هل تخلت الولايات المتحدة عن ورقة إيران؟

 

لم تعد الورقة الإيرانية ثمينة كما كانت منذ أحداث 11 سبتمبر وغزو العراق عام 2003 على النحو الذي كان يتطلب حمايتها ورعايتها، صحيح أن إيران لن تستجيب للمطالب ال12 التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو وما أعلنه بومبيو يعد انقلابا على مسار أميركي عابر لكافة الإدارات التي تعاقبت على حكم الولايات المتحدة منذ أربعين عاما وهي تتعامل مع إيران مثل تعاملها مع صدام حسين بعد إخراجه من الكويت عام 1991.

النظام الإيراني في أوج ضعفه ولن تستطيع إيران أن تخطف مواطنين أميركيين مثلما خطفت عبر أذرعها في بيروت ودمرت ثكنة المارينز في العاصمة اللبنانية وتركت لطلابها أن يحتجزوا دبلوماسيين أميركيين في طهران بل وتعاونت طهران حتى مع القاعدة في العراق وقتلت الجنود الأمريكيين وربما في أي مكان في العالم.

لدى أمريكا استراتيجيات عديدة في القضاء على الدول أو تفكيكها أو انهيارها من خارج الأمم المتحدة مثلما ساهمت في تفكيك يوغسلافيا وإضعاف العراق ثم تدميره بعد احتلاله، واحتلال أفغانستان الذي أصبح محطة وقاعدة يتجمع فيها المتطرفون لتصدير الإرهاب نحو المنطقة واللائحة تطول.

يتحدث بومبيو عن فرض أقسى العقوبات ضد طهران مقارنة بما لم يفعله الأمريكيون طيلة أربعة عقود، لن تكون المسألة هزلية بسبب أن طهران تسيطر على المنطقة عبر أذرعها، ولن تتخلى عن مكتسباتها بتلك السهولة إذا لم تكن هناك مواجهة عنيفة دون استخدام القوة العسكرية المباشرة.

يتحدث بومبيو ما لم يقله ترامب عن طهران، ففي روح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ومضمونها شروطا قاسية ولن تترك المنطقة تستولي عليها روسيا والصين خصوصا وأن الاستراتيجية الأمريكية تصب في استراتيجية ترمب الجديدة أمريكا أولا وهي تراقب أن السعودية أصبحت منصة للصين تعبر من خلالها إلى أوربا وأفريقيا والشرق الأوسط، وكذلك التعاون السعودية الروسي حول النفط حتى أصبحت روسيا جزءا من التعاون الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة أي حلت محل الولايات المتحدة، وبذلك أمريكا خسرت المنطقة بسبب استمرارها في عهد أوباما الذي وقع على الاتفاق النووي مع إيران وأعطاها مقابل ذلك نفوذ إقليمي واسع المدى لم تتمكن إيران من تحقيقه لولا هذا الاتفاق النووي، مستثمرة إيران انهيار الدول العربية بعد الثورات العربية عام 2011.

لم تعد تتقاطع مصالح إيران وأمريكا في أفغانستان ضد حركة طالبان وكذلك في العراق، ولم تعد تقنع إيران الجميع بأنها تدافع عن المستضعفين، لكن إيران لم تستوعب استراتيجية مرحلة ما بعد داعش، أي أن هناك استراتيجيات كثيرة تغيرت وحلت محل الاستراتيجيات السابقة، خصوصا بعدما تولت السعودية محاربة الإرهاب الفكري والتطرف وتشكيل تحالف عسكري إسلامي لمحاربة الإرهاب، أعطى طمأنينة للعالم المتقدم بأن السعودية كقائد إسلامي تولت تفكيك أساب الإرهاب الذي يتولد عن متطرفين مسلمين بعدما كانت كثير من الدول ترفض الاعتراف بأن التطرف يولد الإرهاب.

إيران مرتبكة بسبب التحول الإستراتيجي في الفكر الأمريكي في فترة وجيزة جدا ولم تستوعب هذا التغير، أي لم ينتهي عهد أوباما المتواطئة مع إيران، حتى أتت القراءة الأمريكية الجديدة ضمن استراتيجية أمريكا أولا، وأطاح ترمب بوزيره السابق واستبداله ببومبيو الذي لديه قراءة متوافقة مع قراءة ترمب بما يحفظ لواشنطن زعامتها للعالم التي بدأت تنهار منذ عهد بوش الإبن وكذلك في عهد أوباما وتتراجع لصالح قوى آسيوية كالصين وروسيا.

