النقد الكرافيكي الرقمي – ج-1


 

شاع في الأونة الأخيرة وبشكل واسع مصطلح النقد الرقمي،أو الإلكتروني،أو التفاعلي وهو أحد منتجات الرقمنة الحديثة ووسائطها المتعددة ،سواء أكان النشر نقداً لسرديات أدبية ، أو فنية يتخذ كتابها من الفضاء الرقمي مساحة حرة للتفاعل مع القراء بعيداً عن الوسائط التقليدية التي كثيراً ما تخضع لمشروطيات تحددها الجهات ذات العلاقة ، مايهمنا في هذا العالم النقدي الحديث هو الإنتاجات الكرافيكية التي تستند في بنياتها الى الوحدات التيبوغرافية والكرافيكية وهي مشغولات فنية تختلف عن سواها ،لاسيما مشغولات الفنون الادبية ، وهنا تكمن صعوبة تشغيل الالية النقدية في قراءات الأفكار والبنيات التصميمية في حالتها الشكلية ،هي في الواقع تحتاج الى قارىء(ناقد) مجهز بمرجعيات فكرية تحليلية فيها من التفسير والتأويل والتفكيك والإستكشاف البصري لما يراه المحلل الناقد ، فضلاً عن قدرته في الدخول إلى النص في بنيته العميقة ، فعالم اليوم هو عالم مكثف بالمحمولات والتشفير في كثير من إرسالياته البصرية ،إذ افادت كثير من منصات التواصل الإجتماعي في بث ماتراه مناسباً ،وهنا يؤشر (إدمون كوشو) في مقاله (أسئلة النقد في الإبداع الرقمي) ملمحاً من هذه الالية بتساؤله:” كيف إستطاع الإبداع التفاعلي أن يحد من الحركة النقدية ؟ وكيف إستطاع كذلك أن يجرد النقد من دوره كوسيط ودوره كجسر أساس بين الإبداع الرقمي والمؤلف والمتلقي ؟ ومن المؤكد أن أي عمل فني رقمي تفاعلي لايحقق وجوده ومعناه إلا إذا حقق بينه وبين المتلقي نوعاً من التفاعل عبر حدود التلقي التي تمتد أمامه .

