعماله التعبيرية المرتبطة بالتراث فإن صيغتها السيمترية تماثل الأبعاد لدى نحت الرليف، كما أشرنا له آنفا، فضلاً عن إستخدام الوحدات الأيقاعية الثابتة ذات ألوان مختلفة أشبه بالمربعات المتجاورة بايقوناتها المتكررة. وأخيرا نقول إن قاسم محسن فنان التشكيلي من مواليد 1965، حائز شهادة دبلوم من معهد الفنون الجميلة / الرسم، والبكلوريوس من كلية الفنون الجميلة /الرسم، يدرس أكمل شهادة الماجستير جامعة سانت كلمنتس. خريج المركز الاقليمي لصيانة الأعمال الفنية والمخطوطات في الدول العربية / اليونسكو 1992، خريج دورة دار الكتب والمخطوطات القومية / القاهرة لصيانة المخطوطات، حصل على درع نقابة الفنانين التشكيليين / درع 2008. أقام ثمانية معارض شخصية داخل وخارج العراق ـ بغداد ـ سلطنة عمان ـ الامارات ـ البحرين ـ لبنان ـ مسقط . تم الاحتفاء به وتكريمه من قبل جمعية الفنانين التشكيليين / فرع البصرة. قام برسم شهيد الثقافة الراحل كامل شياع في عمان اثناء افتتاح الاسبوع الثقافي العراقي، شارك بملصق جماهيري عن أطفال العراق لمناسبة اليوم العالمي للسلام عام 2008 . تم تكريمه من قبل السلطان قابوس عام 1999.

المقال السابقالضرائب الترفيهية
المقال التالىجمــاد
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

اترك رد