لم تعد الورقة الإيرانية ثمينة كما كانت من قبل، بل أصبحت مكلفة ومعيقة لنفوذ الولايات المتحدة في المنطقة لصالح قوى أخرى، وعليها أن تنتزع منها العراق وسوريا واليمن وحتى لبنان عبر فرض عقوبات تاريخية، بل بدأ بومبيو يتهم حتى الأوربيون بأنهم لم يتمكنوا من الوقوف ضد الصواريخ البالستية الإيرانية.

هناك تساؤل كيف تتعامل الولايات المتحدة حول التماس الأمريكي الإيراني في عدد من الميادين المشتركة في العراق في سوريا، لكنها تدار بكل حكمة، وهي تتحاشى التصادم، لذلك هي ضمنت دعم الصدر في العراق مقابل عدم السماح للفصائل المليشياوية التابعة لإيران بالتعرض للقوات الأمريكية المتواجدة على الأراضي العراقية، بينما في سوريا هناك قواعد أمريكية، بل إن إيران ومليشياتها وحزب الله في دائرة الاستهداف في أكثر من جهة، وهناك غارات مجهولة تربك حسابات حزب الله وإيران في سوريا عندما أطلقت طائرات حربية استهدفت مستودعات أسلحة لحزب الله قرب مطار الضبعة العسكري في الجزء الغربي من محافظة حمص ضربت مخازن أسلحة تابعة لحزب الله اللبناني في 24/5/2018 من جهة أخرى نفت وزارة الحرب الأميركية البنتاغون مشاركة قواتها أو قوات التحالف الدولي بقصف مطار الضبعة.

في الوقت الذي سعت واشنطن لتضييق الخناق على مصادر تمويل حزب الله اللبناني حيث فرضت عقوبات على ممثليها في إيران وعلى أحد مموليها الرئيسيين وشركات الخمس في أوربا وغرب أفريقيا والشرق الأوسط قبل أسبوع من تلك الضربات.

كما دعت مجموعة الدعم الدولية لبنان التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والإتحاد الأوربي لبنان إلى استئناف الحوار حول استراتيجية وطنية للدفاع.

جاء خطاب بومبيو وزير خارجية أميركا في 21/5/2018 ليضع نهاية للمساومات الإيرانية، وبدأت الحرب على نظام إيران بسلاح العقوبات الاقتصادية التي تمثل تهديدا لوجود النظام الإيراني وليس فقط التضييق عليه، وستفرز ضغوطات مباشرة عليه من قبل الشعب الإيراني، خصوصا بعدما بدأ الأوربيون يهربون من إيران فتوتال الفرنسية تركت حقول الغاز في الخليج وغادرت، وكذلك الشركة الإيطالية ANI توقفت عن البحث عن النفط والغاز، وكذلك إيرباص التي وقعت مع إيران بيع مائة طائرة لم يصل منها سوى ثلاث طائرات من الصفقة التاريخية بجانب شركات كثيرة.

مسار الأحداث في سوريا لا تبشر بالخير بالنسبة لإيران سواء من خلال الحرب أو المفاوضات، يبدو أن إيران ستكون الخاسر الأكبر في سوريا على المدى الطويل، وإيران حذرة من الدخول في حرب مع إسرائيل في سوريا على عكس الوضع في لبنان، وهي فرصة سانحة للحل السياسي في سوريا بعدما كانت إسرائيل تتدخل بشكل محدود وتراقب الوضع عن كثب ولكن لم تكن في نفس القلق الذي تعيشه اليوم، لكنها اليوم تخشى من الوجود الإيراني الكثيف بجوارها في سوريا.

لذلك تحرص إدارة الرئيس ترمب التوصل إلى صفقة شاملة حول إيران تتضمن حوافز اقتصادية مقابل الإصلاحات المحلية والتخلي عن دورها الإقليمي في المنطقة العربية، ولن تتحقق مثل تلك الصفقة من دون ضغوط اقتصادية تاريخية، ولن تتخلى إيران عن مشروعها إذا لم تشعر أن خياراتها وصلت لطريق مسدود.

لا تعليقات

اترك رد