إن الموضوع المرئي سواء أكان نصياً أو صوتياً أو ملموساً حتى .. والذي يدركه المتلقي كحقيقة ويؤسس موقفه التقييمي عليه سواء أكان موقفا مؤشراً نحو العمل أو رافضاً له أو متغاضياً عنه ، إن هذا الموضوع هو في الأخير محصلة موضوع آخر مهم جدا لايدركه المتلقي ، إنه البرنامج المعلوماتي . قد تكون إستجابات هذا البرنامج هزيلة وضعيفة وميكانيكية غير ذات قيمة ( إذ توجد درجات مختلفة فيها من التفاعلية ) كما أن التجاوب والتحاور بين الطرفين قد يفقد أهميته”،اذن هو عملية إتصالية تواصلية بين أطراف عدة تنتهي بإرسال الرسالة الى المتلقي الذي يعد رائياً مباشراً للتصميم سواء أكان غلافاً لمجلة، أو اعلاناً، أو علامة تجارية ، أو غيرها من الإرساليات الكرافيكية ,وأكيد إن ذلك يخضع لحالات القبول ،أو الرفض ،هذا في ما يخص المتلقي الذي في كثير من الاحيان قد يكون مجهزا بأدوات النقد ولديه القدرة في تفكيك النص البصري ، وتؤشر (آنا كاتارينا شافنر في مقالها النقد الرقمي القادم من العمر) جانباً مهماً من تطور النقد الرقمي بقولها “لقد كان النقد الرقمي خلال العقد الماضي ، بلغ سن الرشد: الضجة حول النص الفائق ، وتصور الأدب الرقمي كتطبيق تطبيقي للمباني من نظريات ما بعد البنيوية التي من شأنها أن تؤدي إلى موت ثقافة الكتاب – المفاهيم التي حددت بداية المناقشة الأكاديمية للأعمال الرقمية – والتي تم إستبدالها تدريجيًا بمطالبات أكثر قياسًا حول الإمكانات الجمالية والتواصلية الجديدة الناتجة عن الإنتاج التفاعلي والمتعدد الاختصاصات. ولقد توقفت مناقشة الأدبيات الرقمية لفترة طويلة عن كونها التضاريس الخاصة للممارسين الشاعرين والمبرمجين ، وأصبح انضباطاً اكاديمياً في حد ذاته ، ولا سيما في الولايات المتحدة” لكن النقاشات مازالت مستمرة في مجال التصميم الكرافيكي المعاصر وهو مانراه واضحا في المتابعات التي قدمها رولان بارث وغيره في مجال قراءة الصورة الفوتغرافية وغيرها وهي لاشك ريادة في قراءة عنصر بنائي مهم في تشكيل المنتج الكرافيكي، وتستكمل مقاربتها السردية بقولها:”النقد الأدبي الرقمي ، مثل الأدب المقارن ، يجب أن يركز على الطبيعة المدارية للغة الأدبية. فالمجاز التصويري هو مفهوم يمكن أن يكون بمثابة نقطة ارتكاز لطريقة مقاربة قوية للدراسات الأدبية الرقمية ومع ذلك ، مثل الناقد(واردرب – فروين) ، يصر (زويرن ) على أن الشروط المسبقة لقراءات وثيقة صارمة هي الانتباه عن كثب مجهزة بلغة عالية في تفكيك رموز المصدر والخوارزميات والحسابات. كما يؤكد( فروين) أنه عند قراءة الأعمال الرقمية ، يجب علينا قراءة كل من العملية والبيانات، أي ليس فقط الكلمات والصور والأصوات التي تظهر على الشاشة ، ولكن أيضًا العمليات التي تولدها. هذا الاقتراح ، يعيدنا إلى حجة (زورن) الأصلية ، وهي وجهة نظر انتقادية راسخة في الدراسات الأدبية التقليدية ، إذ كان مفهوم الترابط المتشابك للشكل والمحتوى افتراضًا منهجياً أساساً”،ولو طبقنا ذات الأمر على الأعمال الكرافيكية فأن القارىء(الناقد) يجابه صعوبة واضحة بسبب إختلاف البنى التركيبة وطرائق إخراجها ومشاهدتها من قبل المتلقي فهناك صورة وهناك انماط كتابية متنوعة وهناك أفكار مطروحة ،لهذا فإن الإطروحات النقدية الحديثة التي تريد أن تضع أليات لنقد العمل الكرافيكي وجدت لها منفذا في هذا الإتجاه ،أو ذاك مثلما حصل في ما يسمى بـ(النقد الثقافي) الذي يحسبه البعض مجالاً للدخول الى البنيات الكرافيكية ، وبهذا الصدد يؤشر(الان لو) في مقاله(أين النقد الثقافي في العلوم الإنسانية الرقمية) بعضاً من إرهاصات هذا النمط النقدي ” من منطلق أن العمل الكرافيكي هو اساساً إرسال بصري موجه إلى الناس ،وهو بالنتيجة عمل إنساني :

1- في العلوم الإنسانية الرقمية ، كان النقد الثقافي – في كل من وسائل التفسير والدعوة- غائباً بشكل ملحوظ بالمقارنة مع العلوم الإنسانية السائدة ، أو حتى أكثر إثارة للدهشة مع “دراسات وسائل الإعلام الجديدة” (يسكنها الأخيرون من قبل النقاد الصافين والنقاد في وسائل الإعلام التكتيكية ، وهلم جرا). نحن البشر الإنسانيون نطور الأدوات والبيانات والبيانات الوصفية والمحفوظات بشكل نقدي ؛ كما قمنا أيضًا بتطوير مواقف حرجة حول طبيعة هذه الموارد (على سبيل المثال ، التشكيك في استخدام أفضل الطرائق الحسابية في تقصي الحقائق أو ، كما وصفتها ليزا سامويل وجيروم ماكغان ، “التشوه”). ولكننا نادرًا ما نوسع القضايا المعنية في سجل المجتمع أو الاقتصاد أو السياسة أو الثقافة بطريقة عتيقة ، على سبيل المثال ، من محترفي الكمبيوتر من أجل المسؤولية الاجتماعية. فكيف تتقدم العلوم الإنسانية الرقمية أو تقود أو تقاوم التدفقات العظيمة ، أو النيوليبرالية ، أو الشركاتية ، أو العالمية العظيمة لرؤوس الأموال ، على سبيل المثال ، فهي مسألة نادراً ما تُسمع في جمعيات العلوم الإنسانية الرقمية ، والمؤتمرات ، والمجلات ، والمشاريع التي أنا على دراية. ولا حتى الأشكال المبتذلة لهذه القضايا – على سبيل المثال ، “الفجوة الرقمية” ، “الخصوصية” ، “حقوق الطبع والنشر” ، وهكذا – تحصل على الكثير من اللعب.

لا تعليقات

اترك رد